إسماعيل فهد إسماعيل.. الرحيل صوب الذاكرة

حين تنازعت ألمانيا والمجر، حول انتساب وأصول الفنان الرسام والباحث ألبرخت دورر (1471- 1528)، كان الفخر هو الدافع، لكن إسماعيل فهد إسماعيل، كان بين العراق والكويت، فاكهة الحب التي تقاسمها البلدان بفيض فخر ومحبة.
عام مضى على رحيل «مؤسس الرواية الكويتية»، أو «شيخ الروائيين الكويتيين» إسماعيل فهد إسماعيل، الذي يعد أحد أعمدة الثقافة الكويتية الحديثة وعرّابها، الذي يمكننا أن نتلمس بصمته المؤثرة على جيلين من الكتاب الكويتيين، خصوصاً الروائيين منهم.
إسماعيل فهد إسماعيل الذي طالما صارع الزمن، وجعله طوع نصوصه، التي تعد أرشيفاً «تاريخياً» يحكي لنا تاريخ منطقة صاخبة بالأحداث والمشاهدات، وحتى الأساطير. الكويت جنوباً والعراق شمالاً ويظل القلب متمثلاً في «البصرة» مسقط رأسه ومصدر إلهام العديد من قصصه ورواياته، كان شديد القرب من الأقلام والمواهب الشابة، وكان حريصاً على تلك العلاقة، التي لم نعد نتلمسها داخل الأوساط الفنية والأدبية، رغم أهميتها وعظمة نتائجها، العلاقة بين الشيخ والمريد… فقد كان صاحب «المستنقعات الضوئية» شيخاً بامتياز، وكان الوفاء والحب أهم ما يمتاز به مريدوه، وهنا تجدر الإشارة إلى الشاعر الكويتي حمود الشيجي، الذي يعترف في لقاء صحافي، على ضوء معرض القاهرة للكتاب، بأن إسماعيل علمه الكتابة والحب، وقد أشار إلى تلك العلاقة التي صورها على شكل مؤسسة: «كان الراحل مؤسسة ثقافية في حد ذاتها، ونجح في تجميع أطياف كثيرة من المثقفين حوله». وفي اللقاء نفسه، كانت لسعود السنعوسي (جائزة البوكر العربية 2013) كلمة مؤثرة بحق شيخه إسماعيل فهد إسماعيل، وقد أشار إلى زاوية مهمة تختص بها أعمال إسماعيل: «اهتم بموضوع الآخر، سواء الآخر المختلف أو الآخر القريب… مأزق الهوية في روايته المهمة «العنقاء والخل الوفي»، وفي كل كتاباته بدا شعور المحبة مسيطراً عليه، وهو ما يعبر عنه كإنسان محب وعاشق للحياة والوجود والكتابة».

مأزق الهوية في روايته المهمة «العنقاء والخل الوفي»، وفي كل كتاباته بدا شعور المحبة مسيطراً عليه، وهو ما يعبر عنه كإنسان محب وعاشق للحياة والوجود والكتابة».

تلك التفاتة مهمة، فالمتابع لأعمال صاحب «إحداثيات زمن العزلة» يتلمس بوضوح ذلك الاهتمام والعمق المدروس في دراسة الشخصية العربية «الكويتية والعراقية» خصوصاً، وتحولاتها المتلاحقة، نظراً لتلاحق الأحداث المتلاطمة في المنطقة، فالشخصية التي نتلمس ميزاتها في رواية «يحدث أمس» (1997)، نجدها وقد اختلفت كثيراً في رواية «طيور التاجي» (2014)، رغم انتماء الشخصيتين لبلد واحد، لكن المتغيرات السياسية، فعلت فعلتها على تلك الشخصية، وهذا ما ينطبق على أغلب روايات وقصص الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، ففي رواية «يحدث أمس»، نجده وقد جمع ثلاث شخصيات مهمة قد تشكل نموذجاً مهماً لتركيبة المجتمع، فنجد الشخص البسيط المسالم الذي لم يفكر يوماً بخوض تجربة التنظيمات السياسية، والفلاح الستيني الذي جرب التهريب ليعيل عائلته، والسارق المقامر الذي جعل منه الشارع الساذج مناضلاً، يجمعهم في زنزانة واحدة، ليتضح أن السبب وراء تلك التركيبة كان تسليط الضوء على دراسة الشخصية وتركيبتها السايكولوجية، ومدى تأثيرها في المجتمع… بينما نجده في رواية «طيور التاجي» وقد وظف واقعيته الروائية، ليقتحم خبايا واقع مرير عاشه وما يزال يعيشه الإنسان الكويتي والعراقي، نتيجة احتلال الكويت، وما خلّفَهُ من تبعات كارثية نالت دواخل الإنسان لتزعزع إنسانيته، حيث يطرح إسماعيل فهد إسماعيل واقعاً روائياً لا ينقصهُ الوضوح، كما لا تنقصهُ الحيادية.. واقعٌ راح ضحيته العديد من القيم والمفاهيم، بالإضافة إلى العديد من الأرواح البشرية وبمختلف انتماءاتها.. كويتيين، عراقيين، لبنانيين، سوريين وغيرهم.. حتى الطيور والحيوانات نالت حصتها من الموت، ليضع أمامنا وثيقة أخلاقية، لا تخلو من المجازفة.
إسماعيل فهد إسماعيل، القاص والروائي الذي تميزه شجاعته الأدبية وعمق ثقافي مؤثر، وذلك الهم الإنساني العظيم، الكاره للحرب، وهدر كرامة الإنسان، كان مصراً على مس المحظور وكشفه وولوج التابوهات بكل صلابة ودراية، وما روايته «العنقاء والخل الوفي» ورواية «السبيليات» إلا دليل على ذلك. عام مضى على رحيل «عميد الرواية الكويتية» جدير بالوقوف عند هذه القامة الأدبية والفكرية، قامة قصصية ورواية مرموقة، وتأمل تلك النصوص التي قدمها بكل حب إلى القارئ، والتي تحـــمل سطورها خلاصة معرفية وثقافية، متوجة بالدعوة إلى الحب وسيلة للاقتراب من الآخر واحترام إنسانية الإنسان.

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية