أجريت يوم الجمعة الماضي مقابلة في صوت الجيش مع وزير الطاقة يوفال شتاينتس، عضو الكابنت، وخرج على لسانه كشف صغير. فقد قال إن إسرائيل سلمت بنقل الجيبين تسوفر ونهرايم إلى الأردن. الملك أعطى، وابنه أخذ. وإذا لم يطرأ تغيير، ستصبح الركلة الأردنية قريباً حقيقة ناجزة.
لقد أعطي الجيبان لإسرائيل كوديعة من الملك الحسين في اتفاق السلام في 1994. ومع أنهما كانا في السيادة الأردنية، قبل عشرات السنين من ذلك، بدأ مزارعون إسرائيليون في فلاحتهما. إسحق رابين طلب.. وكبادرة حسن نية وافق الملك حسين على إعطاء الإسرائيليين حق الاستخدام فيهما لـ 25 سنة. في نهاية الفترة، كما تقرر، ستعود الأراضي إلى حيازة أردنية، إلا إذا رغب الأردن في تمديد مدة الاتفاق.
قبل سنة من حلول موعد المادة، في 26 تشرين الأول 2018، أعلن الملك عبد الله بأن ليس في نيته تمديد مفعولها. والمعنى الاقتصادي واضح. عشرات العائلات ترتزق من الجيبين. ولكن، ثمة معنى سياسي ومعنوي. لقد كان اتفاق الجيبين رمزاً للنية الطيبة بين طرفين متخاصمين، للسعي إلى حل إبداعي. في عصر يكون فيه استقرار العلاقات مهدداً، بقي الجيبان قدمي استقرار.
عقب الناخب آفي ديختر، عضو لجنة الخارجية والأمن، على أقوال شتاينتس وتحفظ عنها. فقد ادعى بأن المسألة لم تحسم بعد. وعلى حد قوله، لا تزال إسرائيل تجري محادثات مع الأردنيين في محاولة لإيجاد حل. وهو لم يخطئ. فالاتصالات تجري بالفعل، ولكن بكسل وبلا تصميم إسرائيلي. لا يوجد ما يدعو الأردنيين إلى الاستسلام. فهم كفيلون بأن يكسبوا من عودة الأراضي إلى استخدامهم. وإسرائيل هي التي ينبغي لها أن تأتي مع سكين بين الأسنان.
وينبغي أن تهرع إسرائيل إلى المعركة، أو على الأقل إلى بذل جهد حقيقي عنيد على أعلى المستويات. ولكن ذلك لم يحدث بسبب انشغالات الانتخابات، والتوتر في الحرم، وعداء الشارع الأردني. في السطر الأخير، كان هناك احتمال لإبقاء الجيبين في أيدي مزارعينا. كانت لهذا سنة كاملة، وعمان لم تغلق الباب. كان يمكن أن تحاك للأردنيين رزمة ترضيهم، وتتيح للملك على نحو خاص أن يأتي إلى الجمهور ويشرح له سبب التراجع.
إن أحد الأسباب الأساسية لقرار عبد الله الثاني استعادة الأراضي هو اتفاق تحلية المياه الذي وقع مع الأردن في 2015. يدور الحديث عن منشأة أطلق لإقامتها على شواطئ العقبة لتحلية 35 مليون متر مكعب في السنة. وتضخ الماء منها إلى الأراضي الزراعية في إسرائيل. بالمقابل، تضخ إسرائيل للأردنيين الكمية ذاتها في شمالي البلاد، في أنبوب يصل إلى أطراف عمان. وهكذا ينتج الطرفان المياه في صفقة دائرية، ويوثقان العلاقات بينهما. الأردن يوفر لنفسه أنبوباً من مئات الكيلومترات من العقبة إلى عمان، بكلفة عالية جداً. وقعت إسرائيل على هذه التسوية مع الأردنيين، بل ووجد لها التمويل، ولكنها تراجعت. فجأة جاء أحد ما وقال إن المنشأة ليست مجدية اقتصادياً، ويحتمل أن تضر البيئة. طلب الأردنيون من القدس إعادة النظر، ادعوا بأن الاتفاق موقع، ولكنهم عادوا بخفي حنين.
وعندما نشبت أزمة الجيبين، اقترحت إسرائيل على الأردنيين إبقاء الأراضي مقابل بدل إيجار يدفعه المزارعون. ولكن العرض رفض بحجة أنه متواضع للغاية.
في صباح ما، قريباً، قد يخرج مزارعو أسدود يعقوب إلى حقولهم ليشاهدوا المزارعين الأردنيين يفلحونها. ومثلهم أيضاً مزارعو تسوفر، في وادي عربا الأوسط. ستذرف عشرات العائلات دموعها في أسدود يعقوب وفي تسوفر، ولكن هناك احتمال جيد بأن يعوضوا بما يتناسب مع ذلك. ما لن يتيح التعويض هو فقدان “جزيرة السلام” في نهرايم، التي كان الوصول إليها بحرية رغم أنها تحت السيادة الأردنية.
على مدى السنين، قامت وسقطت أحلام في العلاقات مع الأردن. أرادوا إقامة جامعة مشتركة في العربا، يتحدثون بلا نهاية عن حديقة صناعية مشتركة. وقعوا على اتفاق لإقامة منشأة تحلية. ولم يحدث شيء من هذا. فالإسرائيلي المتوسط لم يضع الأردن على خريطة زيارته، ولم يشجعه أحد على ذلك أيضاً. لماذا نشجعه، فيما حب الاستطلاع لروما وباريس أجمل منه إلى عمان! وعلى مدى السنين شكل الموقع في نهاريم بديلاً صغيراً لكل هذا.
نصب يذكرنا كيف يمكن للسلام أن يكون، وبالأساس كيف ينبغي أن يصنع. أما قريباً فستنقل محطة روتنبرغ إلى أياد أردنية. وسنسمع عن الأردن عندما يشتعل الحرم ويقفز وزير خارجيته غضباً. المهم أن هناك (علاقات خاصة) مع الأردنيين، لدرجة أننا لا نرى السلام من شدة الأمن.
في صباح الأربعاء، غرد الصحافي عميت سيغال على “تويتر” بقائمة المواضيع التي ستطرح على البحث في الكنيست القادمة. السيادة في الغور، وفقرة التغلب، والحصانة لنتنياهو، وتعيين فايغلين وزيراً. وكانت النبرة تهكمية، ووجهت اللذعة أساساً لرئيس الوزراء نتنياهو.
قبل أسبوع من الانتخابات، وعد نتنياهو بضم غور الأردن إلى إسرائيل إذا ما شكل الحكومة القادمة. حتى لو كان الضم جزءاً من خطة سياسية شاملة، دل التوقيت على أن الهدف الفوري كان كسباً للاصوات. وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة بأن مثل هذا الضم يعد خرقاً فظاً للقانون الدولي. هذا موقف مهم، قد تكون له آثار عملية في الزمن الحقيقي. ولكنه متوقع. هكذا أيضاً شجبت الجامعة العربية ورد الفعل الحاد من المملكة الأردنية.
أما الرد الأكثر إثارة للاهتمام فخرج من السعودية. فقد صرح وزير خارجيتها بأن “المملكة ترى في ما قيل موضوعاً لاغياً وملغى وخرقاً للقانون الدولي”. أما الملك سليمان، في حديث مع أبو مازن، فأضاف: “معاً سنتجاوز الأزمة بالقيادة الحكيمة”.
إن الصديقة السرية، بجهاز التحكم عن بعد، ترفض علناً خطة نتنياهو بعد أقل من يوم من إعلانها، وتعرب عن الثقة أن بوسعها أن تشطبها. يعد هذا في العالم الدبلوماسي تصريحاً غير أديب، على حدود الإهانة. هناك طرق للإعراب عن الاستياء من خطوات يتخذها صديق، ولكن السعودية فضلت الاحتقار. وهذا الاحتقار الذي أتى من الرياض ينضم إلى ميل البرودة في العلاقات. تماثل المصالح لا يزال عند الحاجة، ولكن خط تسخين العلاقات توقف. فمنذ زمن بعيد لم نرَ بادرات طيبة منهم ولا تصريحات تأييد على لسان المسؤولين، مثلما حصل في الماضي.
قال النائب إيلي افيدار، عضو حزب “إسرائيل بيتنا”، قبل الانتخابات، إن السعوديين رفضوا السماح لطائرة رئيس الوزراء بالتحليق في مجالهم الجوي في طريقه إلى زيارة الهند. وإذا كانت هذه القصة صحيحة، فهذا فعل كدي. فدولة صديقة، حتى لو لم تكن على اتصال رسمي مع نظيرتها، لا ترفض طلباً كهذا، إلا إذا كان يعرضها للخطر.
بعد بضع ساعات من إعلان نتنياهو، نشر مكتب أبو مازن أيضاً رد فعل رسمي. فقد جاء من مكتبه: “للفلسطينيين حق الدفاع عن أنفسهم. إذا حصل هذا بالفعل فسنلغي كل الاتفاقات التي وقعنا عليها”. أي أن ضم الغور معناه إلغاء اتفاق أوسلو. ترى إسرائيل في اتفاق أوسلو مشكلة تامة، ولكن هذا الاتفاق جلب لكثير من الإسرائيليين الهدوء. ولا سيما لسكان المناطق. فقد نص على وجود السلطة الفلسطينية، وفي أعقابها أجهزتها الأمنية. وإن حل أجهزتها الأمنية يجعل ضباط السلطة مقاومين لإسرائيل، ويعيد الفوضى التي سادت هنا في عهد عرفات.
رد السلطة في أعقاب إعلان نتنياهو لم يتميز بالغضب، وشهد على أن رام الله مرت على الموضوع مرور الكرام. ليس تهديدات بقطع الاتصال الأمني، وليس تحذيراً بالتوجه إلى المحكمة في لاهاي، مثلما هددت السلطة في حالات مشابهة في الماضي. سألت مسؤولاً في السلطة عن معنى الأمر، فقال بعدم اكتراث عن إعلان نتنياهو “هذه دعاية انتخابية”، وأنهى الموضوع.
بقلم: جاكي خوجي
معاريف 20/9/2019