فيلم “عاملات الطابوق” للمخرجة العراقية إيمان خضر الحاصلة على ماجستير إخراج، هو الأحدث في مسار تجربتها الفيلمية الوثائقية بدءا من “أنيس الصائغ” و”طوابع فلسطين” و”الملك فيصل الأول” و”مقاهي بغداد الأدبية” و”ضد الكونكريت” وصولا إلى “عاملات الطابوق” الذي تجاوزت فيه، كما يبدو، مطبّات البدايات لتقدّم مشهداً من هذا الزمان متلبِّساً برداء الصورة. الفيلم مدته خمس وأربعون دقيقة، من إنتاج “الجزيرة الوثائقية” عام 2018. استغرق إنتاجه عامين بين كتابة السيناريو والتصوير.
يتناول الفيلم حياة مجموعة نساء في ناحية النهروان التي تبعد 70 كيلو متراً جنوبي العاصمة العراقية بغداد، وقد اشتهرت المنطقة بصناعة الطابوق الجيري. تعمل النساء في معامل الطابوق من أجل توفير لقمة العيش بالرغم من كونه عملاً شاقاً، يختص فيه الرجال عادة.
بعباءات سوداء ونقابات تصادر الوجوه وتحيلها إلى المجهول، لا تظهر منها سوى عيون لامعة لا تكفّ عن البحث في اللامعلوم أو عن المفقود. يظهرن في أحد المشاهد وهن يحملن الطابوق من الأفران في شهري تموز/يوليو وآب/اغسطس إذ تصل درجة الحرارة إلى ما بين 55-60 مئوية تحت ظروف قاسية، شكلت هذه الصورة مدخلاً تأسيسياً لفيلم المخرجة إيمان خضر. منذ الدقائق الأولى التي تختنق بالحسرة وهي تمضي بنسق واحد وبسلاسة مطعّمة بتكنيك سمعي بصري ليشتغل تحت ثيمة موحدة.
هذا النوع من الأفلام يتعرّف على الواقع ولا يعيد صياغته بل يتلقّاه كما هو وليست لديه شروط لإقامة العلاقة مع الآخر ويصبح المتلقي في حال من الإسترخاء السلبي متورطاً بالتجديف في بحر من واقع لا ينفكُّ أن يكون جزءاً منه.
التقطت المخرجة الصور السريعة المنقّضة على اللحظة: نساء يتماهين في إنكار الذات وإعالة أسرهنّ بلقمة ممزوجة بالمرارة ملسوعة بالذل، مشحونات بضراوة مجتمع غاشم وسلطة أبوية حد الموت حرمتهن من طفولتهن. إلى ذلك المكان المنفي الملتهب من منطقة النهروان أسفل العاصمة العراقية أتين يحملن كل خيباتهن والخيبة الكبرى تلك الكذبة التي اسمها وطن لم يمنحهن سوى الفاقة والعوز والتهميش.
وضع الفيلم جرعات من الألم بدفق غير متوقف بما يجعل المتلقي مهموماً بالوجع، ليس على نساء المداخن فحسب، بل على كلِّ كائنٍ حي في تلك المحرقة. فهناك مشهد مؤلم في الدقيقة السادسة بدا فيه حمار إحدى النساء عاجزاً عن الحركة تحت وطأة أحماله الثقيلة فغضبت المرأة من جور الزمان عليها وأنزلت على وجه الحمار، أو وجه الزمان لا فرق، سياطها بهستيرية جعلت الحمار يخفي رأسه بين ساقيه بينما هي تستعر بالضرب ليستجيب لها في مشهد مأساوي تحمله لك تلك الكاميرا اللعينة وهي تهزأ بك شامتةً وأنت تنهار بكاءً تعاطفاً مع أوجاع ذلك الكائن البريء، وحين تعاود مشاهدته مرات عديدة تكتشف في كل مشاهدة جديدة أسىً من نوع اَخر. تميّزَ الفيلم بإيقاع واحد مشحون بفجيعة لم نفق من ورطتها. حتى الموسيقى التي نسمعها في أقبيتهن وهي موسيقى للفنان محمد أمين عزة، حزينة ومستفزة لحد الإنتقام حين تستعيد ألحاناً عراقية مشهورة في نحيبها وتدوينها لكل الوجع العراقي.
العمل المضني
اهتمت صانعة الفيلم بالوصف الخارجي للمكان لترصد أدق التفاصيل ما يزيد من زخم التشويق حين منحتنا فضولاً من نوع اَخر وجعلتنا نستمع إلى صوت الشاحنات والضجيج وأجيج النار وأوامر المراقبين من الرجال وتوتر خفي في قلوب لا نسمع منها سوى همس لعلنا نحسُّ أو تتوقد انتباهاتنا ولكنها لم تبخل علينا حين سرقت أصواتاً لكركراتهن بعض الأحيان وهن يهزأن من الضيم. تستطيل الأمكنة وتتلاشى هناك والعيش بين نيران وليس نارين وهن يتمدّدن على رصيف الوحشة في ظل مهزوم. كالشمس بقاماتهن السومرية الممشوقة والحركة السريعة والكفوف الدامية أمضينَ سنواتٍ طوال من العمل المضني وكل واحدة منهن تنظر إلى البعيد ولا تكف عن مغازلة الحلم، يعملن من الفجر لغاية الظهر ويتقاضين ما يعادل 60 دولاراً أسبوعياً تتقاسمه العاملة مع الطبيب ليمنحها زمناً أطول للصمود أمام المرض والضعف والتعب، والجزء الثاني لتوفير لقمة العيش لأهلها كي لا يذلّهم الجوع، والجزء الأخير تملأ به معِد صغارها.
إحداهن تقول: “أسمع بالمدرسة ولكني لم أرها يوماً في حياتي، حلمي أن أذهب إلى المدرسة، أتمنى أن أتعلّم وأغير حياتي، ولكن هذا حلم”. وهو قول يستدعي ما قاله المخرج الإيراني عباس كيارستمي “لم تكن تعرف القراءة والكتابة لكنها قالت شيئاً لم أقرأ مثله ولم يكتب أحد مثله من قبل”. عيناها تشعّان بريقاً وهي تراقص الطابوق بكفيّها المتورمتين من العمل المضني وهي تمهر الزمن بعويل ذئب وتنظر إلى البعيد، تضج بأنوثتها التي صادرتها من أجل أن تظفر بلقمة عيش، لم ترتضِ أن تكون على هامش الحياة بل في مساحة تتسع الكون، أمراة قوية ذات شغف وإرادة لا تنثني ولا تنتظر نجدةً من أحد بل تتقاسم رغبتها في الحياة مع أحلامها الكبيرة. حكايا الشخصيات، وهناك مشهد آخر قدّمته لنا المخرجة لسيدة في السبعين من عمرها تئن تحت وطأة العمر، ورغم كل هذه العذابات هناك إقبال مفرط على الحياة تجسَّدَ من خلال إصرارهن على التواجد في خريطة العالم.
إنتاج الخراب
قدمت لنا إيمان خضر على عجالة قصة أخرى في اقتحام رجل لمخدع سيدة هي وأطفالها بغرض الإغتصاب أو السرقة، وسيان إن كان هذا أو ذاك، أشعرتنا وهي تتذكر ذلك اليوم لكأن العمر لا يتسع للعيش بكرامة.
في حوار مع طفل صغير لا يتجاوز الثمان سنوات يعمل بلا روح، تسأله المخرجة كم عمرك؟ يقول لا أعرف، ربما كان جوابه هذا أكثر عمقاً مما لو كان يعرف كم عمره فجهله لهذا الزمن المقيت الذي لا ينصف جسده النحيل وهو يتنفس غبار المعامل، كانت نظرته عميقة وفاضحة حد اللعنة لجميع المتورطين بسجنه بهذا الجسد العليل وعمره الحقيقي أكبر من عمر سراق طفولته.
في فيلم “عاملات الطابوق” أصرّت إيمان التي أرادت أن تقول علانية من دون خجل أن شمساً جديدة قد بزعت، فهؤلاء النساء يقمن بالتمثيل ويظهر الرجل على حياء متثاقل الحضور حتى لو كان هذا الدور هو مسح قذارة العالم. ولعلّ هذا يستدعي ما قاله الناقد الكبير جون بيرغر في عبارة “يقوم الرجل بالتمثيل بينما تكتفي المرأة بالظهور” وهو الأمر الذي نقضته نساء المداخن في نهروان العراق، في مجتمعات لا تجيد سوى إنتاج الخراب واستطاعت وبجدارة أن تنمّط شخصية المرأة وتقمع كيانها وتستبيحها بكل ما أوتيت من سلطة مجتمعية لتحوّل ذلك الكائن إلى جسد خنوع لا يتردد في الموت من أجل إسعاد الرجل، كما قالت فيرجينيا وولف “طوال قرون قامت المرأة بدور سطح عاكس يمتلك السحر والمقدرة اللذيذة على إبراز صورة الرجل لتكون ضعف حجمها الأصلي”. ما قدّمه فيلم “عاملات الطابوق” أنّ النساء لم يضفن لصورة الرجل سحراً ولا مقدرة لذيذة على تضخيم حجمه وإنما انتصرن لذلِّهن من خلال انتزاع صورة جديدة لوجودهن.
ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى أن المخرجة العراقية إيمان خضر حاولت أن تكون امتداداً للصور المضيئة في تاريخ بلدها، العراق، إذا ما علمنا أنّ أول فيلم وثائقي عراقي أُنتج عام 1927. ومنذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا ظل يتراوح هذا الكائن الوثائقي بين خيبات السياسة وجهل رأس المال.