في ظهوره الأوّل خلال المناظرات التي نظمتها التلفزة التونسية تحت إشراف الهيئة العليا للانتخابات، اضطر حمّة الهمامي، مرشح “حزب العمال” والناطق باسم “الجبهة الشعبية” التي تمثّل 12 حزباً يساري التوجّه، إلى الغرق في سفسطة لفظية كادت أن تستهلك الوقت المخصص له؛ قبل أن يتنبه المذيع المنشّط للمناظرة إلى أنّ الهمامي قد يكون نسي ما سُئل عنه، فبادره قائلاً: هل تريدني أن أعيد عليك السؤال؟ ولقد اتضح أنّ صاحبنا كان قد نسي، بالفعل، بعد ثوانٍ معدودات على انخراطه الأوّل في المناظرة!
هيهات أن يكون هذا السلوك شكلياً فقط، عند سياسي يتزعم اليوم التجمّع اليساري الأكبر في تونس، وسبق له أن حلّ ثالثاً في انتخابات 2014 بعد الباجي قائد السبسي والمنصف المرزوقي؛ وعند مناضل ماركسي مخضرم، وسجين سياسي سابق قضى نحو 10 سنوات في معتقلات الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي. ولكن… كيف لا يكون الارتباك صفة هذا القيادي تحديداً، وهو الذي واجه استقالة جماعية من تسعة نوّاب في مجلس الشعب، من أصل 15 نائباً يمثلون “الجبهة الشعبية”، وذلك قبل أسابيع معدودات من وفاة السبسي وذهاب تونس إلى انتخابات رئاسية سابقة لأوانها؟ وهو الذي جوبه ببيان حمل تواقيع 146 من كوادر حزبه، يعلن مقاطعة مؤتمر الحزب الخامس الذي انعقد في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، بسبب “بيروقراطية التسيير” و”غياب الأساليب الديمقراطية في إدارة الاختلاف”، و”التفرد بالحكم داخل الحزب”، وتوجهه إلى تجميد وطرد عدد من قياداته.
الإنصاف، إلى هذا، يقتضي التشديد على أنّ حال العجز والموقع الهامشي والارتباك لا تسري على الهمامي وحده ضمن صفوف قيادات الأحزاب اليسارية التونسية، بدليل أنّ مجموع ما حصلت عليه خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة لم يتجاوز 3% من مجموع الأصوات، وأنّ أياً من مرشحي اليسار الثلاثة (المنجي الرحوي، عبيد البريكي، والهمامي نفسه) لم يكسر حاجز الـ1%. هذا مع العلم أنّ اليسار يتمتع، من حيث المبدأ والواقع الفعلي، بدعم متعدد الأوجه من جانب “الاتحاد العام التونسي للشغل”، القوّة النقابية والاجتماعية الضاربة والأكثر سطوة في تونس.
صحيح أنّ السمة الكبرى التي طبعت الانتخابات الرئاسية الأخيرة كانت رغبة الشارع الشعبي في إنزال العقاب بأهل الحكم من القيادات السياسية والأحزاب، على شاكلة نتائج رئيس الوزراء يوسف الشاهد، ووزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي، والرئيس السابق المنصف المرزوقي، أو حتى ممثل “النهضة” ونائب رئيس مجلس الشعب عبد الفتاح مورو. ولكن من الصحيح، في المقابل، أنّ النزوع إلى معاقبة السلطة لم ينطبق على الأحزاب اليسارية لأنها ليست في الحكم أصلاً، وبالتالي كان مقدّراً لها أن تتمتع بفضيلة الشكّ والاستفادة، في قليل أو كثير، من السخط الشعبي على الحاكمين.
صحيح، ثانياً، أنّ صعود قيس سعيّد ونبيل القروي كان مفاجئاً، وسجّل انتصار تيّار محافظ عصامي حالم وآخر مالي واستثماري وإعلامي، وهزيمة مؤسسات سياسية وحزبية تصدرت المشهد في تونس منذ إسقاط نظام بن علي؛ إلا أنّ عنصر المفاجأة لا يلوح أنه شمل اليسار التونسي. هذا رغم أنه التيار الذي يتوجب أن يمثّل هموم الشعب الكبرى، ومشاغل العيش والغلاء والبطالة والخدمات وعدالة توزيع الثروات؛ ورغم أنّ “ثورة الياسمين” أنجزت الكثير في ميادين سياسية مختلفة ولكنها تعثرت ــ كثيراً، أيضاً ــ في قطاعات الهموم الشعبية هذه، تحديداً.
يسار يحفظ شعاراته جيداً، ولا يتورع عن امتداح طاغية ومجرم حرب مثل بشار الأسد، ويصدح في مهرجاناته بأغنيات الشيخ إمام ومارسيل خليفة؛ ولكنه ينسى، أو يتناسى، الأسئلة الأبسط والأشدّ إلحاحاً على الوجدان الشعبي؛ وينخرط في صراعات داخلية وجبهوية طاحنة، تُستعاد خلالها أعتى الممارسات الستالينية المندثرة، ثمّ لا يصارع المحافظين من دعاة أحكام الإعدام، وأساطين المال المتتلمذين في مدرسة سيلفيو برلسكوني، إلا تحت سقف… الـ1%!.