إلى إيناس عبدالله : إذا سقط عامل المفاجأة من المعادلة تصبح الهزيمة واقعاً صعباً لا أكثر، ولا تُعدُّ فجيعةً أو انقلاباً، نحن كشعراء وكتّاب، نبدو أذكياءَ جدا أحياناً، إذ نحوّل هذه الهزائم إلى تصفيق حار نقطفه من أيدي القرّاء، وإلى صورٍ يقطفونها معنا عن شجر الأيام، ليحتفظوا بها في مستودع ذكرياتهم أو في ألبوم صورهم على الفيسبوك.
قبل قليل دخلت على الصفحة الرئيسية وجدتُ صبايا كثيراتٍ نشرنَ صورَهنَّ مع كُتّابٍ كبار زاروا معرض الكتاب الذي يقام في بلادهن، هنَّ يلذنَ بظل هذا الكاتب الكبير ليضمدنَ جراحهنَّ بكلماته، بنصائحه، بأفكاره الجنونية.
حزنتُ لأجلهنَّ.
لا يعرفن أن الكاتب الكبير عليه أن يصعد سلّم الجرح درجة درجةً ليعتلي برج الهزيمة، إنه رجل مهزوم جداً، هزمته الحرب، هزمه حبه المحطم، أو انقطاع الأمنية.
الناس يغرقون في أشغالهم، أو في ممارسة يوميّاتهم التي تتأرجح بين البسيط والمعقّد، والروتينيّ وغير الضروريّ، وما يحتمل التأجيل وما لا يحتمل ذلك، يغرقون في واجباتهم الاجتماعية، في علاقات العمل، وفي النوم أيضاً.
نحن لا نغرق، بل نُغرقُ، نُغرقُ في النص، الذي يلفُّ دارنا موجُه فجأة، قلت فجأة؟! نعم إذاً يجيء النصُّ أيضاً على شكل هزيمة كما اتفقنا في البداية. يا الله! النصّ ناتج الهزيمة وجسدها أيضاً!
نحن صُنّاع الخرافات المقدسة، وأولادها، نجعل الحُبَّ السّاقطَ حَبّاً ساقطاً، وننتظر أن يثمرَ يوماً حين ندفنه في تراب الوفاء المجنون. هذه الطقوس لا يمكن ممارستها في مناخ الكونِ الذي نعرفه ولا يعرفنا.. لذلك نحمل هذه الأفكار كلّها ونهرول باتجاه النص.
ندخلُ النصَّ محتفلين بالأمنيات نمدُّ حبلَ أفكارنا عن آخره، نسمّي الأزرق أبيضَ، والورديَّ بُنيَّ. ندخل النصَّ لننسى، وفي غمرة البحث عن بابهِ الواطئ نصنع خرافاتنا العظيمة، نكذب ونصدق كذبتنا، ثم نقدّسها وندعو الناس إليها
صرنا في قلب النصِّ إذاً: «الأشجار الرمادية العالية تزين جانبي الطريق، الطريق واسع جداً، حبيبتي تجلس إلى جانبي، والبلاد تستقبلنا بثوبها المطرز، وأمي تضحك مزهوّةً باختياري فتاةً على قدرٍ من الحريةِ والأناقةِ: زوجة ابني طويلة ونحيلة»
نخرجُ من النص محتفلين بسقوط الهواء الثقيل على رؤوسنا، نهتفُ في كسلٍ: من أشعل النورَ وأيقظنا؟ !
النصُّ حلمٌ طويلٌ متقطّع.
علينا إذاً أن نستيقظ من هذا الحلم، لكن شيئاً فشيئاً كي لا نسقطَ في فخّ الصحو الغادر، أذكر مرة أنني استيقظتُ على صراخ امرأة غابرة: «اتركني .. اتركني لستُ لك»، كنتُ ألعبُ دور رجلٍ أبله في ذلك النصّ، أرخيت فكّيَ السّفلي: « حسناً سأترككِ، ولكن أين أذهب بهذه الهدية التي اشتريتها منذ قليل؟!»
الطريف أن تلك المرأة الغابرة التي أيقظتني من النصّ أخذت الهدية وراحت، وسقطتُ أنا في الصحو الموجع يومها.
لا بأس كنتُ صغيراً قبل شهرٍ.
أذهب الآن إلى النصّ بساقين واثقتين، وبقلب امّحى منذ قصيدتين و ثلاثين منشور فيسبوكيّ، أذهب إلى النصّ رغم أنني لا أفكر بالكتابة مطلقاً، وأبصقُ في وجه المدينة، المدينة الفاجرة التي تضع في جيدها كل المتناقضات، في عِقدٍ واحد:
الغادرة والوفيّ، المجروحةَ والظالم، السارق والمسروق، الخائف والمجرمة، البارّة والعاقّ، والبار ودار العبادة، والمطهر.
كنتُ قديماً- أي قبل شهر- أنتظر النصّ في المقهى، كان يُخلف مواعيده، يأتي مبكراً أحياناً، وأنا في سيارة التاكسي، ربما لأنني كنتُ أقرأ في الطريق، كنتُ أُنفقُ 60% من الطريق في القراءة، و 40% في تجاهل تعليقات السائق الساذجة، لأكون صادقاً لم أكن أقرأ في الحافلة لأن صوت «الكونترول» يهين المزاج. الآن لم أعد أذهب إلى المقهى، ولم أعد أقرأ في أي طريق، لأنني اشتريتُ سيارةً واسعةً وعاليةً، رباعيةً الدفع، وتستهلك وقوداً بشراهة، وما إن أدوس دواسة البنزين حتى تشبُّ كالنعاس في جسد أمِّ لعشرين ولدٍ في منتصف الليل، أقودها بجنون ليلَ نهار، ولا أعرف أين سأذهب.. لا أفكر بالكتابة مطلقاً لكنني قبل قليل دهستُ نصّاً كان يحاول أن يقطع الشارع العام ربما لأن عاشقين افترقا في المقهى القريب، ولأن العاشق كان شاعراً، دهسته ووفرت على الشاعر عناء الكتابة، لكنني حملتُ النص إلى المستشفى واضطررت إلى السهر بجانبه كأي رجل ينتمي لبرج الحوت.
أتمنى لو أنني صيادٌ من هؤلاء الذين يصيدون السمك في فيتنام بشكل غير مصرّح به، عن طريق استخدام الديناميت، لأفجّر الحيتان كلها، فيلغي الفلكيّون برج الحوت لأنه لا يشبه شيئاً من المخلوقات أو الموجودات.
هكذا نكتبُ، حين نتجاهل هزائمنا.
ولكن عندما نحترم الهزيمة ونُجلسها في صدر البيت، ونجلس في عجزه، لاشيء يحدثُ سوى أن الجمهور يصفق، ويحتفل بالكتاب الذي يشتريه بعشرة دولارات فقط، فيما يدفع الكاتبُ عمره سرّاً، إن مقطعاً شعرياً واحداً، سيكون كفيلاً بعد قَطْعٍ من الزمن ليزجَّ بنا في دوامةٍ من البكاء المجنون، إنه الصورةُ التي نجدُها فجأةً في مظروفِ الأوراق الثبوتيّة لأحد المفقودين، إنه مكالمةٌ مسجّلةٌ لحبيب ماتَ فجأة في حادثٍ سماويّ، إنه وجهٌ عالٍ من وجوه الهزيمة لا تطاله سيوفُ الكبرياء، مع ذلك نكتب هذه المقاطع، ونقرأها بعد حين، ونسقطُ في دوامة البكاء، ونمدُّ يدنا لمقطعِ شعري آخر علّه يسحبنا ويخلصنا من غدر البحر. حقاً الغريق يتعلق بكلمة..
وليس للكاتب أن يَخرس حين يشاء، إنه يُخرسُ ولا يخرس، أحياناً يرغب بالصمت الحذر، لكنهم يستفزّونه إذ يحملون إليهِ هزيمةً مشوّهةً بأنف عريض، وأسنان مكسّرةٍ وشعر مجعدٍ، فيضطر إلى تجميلها، يحوّلها إلى نصٍ رشيقٍ بردفين مشدودين، وصدرٍ بارزٍ وبشرةٍ بيضاء ناعمةٍ، وشعرٍ مسترسلٍ، وأسنان مصطفة كطابور من اللؤلؤ تجعل الفم جديراً بقبلة، فيما يتأبط هو البشاعة كلّها ويخبئها في معطفه كي لا يؤذي منظرها نفسيّات العشاق الذين يمرّون بالمقهى ذاك.
لماذا نَقَعُ في فخّ الكتابة؟! ولماذا نجمّل هزائمنا من خلالها؟!
لأننا حمقى.
ولماذا نخرسُ حين يباعدُ الزمن بين ضفتيّ الجرح؟!
لأن الصفحة تكتظُّ أحياناً وتحتاج إلى فراغات.. إلى صمت.
٭ شاعر وكاتب من فلسطين
سلطان القيسي