لإسماعيل فهد إسماعيل (1940- 2018) روايات كثيرة، ومجموعات قصصية، وأعمال مسرحية، ودراسات عن القصة العربية القصيرة في الكويت، والكلمة والفعل في مسرح سعدالله ونوس، ودراسة في شعر علي السبتي، وأخرى عن ليلى العثمان. وقد بلغ عدد مصنفاته نحو 43 مصنفا. وتعد رواية «صندوق أسود آخر» آخر ما نُشر له من روايات، وأعيد نشرها بعد رحيله في سلسلة إصـــدارات platinum book (2018).
والساردة، في هذه الرواية، محامية كويتية في السابعة والثلاثين من عمرها، وهي من أم كويتية، وأب من الفئة التي يطلق عليها الكويتيون وصف بدون، أي: ممن لا هوية لهم، فقد دخلوا الكويت في ظروف معينة، وعاشوا فيها، وتزاوجوا وتوالدوا وفقدوا هويتهم الأصلية، ولم يكتسبوا الهوية الكويتية؛ فهم لهذا السبب يعانون الكثير من التمييز والتفرقة، التي ترقى إلى مستوى الميْز العنصري.
في هذه الرواية، محامية كويتية في السابعة والثلاثين من عمرها، وهي من أم كويتية، وأب من الفئة التي يطلق عليها الكويتيون وصف بدون، أي: ممن لا هوية لهم.
اسم الساردة (زينب) يوافق الاسم الذي يتردد في رواية وقعت بالصدفة بين يدي المحامية لمؤلف غير معروف، وعنوان الرواية «في حضرة العنقاء والخل الوفي» وليس هذا وحده ما يتوافق مع الساردة، وإنما يتوافق ذلك أيضا مع كون بطل هذه الرواية المنسي بن أبيه هو الآخر من فئة البدون. ويتراءى للمحامية زينب أن كاتب هذه الرواية، التي عثرت عليها في مقهى، يحتوي على ركن برفوف خشبية مزدحمة بالكتب، يخترع فيها شخصية افتراضية تمتزج فيها شخصيات عدة، وربما كان والدها الذي لم يذكر اسمه في الرواية أحد هؤلاء الأشخاص.
لهذا تحاول – أولا – معرفة المؤلف، وثانيا البحث عما إذا كان بطل الرواية المنسي بن أبيه شخصية حقيقية، أم أنه من صنع الخيال، أما الأسباب التي تجعلها منشغلة بهذا البحث، ففي مقدمتها اعتقادها بأن الكاتب ربما يروي في كتابه عن العنقاء والخل الوفي حكاية أبيها – البدون – الذي ماتَ منتحرًا في غرفة التوقيف، بعد أيام قليلة من احتفالهما – هي وهو- بعيد ميلادها السابع. لذا تروي الساردة بدقة تفاصيل تلك الحادثة التي أودت بوالدها للاعتقال، بتهمة الاعتداء على ابنته ذات السبع سنين، ذلك لأن اثنين من رجال الشرطة شاهدوهما في سيارة قريبا من الشاطئ بعد الغروب بساعات في جو ماطر، وقارس، والطفلة في مظهر تبدو فيه شبه عارية، لأن تنورتها انزلقت عن خصرها بسبب الأوحال والمطر، ولأنها وطأت بقدمها على حاشية التنورة، ما أدى إلى انزلاقها عنها، واقتحمت السيارة، وهي تنتفض بردًا. وقد تكررت رواية الساردة لهذه الحادثة تارة بالتفصيل، وتارة بإشارة سريعة مختصرة، ولعل هذا التكرار راجع لكون الساردة تمكنت بعد ثلاثين عاما من تلك الحادثة من الحصول على ملف التحقيقات، واحتفظت بالأوراق في صندوق أسود، من ذلك النوع الذي احتفظ فيه المنسي بن أبيه بما لديه هو الآخر من أوراق. وكلما خلت إلى نفسها استعادت تصفح هاتيك الأوراق في ما يشبه السرد المتقطع الذي يتناوب فيه المحققون مع قائد المخفر- بالطبع- توجيه الأسئلة للمتهم الذي أنكر التهمة، وأضرب عن الطعام بلا فائدة، وفي المقابل تقوم أمّ الساردة في ما توحي به الأوراق بالتخلي عن زوجها البدون، وتؤكد المجريات أنَّ ما تدعيه الأم من أنها تزوجت هذا البدون بعد قصة حب، مجرد ادعاءات، بل كانت كثيرا ما تقابل وفاءَه بالنكران، وتنظر لمحبته لزينب نظرة احتقار، وازدراء، لا تخلو من غيرة. وقد تزوجت بعد موته مرارا، ولم تكن تستمر مع الزوج إلا حقبة قصيرة، ثم تتزوج غيره، وهكذا..
وفي الأثناء وفقت زينب في العثور على مؤلف «في حضرة العنقاء والخل الوفي» واعتادت على اللقاء به في كل سبت، والتحدث معه عن التحقيقات، وانضم إلى تلك اللقاءات رجل أعمال كويتي (سلطان) وروى لهما حكايته مع الكويتية من الأصل الإيراني جيهان، التي تعرف عليها في عرض مسرحي، وأراد الزواج بها، إلا أن أباه رفض بإصرار ذلك الزواج، مردّدا في أثناء ردوده المتشدِّدَة كلمة (بدون). أما جيهان، فقد أزمعت السفر إلى أمريكا حفظا لعلاقة الشاب بأبيه، الذي هدده بحرمانه من الإرث. ولكنه بعد سنوات استعاد علاقته بجيهان، وارتحل معها مرارا لإفريقيا للسياحة، ونشأت بطبيعة الحال صداقة بينه وبين زينب، وأصبح ذا رأي في حكاية أبيها الذي انتحر بعد أيام قليلة من عيد ميلادها السابع. وقد أرسل إليها في ما يشبه الحكاية داخل الحكاية بوكيه ورد كبير ظنته الأم عربون حب، وتقْدِمَة لزواج منتظر يضم سلطان وزينب في قفص ذهبي. وتستغل الأم هذه المبادرة، ومن باب النوايا الطيبة، تحث زينب على القبول، مع أن الرياح لا تجري بما تشتهيه سفائن الأم، فلم يكن الورد الذي بعث به سلطان سوى مُجاملة لا أكثر.
هذا النوع من المونولوج يضفي على الرواية ثتائية الإخفاء والإيضاح، فهي، في الوقت الذي تخفي فيه المعلومات عن بعض الشخوص، تدلي بها لآخرين.
كوابيس زينب
على أن الكاتب إسماعيل فهد إسماعيل آلى على نفسه في هذه الرواية إلا أن يضع القارئ في أجواء كابوسية مرت بها زينب. وفاة الجدة، ثم وفاة الأم، وقبلهما انتحار الأب في ظروف غامضة، وملتبسة، ومثيرة لسوء الفهم. وفي ضوء هذه المجريات يتعرف القارئ غير الكويتي على معاناة شريحة من الناس يعيشون في الكويت، ولا يمتلكون هوية ما. وهم – في هذه الحال – مثلما تنم تعليقات صاحب «في حضرة العنقاء والخل الوفي» محرومون من الحبّ الحقيقي، ومحرومون إلى حد ما من العمل، ومن الكرامة الفردية، ومن حقوق الإنسان. ورواية كهذه لا بد من أن تجد طريقها إلى قارئ ينبغي له أن يقرأها قراءة من نوع خاص، لذا نجد إسماعيل فهد إسماعيل ينحو في كتابته لها منحى من يعتمد المونولوج الداخلي. فالمرأة، التي اكتسبت الجنسية الكويتية، عملا بقانون تسوية أوضاع أبناء الأرامل الكويتيات المتزوجات من كويتيين ينتمون لفئة البدون، تهمس – في غالب الأحيان- لذاتها، مخفية ما يدور في أعماقها من هواجس بشأن الأب الذي مات في غرفة التوقيف. تخفي ذلك حتى عن أقرب الناس إليها أمّها، التي تسللت لغرفة زينب، واستخرجت ملف التحقيقات من الصندوق الأسود، ووجدت زينب في هذا تلصُّصا، وانتهاكا سافرًا لخصوصيتها، فأخذت الصندوق إلى النجار الإيراني حجة الله، وطلبت منه أن يعد له قفلا، ففعل.
وقد لامتها الأمّ على ذلك، فردت عليها ردا يفهم منه أنها لم تكن مهتمة بذلك الأب قبل ثلاثين عامًا، فما الذي يدفع بها للاهتمام به الآن؟
وهذا النوع من المونولوج يضفي على الرواية ثتائية الإخفاء والإيضاح، فهي، في الوقت الذي تخفي فيه المعلومات عن بعض الشخوص، تدلي بها لآخرين. فقد تعاونت مع مؤلف العنقاء على التوصل لاستنتاجات بخصوص اتهام الشرطة لأبيها، فقد تزامنت الحادثة مع انهيار سوق المناخ، وانتشار ظاهرة سرقة الأطفال، واختطافهم، والاعتداء الجنسي على بعضهم. فحكاية أبيها تستحق أن تكون موضوعا لرواية ذات حبكة جيدة.. وهو لا يختلف معها في أن هذه الوقائع تستحق أن تكون رواية، ولا يستبعد أن تقوم هي (زينب) بكتابتها لا هو.
ومن يقرأ الرواية يجد غموضًا في تتبع الحوادث، لأن المؤلف- رحمه الله – اختار أسلوبًا في الكتابة يقرب من أسلوب القصة السايكولوجية. ومن مظاهر هذا الأسلوب أن المحكيات السردية جاءت مُدْمجة، إذ لا فرق فيها بين حوار مع الشخوص وحوار الساردة مع نفسها، ولا يستطيع التفريق بين الذكريات المستعادة، والوقائع الجارية في زمن كتابة النص. وقد يقرأ المرءُ عددًا من الصفحات التي تفتقر إلى التنظيم في فقرات تدل على أين تبدأ المتتالية السردية وأين تنتهي، وقد تجاوز هذا إلى طريقته في بناء الجمل، فهي على الأكثر، والأرجح، جمل غير مكتملة، والجملة الواحدة قد تكون مُجزأة.. متناثرة.. تفتقر للترابط. ومع هذا كله، ونظرا لما يتخلل الرواية من تداعياتٍ نفسية، ومن تواتُر، وتوتُّر، لا تخلو من تشويق يجعل القارئ لاهثا وراء الأحداث لمعرفة ما ستنتهي إليه زينب، وهذا – بلا ريب – سمة من سمات النص الروائي الممتع والشيِّق.
٭ كاتب من الأردن