تأتي رواية الكويتي ناصر الظفيري «كاليسكا»، والمرفقة بعنوان فرعي (القيوط يطارد غزالاً) حاملة بعداً جديداً لجعل قضية البدون أكثر إنسانية وشمولية، عبر مقاربتها بالهنود الحمر، إضافة إلى فضح لحضور عنف يمارسه شخوص العمل، على أحدهما الآخر بمستويات عديدة. ورغم أن العنف في الرواية ما هو إلا تمثيل جزئي لما يعانيه منها البدون في الكويت، ليس البدون وحدهم، بل كل الكويتيين المتعاطفين مع قضيتهم وأفرادها أيضاً. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو .. إلى أي مدى استطاعت الرواية الكويتية التي تناولت إشكالية الهوية/ البدون في الكويت، أن تكشف عن العنف الممارس تجاه الآخر/البدون في الكويت، سواء من قبل المؤسسة أو الشعب؟ وما هي الجذور التي ينطلق منها هذا العنف؟
تجاوز المعاناة
ربما تكون رواية «كاليسكا» واحدة من الروايات القليلة التي نجحت حين تحدثت عن البدون بشكل حقيقي، فهي لم تكتفِ بعرض المعاناة الإنسانية للبدون، بقدر كشفها عن الصراع الذي يخوضونه، ونمط العنف في هذا الصراع. والغريب مدى تغييب تناول العنف في الأعمال الأدبية، والاكتفاء بعرض المعاناة الإنسانية فقط، رغم تعدد الروايات التي تكتب عن هذه الثنائيات بشكل صار يدعو للملل والرتابة في الطرح. هنا يكمن تميز رواية الظفيري، في تناولها ثنائية الكويتي والبدون، من منظور سياسي أكثر من كونه منظوراً اجتماعيا، في محاولة لرفع الغطاء عن العنف الموجود، إذ شملت الرواية أربعة مستويات مختلفة للعنف تمارسها شخصية متنفذة، نحو شخصيات العمل الضحايا، التي تبدأ بعنف رمزي/لغوي أولا، إلى عنف جسدي، ونفسي ومن ثم مكاني نابع من المنفى، بتمثيلات عدة للعنف، مثل العدوانية، والحرمان، والقمع، الاجتثاث وأخيرا الانتقام. مع اعتبار أن المستويات والتمثيلات السابقة تظهر في سياق سياسي أكثر من ظهورها في سياق اجتماعي، رغم التماهي الشديد بين الاثنين.
العنف الرمزي
ليس بمقدور العنف الجسدي أن يتم بدون استباقه بالعنف الرمزي، وهو فاتحة بقية مسارات العنف التي تأتي بالعمل، إذ يقوى يقين المتنفذ بأن الأنا لديه أعلى من الآخر المهمش، فيبدأ يمارس عليه دائرة من الصفات والعبارات، التي تؤكد سلطته، وتجعل الآخر يخضع لها، بدون اتهام أو مقاومة لاعتبارها فعلا غير محسوس أو ملاحظ حتى، ففي العمل نلاحظ موقف شخصية العقيد عبدالرحمن اليزاز، الذي يبدأ عنفه الرمزي مع والديه أولاً منذ دخوله السلك العسكري «في البيت ألقى الضابط الشاب محاضرته الأولى على والديه، لا يمكن أن اسمح بهذا العبث مرة أخرى» ومن هنا يعلن موت والده رسمياً في إحالة إلى ولادة سلطة أبوية بديلة عن سلطة والده، التي غيبها جده قبله. وإلغاء موعد مقابلة العقيد اليزاز أكثر من مرة، حين أراد أن يلتقي به محمد العواد ووالده، لأجل خطبة أخته رشا، وحين تم اللقاء تعمد اليزاز التأخير. كذلك استخدام مرادفات اللفظة بأخرى أكثر صرامة، سواء في حواره مع العواد أو أخته رشا التي يمارس تجاهها العنف والقمع في سلب اختياراتها وتقليص حرياتها لدرجة كبيرة، مجرد أنها تتعاطف مع العواد وترغب فيه كزوج، فكلما أعلنت رشا اليزاز قراراً صادره أخوها العقيد، فلا تستطيع الإفلات من سلطة أخيها، إلا حين تتبع معه أساليب الخداع والكذب لأجل أن تلتقي بحبيها في المنفى.
شيء من زخم العنف الذي طرح في الرواية، هو العنف الاعتباطي غير المبرر. فكان تعنيف العواد مبرراً من وجهة نظر اليزاز، باعتباره يسعى إلى ما هو مستحيل (الزواج بأخته) نظراً للتفاوت الاجتماعي والاقتصادي
الوطن كإعاقة أبدية
أما العنف الجسدي فنجده في ما مارسه العقيد اليزاز وأعوانه على العواد ووالده، وقد تم ذلك عبر آليات عدة كالخطف والتهديد، والتجويع ومن ثم التعذيب بوسائل عدة، مثل التعليق واقفاً، عارياً، والضرب، مع سيل من الشتائم، وبعد كل ذلك نصل إلى الاتهام الملفق ضد العواد بتفجيره المقاهي الشعبية في الثمانينيات من قبل العقيد اليزاز، لمنع العواد من تواصله مع شقيقته العقيد. لنعرف أن السلطة في العمل ما هي إلا بوجود رجل متنفذ قاس يستخدم هذا العنف الجسدي بمبرر التطويع، مستغلاً نفوذه وموقعه الحساس الذي يسمح له بالطغيان والانتقام لأجل مصلحته الشخصية، وهي منعه زواج أخته للعواد، ويتمادى هذا الطغيان والعنف إلى حد الاجتثاث، وهو وجه من وجوه العنف، ففي نفي العواد الإجباري إلى سوريا، يجد أن التعنيف الجسدي لم ينتهِ، بل كان بداية لعنف أشد وأكثر قساوة وهو العنف النفسي، وأظن أن الهدف من التعذيب الذي لاقاه العواد على يد اليزاز، ساهم في اختلاج الذاكرة، إذ يصبح فعل استذكار الماضي فعلاً يراد به الإيلام، فكيف لنا القبض على لحظة مستحيلة أراد بها نهايتنا؟ فذكرياته مع حبيبته رشا، مع صديقه غانم، مع والده وأمه ليست إلا تعنيفاً من نوع آخر. كما إن التعنيف الجسدي لا يقصد به إلا ترك ذكريات الألم واختلاج الزمن في عقل المعنّف، ليبقى مؤكداً على انسحاق الذات تحت قوة الآخر. فحين التقت رشا العواد في منفاه كندا، كانت تبدي انزعاجها من السماعة التي يرتديها طالبة إياه أن ينزعها ليجيب «أريدها أن تذكرني به»، فتلك الذكرى التي انشأت للعواد شتاتاً في داخله، والتي سمعها رغم إعاقة سمعه، ليقول في ما بعد «وطني هو إعاقتي الأبدية»، وتصير العلامة الفارقة للزمن بالنسبة للعواد، فهي التي تؤكد تلاشي والده تحت كف العقيد إذ هوى بها على خده، هي العلامة التي تعني له خيبته كاملة، والتي لأجلها يريد أن ينتقم.
المدينة بوصفها لعنة
قالت له الفتاة الكندية ستيفاني، التي كان العواد يشاركها شقتها: «هكذا ستعرف المدينة جيداً» وكلما سنحت الفرصة يحفظ اسم أحد الشوارع التي يتجاوزونها برتابة قاتلة. حين تختفي الفوضى، أحيانا، تفقد الحياة عنصرا مهما من عناصر إثارتها. كل شيء منظم هنا بشكل يبعث على الملل». شيء من هذا المشهد يتكرر في وصف السارد للأحداث التي تعصف بغانم أو محمد العواد، حين يتحدث عن كندا المنفى، كأن المكان الجديد ليس مكاناً يتفاعل معه بدهشة، بل بالمزيد من الضجر والرفض، في حنين إلى جغرافيا قديمة كان أكثر تفاعلا معها، وأكثر قدرة على وصفها، وظهر ذلك في مستويين في الرواية، الأول عبر العواد الذي انتقل من بيت شعبي في الجهراء إلى كندا، وستيفاني الفتاة المنتمية في أصولها للهنود الحمر، التي تفتقد مكان قبيلتها القديم، لدرجة تحويل شقتها إلى متحف مصغر يضم مقتنيات الهنود الحمر، واحتفاظ والدها بمنطقة مصغرة تحتوي ثلاثة أكواخ تقضي فيها الأسرة إجازتها، هربا من المدينة وأمكنتها إلى بيئة أكثر انتماءً للهنود الحمر وحياتهم السابقة.
تمثلات العنف
تكررت في الروايات الكويتية ــ التي تتناول الأجواء البوليسية ــ صورة العسكري الشاذ، الذي يستمتع بالتعذيب عبر الجنس، ففي رواية الظفيري، نجد مشهدا هامشيا للرجل العسكري الذي يرغب في ممارسة الجنس مع السجين، وتعذيبه ليس بالضرب بل بالجنس، وهذا ما تكرر في رواية أخرى بعنوان «ذكريات ضالة» للروائي الكويتي عبدالله البصيص، بوجود شخصية شاذة تستمع في تعذيب السجين أيضا عبر الجنس، وهو جزء من عملية تحويلية، أي التعبير عن التعنيف والرغبة في تدمير الآخر عبر الجنس وممارساته، ففي تاريخ الجنسائية لميشيل فوكو يطرح فكرة العنف والجنس بمساواة في ما بينهما، وهذا ما يفسر التحول السلوكي لشخصية العواد الذي صار شخصاً – في المنفى- أكثر رغبة في ممارسة الجنس مع الفتيات وكذلك صديقته ستيفاني، فلم يكن محمد العواد في السابق يرغب بأن يمارس جنساً، أو يشرب الخمر، حتى حين دعاه صديقه غانم إلى ذلك سواء في الكويت أو في سوريا، ولكن في المنفى كان أخذ اسم صديقه غانم وصفاته أيضاً، التي تعشق اللهو والعبث، في حالة من التسرب النفسي للمكبوت الذي يريد الانتقام من الآخر حتى، إن كان خارج دائرة الانتقام في سبيل استعادة ذاته المنسحقة سابقاً. وهذه المنطقة شيء من المسكوت عنه الذي استطاع الظفيري الكشف عنه في روايته «كاليسكا».
العنف غير المبرر
شيء من زخم العنف الذي طرح في الرواية، هو العنف الاعتباطي غير المبرر. فكان تعنيف العواد مبرراً من وجهة نظر اليزاز، باعتباره يسعى إلى ما هو مستحيل (الزواج بأخته) نظراً للتفاوت الاجتماعي والاقتصادي، أما العنف الذي لم يكن مبرراً في الرواية هو تعنيف أبرياء كـ»مجانين مرهش» الذين لا شأن لهم بالصراع بين العواد واليزاز، ونلحظ اعتباطية الاسم التي جرت لاعتباطية التعذيب والحبس في السجن، بدون مبرر يستدعي القيام بذلك، وهذا الإفراط في استخدام العنف، يحلينا إلى سؤال عن مشروعية العنف، أي ما يقبل العنف وما لا يقبل؟ وما هي أبعاده؟ ففي موازنة مع أطروحة جاك دريدا (ما لا يقبل الصفح عنه) نجد أن (الرباعي مرهش) تقبلوا العنف الواقع عليهم – بتغييب حضورهم الفعلي في الرواية – وصفحوا لكن من لم يقبل الصفح هو العواد، الذي اختار الانتقام من العقيد في نهاية العمل، رغم كونه انتقاماً بارداً مثل الطقس القارس الذي مات فيه الاثنان، في إشارة إلى أن القضية انتهت بهذا الموت.