النظام السوري عندما يعتذر ويوقف فيلماً سينمائياً… و”النمس” يقول ليس بالموهبة وحدها

حجم الخط
2

ما زالت النقاشات والاحتجاجات حامية ضد فيلم “دم النخيل”، الذي عرض أخيراً في دمشق، بخصوص ما اعتُبر إساءةً لأبناء مدينة السويداء الجنوبية السورية، ما اضطر “المؤسسة العامة للسينما” لإيقاف الفيلم، وإصدار بيان اعتذاري “يؤجّل” عرض الفيلم جماهيرياً، بعد أن دُفع إلى صالات السينما.
في المبدأ، وحسب أصول الدراما، لا يجب أن نأخذ مقولة العمل الإبداعي، مسرحاً كان أم سينما أو سواهما، من فم شخصية واحدة، فمن البديهي أن العمل لا يُقرَأ إلا بتشابك علاقاته وبناه وحركة مجمل شخصياته. كذلك فإن مشهداً واحداً لا يمكن الاعتماد عليه وحده في قراءة فيلم سينمائي. لكن من قال إن سينما نظام ديكتاتوري متوحش تفرق معها الأصول، أو أن صنّاعها يعرفون شيئاً أصلاً عن مبادئ تلك الصناعة الإبداعية!
لذلك يمكن أن نصدق بسهولة أن مخرج الفيلم نجدت أنزور، وهو المعروف بموالاته الشديدة لنظام بشار الأسد، وقد رشّحته خدماته السينمائية والتلفزيونية أن يحوز مقعداً في البرلمان، بل وأن يصبح نائباً لرئيس مجلس الشعب، وبحسب “مفهومياته” للدراما، تقصّد بالفعل أن يُظهِر جندياً ينتمي إلى مدينة السويداء ذات الأغلبية الدرزية (بحسب لهجته) كرجل جبان ورعديد في خضم المعركة، فيما زميله، ذو اللهجة الساحلية الصريحة، يصوَّر كبطل مغوار في ساحات الوغى.
يمكن أن نصدق ذلك لأن سياسة النظام، وبناء على تصريحات رئيسه، تقوم على اللوم الشديد لأبناء تلك المدينة الجنوبية الذين رفضوا، وما زالوا إلى اليوم، الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية.
كذلك، فإن هذه النظرة تتواءم، ليس فقط مع توجه سياسي، بل مع أعمال سينمائية أخرى، كفيلم المخرج جود سعيد “مطر حمص”، الذي يرى في ابن النظام يوسفاً (أنا يوسف يا حمص)، فيما الآخرون هم الإخوة المتوحشون. وصحيح أن يوسف في “مطر حمص” جاء مسيحياً، ولكن كان كافياً لكي يختصر الأقليات المحاربة لتوحش الإخوة.
اختصار النظام بشخصية يوسف (بإحالة إلى القصة الدينية المعروفة) تكرر في أكثر من عمل، حتى من خارج مؤسسة النظام، حيث فيلم مايا جيجي “قماشتي المفضلة” رمّز إلى جندي النظام الذي يتردد على بيت للدعارة بيوسف، بل لم يكن يأنس المكان إلا إذا تليت عليه الحكاية، هو الذي يرى في نفسه الجمال والسلطة، وفي الآخرين ذئبيتهم .

مؤسسة سينما النظام اعتذرت وهذا حدث نادر، لم يتكرر منذ أوقف تلفزيونه الحلقات الأخيرة من مسلسل أخرجه طلحت حمدي استفز أهالي حوران أوائل الثمانينيات

ليس السوريون إذن من قرروا أن يقرأوا السينما على نحو طائفي، إنه النظام الذي قرر أنه يوسف وأن الآخرين مجرد كواكب تدور حوله.
مؤسسة سينما النظام اعتذرت إذن (وهذا حدث نادر، لم يتكرر منذ أوقف تلفزيونه الحلقات الأخيرة من مسلسل أخرجه طلحت حمدي استفز أهالي حوران أوائل الثمانينيات)، وقررت “تأجيل” الفيلم، بعد أن أطلقت على العرض الأول الذي افتتحه بشار الأسد اسم “العرض التجريبي” في محاولة للتخفيف من وقع الإساءة. ونحسب أنه ابتكار سوري خالص أن تسمي عرض فيلم بـ “التجريبي”، كما لو أنه “بروفة جنرال” لعرض مسرحي!
المتوقع الآن أن يقصّ المخرج مشهد “تخاذل” ذلك الجندي، وأن يعاد الفيلم إلى صالات العرض من جديد، بجندي واحد “غير متخاذل”، بصوت عال وطاغ، ولهجة بيضاء* جداً!
*(زعمت كاتبة العمل ديانا كمال الدين أنها كتبت المسلسل بلهجة بيضاء (أي محايدة)، ولكن مصادفة أن الممثل الذي لعب الدور ينتمي إلى السويداء جعلت الشخصية هكذا. لكن كيف ذلك وشخصيات الفيلم الأخرى تتحدث بلهجاتها!).

لقطة من فيلم “دم النخيل”

بين فلفلة وفراس ابراهيم

من أطرف ما قيل بخصوص الجدل حول فيلم نجدت أنزور الأخير “دم النخيل” تعليق يقول “لماذا تستغربون أن يؤدي دور خالد الأسعد، الآثاريّ الذي قتل على يد “داعش”، والذي يدور الفيلم حول قصته، ممثل مغمور مثل محمد فلفلة، ألم تروا كيف لعب فراس ابراهيم دور محمود درويش؟!”.

توابل

يصرّ نجدت أنزور مع كل عمل سينمائي أو تلفزيوني جديد أن يقدم ممثلين مغمورين ليسوا في الواجهة، كما في عمله الأخير. ينطوي الأمر على شيء من الغرور، بأن الرجل لا يقبل “التعكّز” على رصيد النجوم عند الجمهور، ويريد لعناصر بصرية أخرى أن تتكفل بإيصال العمل إلى الناس. أثار الأمر إعجاب الناس في البدايات، مع شيء من الإبهار والانقلاب على سائدٍ تلفزيوني. لكن سرعان ما توضح أن كل ذلك ما هو إلا توابل تموّه حقيقة الأشياء، وأن أعماله رديئة بنجوم كبار أو من دونهم.
الغريب أن أنزور مع كل التجديد لطاقم العمل في كل مرة، تجد لديه ثوابت لا يحيد عنها، من بينها مثلاً الاعتماد على الممثل اللبناني بيير داغر. وهو أصرّ على إشراكه في “دم النخيل” حتى على سبيل الأداء الصوتي للامبراطور الروماني أورليان.

ليس بالموهبة وحدها

عنونت صحيفة مقابلتَها مع الممثل السوري مصطفى الخاني بقوله “إن الموهبة وحدها لا تكفي إن لم تصقل بالدراسة والخبرة”.
من خبِرَ الوسط الفني ومجريات الأعمال التلفزيونية والسينمائية والمسرحية في سوريا يعرف جيداً أن الشق الثاني من عبارة الفنان ليس دقيقاً بالمرة. بل إن سوريا بالذات تصلح حقلاً لإثبات عقم المقولة. من يستطيع أن يكون نجماً تلفزيونياً اليوم من دون أن يكون مدعوماً ومسنوداً أو مرضيّاً عنه على الأقل من أعلى الهرم السياسيّ والأمنيّ!

من يستطيع أن يكون نجماً تلفزيونياً اليوم من دون أن يكون مدعوماً ومسنوداً أو مرضيّاً عنه

إذا كانت كل هذه الدراما، التلفزيونية خصوصاً، من صنيعة النظام وأجهزته، وبأجندة سياسية صريحة أو مواربة، فكيف ينجو نجومها من براثنهم؟
انظر كيف يصل زهير رمضان ليصبح نقيباً للفنانين يصول ويجول كما لو أنه ضابط استخبارات لا فنان، وإلى زهير عبدالكريم، وباسم ياخور، وعارف الطويل،.. تعرف جيداً أن الموهبة وحدها لا تكفي.

شاغلة كل الناس

في تلك الأزمنة السحيقة كان شاعر العرب الأعظم أبو الطيب المتنبي يوصف بـ “مالئ الدنيا وشاغل الناس”. اليوم تستطيع هيفا، لا أن تشغل الناس وحسب، بل وأن تصدر أغنية وكليب خاصاً لتغني فيه، تعيد وتتشدق: “شاغلة كل الناس“.

كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية