الأسرى في السجون الإسرائيلية: قصص مأساوية وعمليات إعدام تنفذ ببطء

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة-“القدس العربي”: من دون الاكتراث بالقوانين والشرائع الدولية، وفي مقدمتها معاهدات جنيف، وبدون إعطاء أي اعتبار لطلبات المؤسسات الحقوقية الدولية والمحلية، تواصل سلطات الاحتلال انتهاج كل الأساليب التي تحط من الكرامة الإنسانية للأسرى الفلسطينيين الذين تعتقلهم في زنازين سجونها، وتفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وتزيد على ذلك بزرعها “أجهزة تشويش” تسبب الإصابة بمرض السرطان، علاوة على استمرارها في استخدام أساليب الضرب المبرح والتعامل العنيف مع الأسرى بمن فيهم الأطفال، منذ لحظة اعتقالهم.

كثيرة هي الروايات التي ترد من السجون الإسرائيلية، والتي تتحدث بإسهاب عن الانتهاكات التي تقترفها بشكل ممنهج ومنظم إدارة السجون، بحق آلاف الأسرى الفلسطينيين، ولا تستثني الأطفال والنساء والرجال كبار السن منهم، وفي مقدمتها سياسة “الإهمال الطبي” المتعمد، خاصة مع الأسرى المصابين بأمراض خطيرة للغاية، ومنها السرطان والأمراض المزمنة.

وتخالف هذه الأفعال اتفاقية جنيف الخاصة بأوضاع الأسرى، والتي تنص على منع الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وخاصة القتل بجميع أشكاله، والتشويه، والمعاملة القاسية، والتعذيب للمعتقلين، كما تمنع الاعتداء على الكرامة الشخصية، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة، إضافة إلى منعها إصدار الأحكام وتنفيذ العقوبات من دون إجراء محاكمة سابقة أمام محكمة مشكلة تشكيلاً قانونياً، وتكفل جميع الضمانات القضائية اللازمة.

إهمال طبي

وتوضح حادثة استشهاد الأسير بسام السايح في الثامن من الشهر الجاري، وهو على سرير المرض في أحد مشافي الاحتلال، التي نقل إليها مكبلا، وظل على ذلك الوضع حتى خلال التقاطه أنفاسه الأخيرة، مدى الظلم الذي يتعرض له الأسرى الفلسطينيون من قبل إدارة سجون الاحتلال.

فهذا هو الأسير الثاني هذا العام الذي يموت على سرير المرض، بعد الأسير فارس بارود، الذي استشهد في شهر شباط/فبراير الماضي، وكان مصابا بمرض السرطان وفي مراحل متقدمة منه، نقل إلى المشفى بعد أن أصبحت عضلة قلبه تعمل بأقل من 15 في المئة وبعد أن تفشى المرض في جسده بشكل كبير، من دون أن تكترث إدارة سجون الاحتلال لحالته الصحية طوال السنوات الماضية. ورفضت إسرائيل إطلاق سراحه قبل وفاته رغم خطورة وضعه الصحي، ولا تزال تتحفظ على جثمانه، تاركا زميله سامي أبو دياك “36 عاكا” الذي يعاني هو الآخر من مرض السرطان، ويتعرض لعملية “قتل بطيء” على سرير المرض في عيادة أحد السجون، والتي عادة تفتقر لطواقم طبية متخصصة، وللعلاج اللازم لمرضه.

الإهمال الطبي

وتؤكد هيئة شؤون الأسرى، وهي الجهة الحكومية التي تشرف على ملف المعتقلين في سجون الاحتلال، أن إدارة مصلحة سجون الاحتلال تنتهج “نهجا منظما في الإهمال الطبي للأسرى” أدى إلى تفاقم الأمراض المميتة في أجسادهم، معلنة أنه باستشهاد الأسير السايح ارتفع عدد شهداء الحركة الأسيرة إلى 221 شهيدا من العام 1967.

ويقول رئيس الهيئة قدري أبو بكر، أن هناك أكثر من 700 أسير مريض يقبعون في سجون الاحتلال، من بينهم 180 أسيرا يعانون من أمراض مزمنة، 25 منهم مصابون بالسرطان، و85 يعانون من إعاقات مختلفة (جسدية وذهنية ونفسية وحسية) و15 أسيرا يقيمون بشكل دائم فيما تسمى “عيادة سجن الرملة”.

والمعروف أن سلطات الاحتلال تعتقل نحو 6000 أسير، بينهم نساء وأطفال وكبار في السن ومرضى، وجميعهم يشتكون من معاملتهم بشكل سيء، ويشتكي هؤلاء جميعا من سياسة “الإهمال الطبي” ومن تعرضهم للتعذيب والضرب والإهانة، كما تقوم سلطات الاحتلال بوضع عدد كبير منهم في زنازين العزل الانفرادي، وتمنع عنهم زيارة الأهل، كما تقدم لهم طعاما سيئا من ناحية الكم والجودة، وتحرمهم من التعليم.

أجهزة التشويش

وإلى جانب مأساة “الإهمال الطبي” هناك ممارسات أخرى تنفذ ضد الأسرى في مسعى إسرائيلي لكسر عزيمتهم، واستمرار العقوبات ضدهم رغم زجهم في زنازين تفتقر لكل مقومات الحياة، وكان آخرها هو زرع “أجهزة التشويش” المسرطنة، التي تضعها سلطات الاحتلال فوق أقسام السجون، والتي بدأ تأثيرها المبدئي بالتشويش على موجات الراديو والتلفزيون، وبشعور الأٍسرى بصداع شديد في الرأس، إلى جانب شعورهم بحالات غثيان مستمرة.

وحاليا تشهد السجون حالة غليان كبيرة تنذر بثورة وانتفاضة جديدة بعدما قرر الأسرى رفض هذه الأجهزة التي تشكل نوعا جديدا من العقاب، خاصة بعد تراجع سلطات السجون عن إزالتها، بناء على اتفاق سابق أبرم في شهر نيسان/أبريل الماضي، ونص على إزالتها بالكامل، ونصب أجهزة تلفونات عمومية في جميع السجون، لتميكن الأسرى من إجراء مكالمات مع ذويهم.

وقد شرع عشرات الأسرى منذ الأسبوع قبل الماضي، في إضراب تدريجي عن الطعام، رفضا لتراجع إدارة السجون عن الاتفاق.

ويترقب أن تتسع دائرة الإضراب هذا لتشمل كافة الأسرى في السجون، مع اتخاذ الأسرى كافة الاستعدادات اللازمة للدخول في الإضراب، بناء على تعليمات هيئة قيادة الأسرى. وأعلن نادي الأسير إن إدارة المعتقلات نقلت غالبية الأسرى المضربين عن الطعام من الأقسام العامة إلى “زنازين العزل” وهي خطوات تريد من خلالها كسر إرادتهم، وعقابهم على رفضهم الخضوع لخططها الرامية لإمراضهم ومن ثم موتهم في السجن، وهو ما يعتبره الأسرى جزءا من مخطط “الإعدام البطيء”.

وكان الأسرى في العاشر من أيلول/سبتمبر الجاري، وتحديداً في معتقل “ريمون” أعلنوا استعدادهم للمواجهة مع الإدارة من جديد، بعد تنكرها لاتفاق نيسان/أبريل الماضي، وقد اعتبر نادي الأسير الذي يتابع ملف الأسرى، أن موقف إدارة معتقلات الاحتلال مستمد من موقفه السياسي، بإبقاء الأسرى كأداة للتجاذبات السياسية الحزبية، بحيث تصبح مطالبهم مصدرا لمن يثبت قدرته على رفضها، وفرض المزيد من السياسات التنكيلية والانتقامية لإرضاء الشارع الإسرائيلي.

وبما يؤكد ذلك، كشفت تقارير إسرائيلية أن إدارة السجون، غير مكترثة للخطوات الاحتجاجية من الأسرى، وأنها مستعدة لمواصلة التعامل مع الاضراب، وأنها ستواصل خطتها لتوسيع نصب “أجهزة التشويش” لتشمل جميع الأقسام في السجون.

الإضراب عن الطعام

لكن ذلك الأمر ينذر بـ “ثورة سجون” عارمة، في ظل إصرار الأسرى على تلبية مطالبهم حتى لو كلفهم ذلك حياتهم، فوزير الأسرى السابق والقيادي في حماس وصفي قبها، أكد أن اضطرار أعداد جديدة من الأسرى الدخول في الإضراب عن الطعام، جاء بعد محاولة مصلحة سجون الاحتلال “التنصل والالتفاف” على التفاهمات، لافتا إلى أن جميع جلسات الحوار مع إدارة سجون الاحتلال “فشلت في حملها على التنفيذ الأمين لتلك التفاهمات” مضيفا “قيادة الحركة الأسيرة وجدت نفسها أمام حائط مصمت” مؤكدا أن التصعيد من مصلحة سجون الاحتلال وسياسة التسويف والمماطلة “ستجر السجون إلى ساحات معارك حقيقية”.

وقد دعت قيادة الحركة الأسيرة كافة الأسرى، للتهيؤ والتأهب لأي قرار يصدر منها لـ “المدافعة عن الحقوق والمكتسبات ومواجهة آلة القمع الصهيونية” وأعلن مكتب إعلام الأسرى، أن الأوضاع داخل السجون “آخذة منحى التصعيد”.

اعتقال مخالف للقوانين

 

وإلى جانب هذه السياسات التي تنتهجها سلطات الاحتلال ضد الأسرى، والتي تخالف القوانين الدولية، خاصة التي تتحدث عن حقوق الإنسان، تواصل إسرائيل الزج بمئات الأسرى في معتقلاتها، تحت مسمى “الاعتقال الإداري” وهو نوع خاص من الاعتقال، لا يقدم فيه الأسير إلى محاكمة، بل يجري تنفيذ أمر الاعتقال الذي يجدد لمرات عدة في أغلب الأحوال بناء على قرار من حاكم عسكري، وبدون توجيه تهم للأسير، حيث يتذرع الاحتلال بأن التهم “سرية” لا يعرفها حتى محامي الأسير.

وتزج سلطات الاحتلال بـ 500 أسير بينهم نساء في معتقلاتها تحت هذا النوع من الاعتقال، غير ملتزمة بالشروط الدولية، التي تلزم استخدام هذا النوع في أضيق الحدود.

وحسب الاحصائيات التي تقدمها الجهات الرسمية الفلسطينية التي تتابع ملف الأسرى، وكذلك المؤسسات غير الحكومية ومنها الحقوقية، فإن من بين الأسرى الإداريين من جدد له الاعتقال، حتى مكث لسنوات طويلة خلف القضبان، من دون أي تهمة تذكر.

ولهذا السبب ورفضا لـ”الاعتقال الإداري” اعتاد الأسرى على تنفيذ إضرابات فردية، تمكنوا خلالها من الحصول على قرارات بإطلاق سراحهم من سجون الاحتلال، بعدما دخلوا مرحلة الخطر الشديد، لتوقفهم عن تناول الطعام لمدد طويلة، بعضهم زاد عن الثلاثة أشهر متتالية.

وحاليا هناك ستة أسرى إداريين يخوضون إضرابا، بعضهم دخل شهره الثالث، ومن بينهم من نقل إلى المشفى، وآخرون باتوا لا يقدرون على الحركة، ويعاني جميعهم من مشاكل صحية جادة تهدد حياتهم بخطر الموت، لكنهم يصرون على الاستمرار في “معركة الأمعاء الخاوية” حتى تحقيق مطالبهم كاملة.

وهؤلاء الأسرى هم: أحمد غنام (42 عاماً) من مدينة دورا قضاء محافظة الخليل، وسلطان خلوف (38 عاماً) من بلدة برقين قضاء محافظة جنين، والأسير إسماعيل علي (30 عاماً) من بلدة أبو ديس قضاء القدس، والأسير طارق قعدان (46 عاماً) من محافظة جنين، والأسير ناصر الجدع (31 عاماً) من بلدة برقين قضاء محافظة جنين، وثائر حمدان (30 عاماً) من بلدة بيت سيرا قضاء رام الله.

الطفولة في الأسر

وإلى جانب هذه الأفعال التي تمارسها سلطات الاحتلال ضد الأسرى، هناك سياسة الضرب المبرح، خاصة ضد الأطفال المصنفين وفق أحكام القانون الدولي، والتي تقل أعمارهم عن 18 عاما، حيث تزج إسرائيل بعشرات الأسرى الأطفال في سجونها.

وقد نشرت هيئة شؤون الأسرى خلال الأيام الماضية شهادات حية للعديد من الأسرى الأطفال الذين تعرضوا للضرب المبرح من قبل جنود الاحتلال منذ لحظة اعتقالهم، وقالت إن ذلك الأمر استمر خلال رحلة نقلهم إلى مراكز التحقيق، وخلال عمليات الاستجواب، وأن ذلك ترافق أيضا مع معاملتهم بشكل مهين، من خلال إبقائهم تحت أشعة الشمس الحارقة، وتقديم طعام سيء لهم من ناحية الكم والجودة.

كما تواصل سلطات الاحتلال فرض غرامات مالية باهظة ضد الأسرى الأطفال، وتؤكد الهيئة أن ما تقوم به محاكم الاحتلال من فرض غرامات مالية باهظة بحق الأسرى الاطفال ما هو إلا “إجراء انتقامي وعقاب تعسفي يمارسه الاحتلال بحق الأسرى وذويهم”.

وكباقي الأسرى يتعرض هؤلاء الأطفال لعمليات اقتحام تقوم بها وحدات خاصة تجلبها بشكل مستمر إدارة السجون، للدخول إلى غرف الأسرى والاعتداء عليهم بالضرب المبرح، مما يتسبب في وقوع إصابات أخيرة، كما حدث مؤخرا لأسرى سجن “جلبوع” حيث تتعمد هذه القوات تكسير مقتنيات الأسرى، كما يعاني هؤلاء جميعا من نقص وسائل التهوية في فصل الصيف، ونقص الأغطية والملابس الثقيلة في فضل الشتاء البارد.

الأسيرات قصص مؤلمة

ويضاف إلى جملة تلك الانتهاكات ما تتعرض له الأسيرات في سجون الاحتلال، وعددهن 56 بينهن قاصرات، ونساء تركن خلفهن أطفالا رضعا، وحرمن من تربية أبنائهن قسرا بسبب الاحتلال.

وتؤكد مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الانسان، أن قوات الاحتلال تستمر في انتهاك حقوق المرأة الفلسطينية عبر سياسة الاعتقال، بما يخالف اتفاقية مناهضة التعذيب التي حظرت المعاملة غير الإنسانية والحاطة بالكرامة.

وقد وثقت المؤسسة عدداً من الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الاحتلال وطواقمها الطبية ومحققيها، بحق الأسيرات والمعتقلات الفلسطينيات في السجون ومراكز التحقيق والتوقيف، ومنها حرمان الأسيرات من حقوقهن الأساسية بما فيها الخدمات الصحية، الطعام، الماء. كما يتعرضن لـ “التفتيش العاري” كإجراء عقابي، ويتم احتجازهن في ظروف غير صحية، إضافة إلى تعرضهنّ للاعتداء الجسدي والنفسي. وتتسبب ظروف الاحتجاز والمعاملة غير الإنسانية التي تتعرض لها الأسيرات والمعتقلات الفلسطينيات بأضرار صحية ونفسية وعقلية طويلة المدى، وقد وثقت المؤسسة تعرض أسيرات لـ “تحرش جنسي” من المحققين.

وقد وثقت احصائيات فلسطينية رسمية اعتقال أكثر من 16 ألف امرأة فلسطينية، على مدار سنوات الصراع الطويلة مع إسرائيل، بينهن قاصرات ومسنات.

وتطلب الجهات الرسمية والشعبية التي تتابع ملف الأسرى مرارا من الأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية الدولية، التدخل وإجبار دولة الاحتلال على احترام اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب، وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وقرار مجلس الأمن 1325 بشأن تنظيم معاملة النساء والفتيات أثناء الاستجواب والاحتجاز، وتنظيم حياتهم داخل السجون.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية