رؤى التشكيل الغربي في المشهد التشكيلي العربي: العراق نموذجا

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

على مستوى تجديد الشكل خاصة في فنون الرسم والنحت لا خلاف بين الباحثين على أن تاريخ الفن التشكيلي بكل عناوينه الأسلوبية ومدارسه الفنية ومناهجه ونزعاته التمردية بكل ما تشي به من حمولات جمالية وتقنيات قد ارتبط بشكل جوهري بما تم إنجازه من قبل الفنانين الأوروبيين، وحتى هذه اللحظة ما يزال الفنان الغربي والأوروبي بشكل خاص، يملك البوصلة لاجتراح مناطق مجهولة في عوالم اللوحة والنحت وبقية الفنون التشكيلية، وهذا ما يستدعي طَرح سؤال بغاية الأهمية على جميع فناني المنطقة العربية، وفي المقدمة منهم الفنانون العراقيون لأنهم في حالة إنتاج غزير منذ أربعينيات القرن الماضي وقد تعاقبت أجيال من الرسامين والنحاتين على إثراء الحركة التشكيلية بعد الرواد الأوائل أمثال حافظ الدروبي ونوري الرَّواي، فرج عبو، فائق حسن، جواد سليم، عطا صبري ومحمود صبري.

السؤال: ما هو انجاز التشكيل العربي على مستوى إنتاج مدارس وأساليب ومناهج تتجاوز في تأثيرها حدود المحلية؟

استنساخ التجارب

إن قراءة متأنية للفن التشكيلي العراقي تقودنا إلى إجابة يشير متنها إلى أن السياق العام للموروث التشكيلي العربي وليس العراقي فقط، ما يزال يقتفي أثر التجارب الغربية، استنساخا وتقليدا وإعادة إنتاج.

ما يعزز مثل هذا الرأي أن معظم ما يتم تداوله من مصطلحات ومفاهيم نقدية في قراءة الأعمال التشكيلية المحلية جميعها مستعارة من منظومة التنظير الغربي المندرج في إطار النقد التشكيلي وما يجاوره من نشاط نقدي يتقصى الخطاب الجمالي في أجناس أدبية أخرى، ولو كانت لدينا تجارب محلية تحمل في داخلها أسئلتها الخاصة بها التي تنطلق من ذات التجربة ولذاتها بكل ما قد تحمله من فردانية في التأويل والاجتراح لأفضت بالنتيجة إلى كشوفات فنية تكرس هويتها الرؤيوية وبما تطرحه من قيم تنساق مع منطق التنظير والتأطير الفلسفي.

غياب الابتكار

حتى هذه اللحظة لم يتمكن الفنان العراقي والعربي من أن يتجاوز الفن الغربي بما حمله إلينا من توقيعات فنية على مستوى النتاج العملي والتنظير الجمالي في رؤية التجربة الفنية، مع أن التشكيل العراقي من حيث التاريخ قد تجاوز مرحلة الطفولة والبدايات منذ عقود من الزمان. وإذا ما توفرت الفرصة وزرتَ معرضا تشكيليا فلن تجد في الأعمال المعروضة رسما أو نحتا ما يشير إلى انها تحفة فنية بذاتها ولم تأت في سياق ما هو منتج في الفن الغربي، بالشكل الذي يضع زوار المعرض وفي مقدمتهم النقاد أمام حالة من التأمل العميق للعمل. وهذا لا يعني مطلقا غياب المواهب لكننا هنا نشير إلى ان التشكيل العربي عموما لم يصل بعد إلى مرحلة الخلق والاكتشاف كما هو السياق العام لتاريخ الفن التشكيلي الغربي ومن دون شك هذه الإشكالية تحتاج إلى قراءة نقدية عميقة من قبل الفنانين أولا والمشتغلين في ميدان النقد الأكاديمي ثانيا ولن يقتصر البحث فيها على جهود فردية بل يتعدى ذلك إلى المؤسسات الفنية والأكاديمية.

ازاء ذلك لا سبيل أمام الفنان التشكيلي العراقي والعربي  إذا كان يسعى إلى ان يكون معاصرا إلاَّ ان يقرأ السفر الذي خاضه الفنانون الأوروبيون بكل أجيالهم قديمها وحديثها، لأن كل واحد منهم كان له مشروعه الجمالي الذي يكرس له عمره، انطلاقا من فهمهم للتجربة الفنية باعتبارها جهدا مزدوجا في صلب قصديته أن يخلخل المسلمات والمعايير التي تقنن حرية الفنان وعمله في إطار رؤيته للأشياء، وبناء على ذلك لا غرابة أن يكون تاريخ الفن التشكيلي الغربي قد انتظم في سلسلة متواصلة من تحولات كبيرة في رؤية اللوحة بما تحتويه من عناصر فنية مثل اللون والمنظور والانشاء والتكوين.

النقد التشكيلي عربياً

  

ما يؤسف له أن المصادر المكتوبة باللغة العربية حول الفن التشكيلي تكاد ان تكون شحيحة جدا، وكل ما يمكن الاستناد عليه بهذا الإطار يعتمد بصورة رئيسية على المصادر الغربية، والفنان التشكيلي العربي يتحمل مسؤولية هذا النقص الكبير في المكتبة العربية قبل المشتغلين في النقد، لأنه الأقرب إلى فهم التجربة من داخلها بحكم عمله على عكس الناقد الذي لن يصل إلى استيعاب ما تحمله اللوحة أو القطعة النحتية من أسرار تقنية وأسلوبية مهما كان على درجة عالية من الجهوزية المعرفية. خاصة وأن الفنان إذا ما اقترب من عالم الكتابة وتصدى لأسرار التجربة الفنية بما يمتلكه من خبرة في تقنيات العمل لن يلجأ إلى استعارة مفاهيم ومصطلحات من خارج جنس العمل الفني المعروض، كما اعتاد ان يفعل ذلك معظم نقاد الفن التشكيلي عندما يسحبون مصطلحات ومفاهيم جاهزة من ساحة الأدب ويسقطونها على التجربة التشكيلية، لعجزهم عن فهمها، أو لأنهم ينطلقون من فهم بسيط، وهذا المستوى من النقد لن يكون الوجه الثاني من سياق تكاملية التجربة الإبداعية. ومن هنا فإن جهد الفنان سيكتسب أهميته إذا ما تصدى للكتابة عن التجربة، لان ما سينتج عنه من قراءة لن تكون غريبة في توصيفاتها الاصطلاحية والمفاهيمية.

تجاوز التجربة الذاتية

 

لعل أبرز ما يتسم به الفن الغربي مقارنة مع نظيره في العراق والعالم العربي هو استمرارية هاجس التجديد في الشكل والتقنيات والخامات المستعملة، ووسط هذه الحركة التي تتفاعل فيها جهود فردية وجماعية تبرز أمامنا عديد الأسماء التي تحمل اختلافها عن الآخرين في انهم لا يعيدون إنتاج ما سبق أن أنجزوه من علاقات فنية في أعمال سابقة لهم ولغيرهم، ولكن هذا لا يعني أن كل ما يتم إنتاجه في الفن الغربي يحمل سمات التجديد والابتكار، فهناك كم هائل من الأعمال التي تعج بها صالات العرض والمتاحف والغاليريهات أقل ما يمكن ان يقال عنها أنها أعمال عادية لا تنتمي إلى جنس العمل الفني، وتترك انطباعا سلبيا لدى المتلقين لأنها تحمل اضطرابا في شكلها الفني وهذا يتجلى بوضوح في نتاج فنون ما بعد الحداثة.

تنوع طرق الرؤية

اذا ما تتبعنا الفن التشكيلي الأوروبي سنقف عند مجموعة كبيرة من الأسماء ومن الصعب تعدادها هنا، وكل اسم شكل تجربة فنية لها خواص أسلوبية تطرح بين ثنايا خطوطها وألوانها رؤية جمالية تؤسس لمنهج فني في معالجة الموضوعات والأشياء التي يتفاعل معها الفنان، وتتموضع في داخلها غواية مثيرة وجديدة في التعامل مع المواد المستخدمة في التجربة، وفي فهم العناصر الفنية المؤلفة للنص البصري التشكيلي وهذا يعكس بطبيعة الحال تعدد طرق الرؤية للعمل الفني، وبالإمكان ان نشير إلى بعض من تلك الأسماء منهم: رامبرانت، روبنز، غويا، سيزان، بيكاسو، دالي، كاندنسكي، كوكو شكا، فان كوخ، اندي وارهول، هنري مور، جياكوميتي، وآخرون تطول القائمة إذا ما حاولنا تعدادهم.

هذا المسار الذي تعمد بعديد التجارب والأسماء ابتدأ منذ عصر النهضة واستمر في عملية الاشتغال التجاوزي للأشكال والأساليب إلى يومنا هذا، ولم يتوقف التفكير والإنتاج بهذا السياق الذي يستجيب لهاجس الانفلات من اطر العلاقات الفنية الجاهزة والمُنتَجة، وأبرز ما كان مهيمنا على الحركة التشكيلية الأوروبية على وجه الخصوص ان كل رسام لديه حرص بالغ في أن تكون له ذخيرته من التقنيات التي يتداولها في مشغله، بالتالي هذا الجهد يكرِّس في نتيجته منظومة معايير ذاتية في انشاء وتكوين وتركيب عناصر اللوحة مع انفتاح التجربة على الحياة بما تحمله من متغيرات. بمعنى أن التجربة لا تبقى مختزلة ذاتها بذاتها بل تتجاوز بامتداداتها باتجاه العالم الخارجي، وعلى ذلك وقفنا أمام نتاج فني متنوع ومختلف لكل واحد منهم. وإذا ما حاولنا الاقتراب نقديا لقراءة تشكلات هذه العلامات سنحتاج إلى وقت وجهد لأجل الإلمام بالقيم والعناصر الفنية القائمة داخل كل تجربة منفردة.

العلاقة مع الزمن

 

تنتهي بنا هذه القراءة السريعة إلى أن المفكرة الأوروبية للفنون التشكيلية كانت ولم تزل على قدر عال من الغنى والثراء طيلة مراحلها، وتكشف صفحاتها عن تفرد فنانيها في تعاملهم مع الخامات، وفي رؤيتهم للأشياء، بالتالي انفرادهم في تأسيس عناصر اللوحة التشكيلية. والباحث عن الأسباب التي تقف خلف هذا التوهج الفني الذي اتسم به الفن التشكيلي الأوروبي والغربي عامة على مدى عشرات السنين بمختلف المراحل الفنية التي تمخضت عنه ومن ثم تجاوزها بتجارب أخرى، سيصل إلى نتيجة مفادها ان المدارس الفنية لم تكن منفصلة عن التحولات المجتمعية، وكانت في حالة جدل دائم معها، فشكلت هذه العلاقة أرضية خصبة ومنطلقا لتحقيق المنجزات الفنية بمعنى أن الحركة الفنية لم تكن تصل إلى ما وصلت إليه وبما قدمته من ظواهر ومدارس فنية امتد تأثيرها إلى خارج الحدود الجغرافية للقارة الأوروبية إلا لأن ذات الفنان التشكيلي في علاقتها مع المحيط الخارجي قد اكتسبت ملامحها من حيوية علاقته مع الزمن. ولو توقفنا أمام تجربة الأسماء المعروفة في المشهد الغربي وهي كثيرة كما أشرنا إليها سنجد لديها تفكيرا مستمرا في مسألة التجاوز والتمرد على الذات وعلى ما هو متداول من أساليب، فلاغرابة اذن عندما تتعدد المدارس الفنية التي قدمها لنا الفن التشكيلي الأوروبي طيلة سبعة قرون ابتدأت بالمدرسة الكلاسيكية ثم الرومانسية والواقعية والانطباعية والتجريدية وصولا إلى ما بعد الحداثة التي عبرت عن حضورها بعد الحرب العالمية الثانية.

مقابل هذا التاريخ الحافل بالتمرد على الأطر لدى الفن الأوروبي، ما الذي يمكن أن نشير إليه من تفرَّد في المشهد التشكيلي العربي والعراقي والذي يمتد تأثيره خارج حدود جغرافية المنطقة العربية؟ أظن من الصعب التوصل إلى علامات واضحة بهذا الشأن، لأن كل ما تم إنجازه لم يخرج عن إطار استنساخ أو تقليد تجارب غربية، ومن الطبيعي أن يتفاوت المستوى بين هذا الفنان وذاك تبعا لما تقرره المهارة وسعة الاطلاع على أساليب وتجارب الآخرين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية