دمشق – «القدس العربي» : أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، توصل الأطراف السورية إلى «اتفاق» على تشكيل لجنة لإعداد دستور جديد للبلاد، واعتبر ذلك مدخلاً أساسياً للعملية السياسية، مختصراً عبر تصريحاته «النزاع السوري» باللجنة الدستورية، وتأمل خلال مؤتمر صحافي في مقر الأمم المتحدة في نيويورك «أن تساعد هذه الخطوة في «تهيئة الظروف لحل سياسي لهذا الصراع المأساوي».
وقال «يوجد الآن اتفاق بين جميع الأطراف على تكوين اللجنة، و(المبعوث الأممي) غير بيدرسن يضع اللمسات النهائية مع الأطراف في ما يتعلق بالاختصاصات، ونأمل أن يتم الانتهاء من ذلك قريباً».
وستنطلق اللجنة وفق تصريحات الرئيس التركي نهاية سبتمبر/أيلول الحالي، وهو ما أكد عليه الزعيمان الروسي والإيراني، في مؤتمر صحافي عقد عقب القمة الثلاثية في العاصمة التركية أنقرة، لكن معارضين للنظام السوري أثاروا انتقادات عدة، معتبرين ان اللجنة هي تحريف لأهداف الثورة السورية من تغيير النظام إلى تغيير الدستور، متسائلين حول مرجعية هذه اللجنة، وهل ستناقش دستور 2012 وتطرح تعديلات جديدة عليه حسب رواية النظام السوري، أم أنها معنية بكتابة دستور جديد للبلاد حسب رؤية المعارضة السورية، وهل ستفضي اللجنة حقاً إلى تغيير المنظومة الحاكمة في دمشق أم أنها خطوة في اتجاه تأهيل وإعادة إنتاج النظام السوري الحالي؟
فقد اعتبر مراقبون ان أمر إعلان اللجنة من قبل الأمين العام للأمم المتحدة هو بسيط جداً، مقابل إيجاد حل للاستعصاء السياسي وتقريب وجهات نظر الفاعلين من قوى خارجية ومحلية. وطرح البعض أمام «القدس العربي» استفسارات جوهرية حول إمكانية الفرقاء السوريين من التوافق على دستور جديد؟ فيما ان الامر الأهم هذه المرة الأولى هو جمع المعارضة والنظام بشكل مباشر، وهم معنيون بالعمل المشترك في أكبر تحدٍ مقبل.
معارضون: اللجنة حرفت أهداف الثورة من تغيير النظام إلى تغيير الدستور
وتعمل الأمم المتحدة منذ أشهر عديدة، بضغط روسي، من أجل تشكيل هذه اللجنة، المؤلفة من 150 عضواً، 50 من جانب النظام السوري، و50 تختارهم المعارضة، و50 يختارهم المبعوث الخاص للأمم المتحدة، إلا ان قسماً من اللائحة الثالثة، كانت مداراً للجدل على مدى أشهر، حتى تم تفكيك المشكلة القائمة حول ستة أسماء حسب دبلوماسيين أفادوا أن الخلاف تقلص إلى اسم واحد فقط يدور حسب مصادر لـ «القدس العربي» حول حميدي دهام الجربا المرشح عن قوات سوريا الديمقراطية «قسد».
اتفاق الأطراف
وقال «غوتيريش» خلال مؤتمر صحافي في مقر الأمم المتحدة في نيويورك «يوجد الآن اتفاق بين جميع الأطراف على تكوين اللجنة، والمبعوث الأممي غير بيدرسن يضع اللمسات النهائية مع الأطراف في ما يتعلق بالاختصاصات ونأمل أن يتم الانتهاء من ذلك قريباً».
ويختتم هذا الإعلان مساراً طويلاً من المشاورات المعقدة لتأليف اللجنة دستورية، لكنها حسب المعارض السياسي درويش خلفية هي حجر أساس في هيكل الحل السوري الذي «تصر موسكو على هندسته وفق رؤيتها وهذا ما تجلى من خلال جولات استانة و(مؤتمر الحوار الوطني) في «سوتشي» كانون الثاني/يناير 2018 الذي أقر تشكيل لجنة دستورية وكأنه يخترع العجلة من جديد وكأن القرار الدولي 2254 لم يذكر اللجنة كإحدى السلال الأربعة، والتي عمل عليها المبعوث الدولي السابق ستيفان دي مستورا ليل نهار ليحقق نصراً رمزياً يختم به اعماله.
واعتبر السياسي السوري ان حقيقة الذهاب نحو لجنة دستورية، بينما يرزخ نصف السوريين تحت وطأة اللجوء والتهجير والنزوح، خارج مدنهم وقراهم، «لا يحقق الاستقرار المنشود وجميعنا يعلم أن جذور المشكلة في سوريا ليست دستورية إنما حقوقية سياسية بحتة».
عمل اللجنة
ولم تزل لائحة أعضاء اللجنة غامضة، ولم يعلن أسماء أعضائها بعد الخلاف الماراثوني بين الروس والأتراك حول أسماء ستة أشخاص تسميهم الأمم المتحدة بداية، ليتقلص الخلاف حسب خليفة إلى أربعة ثم مؤخراً لشخص واحد هو حميدي دهام الجربا المرشح عن قسد مضيفاً لـ «القدس العربي»: «مازالت آليات عمل اللجنة غامضة وهي الأهم بالنسبة للأعضاء المقترحين من قبل أطراف استانة وأهمها آلية التصويت واتـخاذ الـقرارات».
وفي رأي المتحدث فإن سوريا بعد سنوات الصراع المسلح والتشرذم المجتمعي تحتاج لإعادة بناء الثقة بين مكوناتها ومن ثم صياغة عقد اجتماعي يراعي الوضع القائم والانطلاق نحو المستقبل. وأولى الخطوات يجب أن توقف أشكال الاعمال العسكرية كافة والتوجه نحو الحل السياسي وفق القرارات الدولية واهمها 2254 حسب تسلسل بنوده.
واعتبر خليفة إعلان اللجنة من قبل الأمين العام للأمم المتحدة هو امر بسيط جداً، مقابل إيجاد حل للاستعصاء السياسي واختلاف وجهات نظر الفاعلين في الملف السوري من قوى خارجية ومحلية.
الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، كان قد أكد أن العمل على تشكيل اللجنة الدستورية السورية انتهى، وقال «يمكننا القول إن العمل على الاتفاق على قائمة أعضاء اللجنة الدستورية قد اكتمل ككل. الشيء الوحيد الذي يتعين علينا القيام به هو ضمان الموافقة على آلية عمل هذه اللجنة، وقبل كل شيء، أن يكون التصرف لدى أعضاء هذه اللجنة بشكل مستقل بما فيه الكفاية ودون التعرض لأي ضغوط خارجية».
ولمعرفة تفاصيل عمل اللجنة، وأهميتها وهل تعتبر مدخلاً حقيقاً للحل السياسي، أم انها خطوة في مسار إعادة تأهيل النظام السوري، يقول المحلل السياسي محمد سرميني لـ «القدس العربي» إنه من المبكر الحديث عن تفاصيل اللجنة الدستورية وهي حتى الآن لم تعقد بعد، ولا نعرف اذا كانت سوف تعقد ام سوف تكون هناك مفاجآت تؤخر اللجنة الدستورية. واعتبر سرميني الذي رافق وفود المعارضة السورية في منصب مستشار سياسي ان «هناك أطرافاً دولية وإقليمية ترى ان الحل السياسي من خلال دستور جديد لسوريا ينتج نظاماً سياسياً جديداً، يكون بمثابة عملية انتقال سياسي، ولكن هذا التصور يحتاج إلى خطوات عملية من طرف الجهات الداعمة للنظام، ليمضي التغيير الدستوري بشكل حقيقي».
في حين انتقد المعارض السوري، د. كمال اللبواني، المسار الذي سلكته المعارضة السورية، حيث قال عبر حسابه الرسمي في موقع التواصل الاجتماعي: «المعارضة السورية.. من تغيير النظام إلى تغيير الدستور» وعزز اللبواني رؤيته النقدية بطرح إشارات استفهام على المسار برمته، قائلاً «من تغيير النظام لتغيير الدستور هل من قتل الشعب السوري هو الدستور؟ لماذا لا تنسحبوا من العملية السياسية وترفضوا المشاركة في هذه المهزلة» حسب وصفه.