بيروت-“القدس العربي”: هادئة الشخصية وودودة العشرة، وفي اختياراتها المسرحية تقول ما هو مفاجئ وصعب في غالب الأحيان. سحر عساف المرأة الفنانة التي تبنت قضية فتيات “شي موريس” تعتبر نفسها حيال مهمة شخصية، ويقض مضجعها أن يتم النطق بحكم مخفف على أعضاء العصابة، مستفيدين من ثغرات القانون اللبناني الخاص بجرائم الإتجار في البشر. وتغضب من كل سائل “لو كانت البنات من لبنان شو كان موقفك”؟
جديد ننتظره من سحر عساف في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل “فيفو وصاحباتها” عرض تصفه بالنسوي. معها كان هذا الحوار:
*تحتضنين طفلك زاد، ونحن نتحاور وهو رفيق قلبك وفكرك. هل أنت كذلك في حالة تبني وإلتزام مهني بمسرحية “لا طلب لا عرض” منذ سنوات ثلاث؟
**رغم مرور ثلاث سنوات على المسرحية إلاّ أنها لم تُعرض بما فيه الكفاية في لبنان. بدأت العمل على هذا العرض في أواخر سنة 2016 أي بعد زمن قصير من إلقاء القبض على شبكة إتجار في البشر في “شي موريس”. أتيحت لي فرصة عرض صغير أول من خلال مكتب الفنون والآداب في الجامعة الأمريكية في بيروت، وذلك على هامش مؤتمر خاص بالبناء بعد الحروب في كل من فلسطين، سوريا ولبنان. حصلت على دعم مالي صغير واستمر العرض ملازماً لتفكيري، وبدأت أبحاثي حوله وكان العرض الأول في بداية سنة 2017. العروض في لبنان متفرقة ودائما كنا حيال عرض وحيد. لم أكن قد قدمت العرض للأمن العام، ولهذا لم تكن البطاقات مدفوعة رغم حضور جمهور غفير، ويلي العرض نقاش مهم. بصراحة كنت خلال السنتين الماضيتين في اجتهاد لتطوير الفكرة وملاحقة القضية، وإضافة كل جديد إلى النص بخاصة المحاكمات. وجيد أن فرصاً اتيحت لنا للعرض في أثينا ونيويورك. ومؤخراً جرت قراءة للمسرحية في لندن من إخراج زميلة بريطانية، أرسلت لها الترجمة. وقد أبلغتني بردود الفعل الممتازة والمتفاعلة مع القضية. بالعودة إلى سؤالك أقول صحيح أن الحدث صار في لبنان وفي جونية تحديداً وفي فندق “شي موريس” إنما موضوع الإتجار بالبشر والدعارة قضية ومشكلة تعمّ العالم. وفي إحصاءات لمنظمة العمل الدولية أن الإتجار في البشر عمل ناشط ويدر 150 مليار دولار سنوياً. إذاً هو “بيزنس” كبير للغاية والمستفيدون منه كثر، ويتوازى مع تجارة السلاح والمخدرات.
*هل يعيش هذا العرض معك على الدوام؟ ففي كل مرّة أتابعه أراه أشد وقعاً وألماً؟
**نعم أهجس بهذه القضية. عندما خرجت إلى العلن تأثرت بشكل شخصي. في لبنان نسمع أحداثاً مؤذية بحق النساء، بعضها نقرأه ويمر في حياتنا ويرحل، إنما هذه القضية لم يكن لها أن تغادرني، بل سكنتني. شعرت حيالها بالمسؤولية، وأنها قد تصيب أي امرأة، أنا وشقيقتي أو صديقتي. في كل فرصة متاحة سوف أعرضها، خاصة وأن القضية لم تنته، والمجرمون لا يزالون خارج السجن والحكم لم يصدر بعد.
*عرضت المسرحية في أثينا ونيويورك فهل كانت بالعربية؟
**بل مزجت بين العربية والإنكليزية. نطقت الراوية التي أقوم بدورها بالإنكليزية، فيما حافظت على الشهادات باللغة العربية مترافقة مع ترجمة مكتوبة. العرض وثائقي ويستلزم أن نصغي له، بقيت الشهادات بالعربية حفاظاً على الإحساس والمشاعر. جمعنا تلك الشهادات بالعربية وبأصوات الضحايا لذلك كان ضرورياً أن تبقى كما هي.
*ماذا عن ردات الفعل؟
**كانت مشابهة لردات الفعل حيال العروض في لبنان. ليست التفاصيل هي المهمة ولا المكان الذي حمل اسم “شي موريس” ولا حتى جنسية النساء. ففي لبنان كنت اسمع من يعلّق أو يسأل “لوكانت الفتيات لبنانيات لكانت الأمور مختلفة”؟ بالنسبة لي القضية واحدة أياً كانت جنسية الضحايا. في العروض خارج لبنان كان الجمهور يغادر الصالة محملاً بالضيق والتأثر الذي يصل لحدود البكاء لدى البعض، ولدى آخرين يبدو الغضب ظاهراً وكبيراً. في لبنان أسمع أن بعضهم يخرج من العرض حاقداً. وهذا ما رغبت بأن يصل للمتلقي. عندما كنت أتابع القصة وشهادات النساء المباشرة، وفي الوقت نفسه كنت أستمع لشهادات الرجال الذين يشترون الجنس، كنت أشعر بغضب لا يوصف. ومن يقرأ دراسة جمعية “كفى” عن شراء الجنس سيعيش مشاعر الغضب. أصابني العمى لأسبوع بعد قراءة تلك الدراسة. مع العلم أن من الضروري إتخاذ خطوة إلى الخلف، فليس كافة الرجال على هذه الشاكلة، وليس لنا النظر إليهم جميعهم بالطريقة نفسها، فالنظام هو الغلط. والرجال الذين يشترون الجنس هم ضحية النظام، وقد يكونون على جانب كبير من الطيبة. إنما عليهم معرفة مدى الأذى الذي يحمله هذا الفعل، وأن يعوا، فليس جميع من يشتري الجنس غير مبالين.
*كم ترين قابلية التجديد والإضافة في “لا طلب لا عرض”؟
**عندما كنت في صدد عرض نيويورك سعيت للتجديد، وبعد اجتهاد وعمل وجدت أن القصة المؤثرة التي نقدمها على المسرح تستدعي إخراجاً بسيطاً. أما النص في حد ذاته فيحتمل الكثير من الإضافات. في البدايات كانت الراوية التي أمثلها هجومية للغاية، فقد كانت العاطفة والمشاعر غالبان عندها. بعد سنتين كان لمشاعري أن تستريح نسبياً فسكن الأداء. المتلقي حر في مشاعره وليس لي فرض مشاعري عليه، ويكفي أن أقدم الأشياء كما قرأتها.
*كممثلة ومخرجة وكاتبة نص هل ترين سهلا تجسيد دور فتيات مغتصبات لسنوات؟
**طبعاً لا. مستحيل تجسيد نوع العنف الذي عاشته الفتيات في “شي موريس” كمسرح واقعي. ليس ممكناً أن تكون الممثلة في الموقف نفسه على المسرح. تجسيد الحالة من خلال الكلام كان صعباً جداً على الممثلات. اعتمدت تقنية “التوصيل المسجل” أي أن توصل الممثلة النص كما تسمعه بهدف الحفاظ على روحية ما قالته النساء المغتصبات من دون تحريف وتأويل. الممثلة ليست بصدد حفظ النص، بالتالي تُركز على الإستماع والنطق به. وهكذا لا تملك الممثلات وقتاً للتأويل أوالتفكير أو الإحساس. أعتقد أن اعتماد هذا الأسلوب ساهم في حماية الممثلات نفسياً.
*لكن الممثلة جويس أبو جودة انفجرت بكاء في أحد العروض؟
**صحيح لكل إنسان أو ممثل قدرة إحتمال خاصة، ولا يتساوى البشر في هكذا مواقف.
*”شي موريس” كانت إحدى فضائح لبنان على صعيد الإتجار في البشر فهل بات خالياً من هذه الوصمة؟
**بكل تأكيد لا. بعد “شي موريس” سمعنا عن العديد من شبكات الإتجار بالبشر والتي كُشفت من قبل السلطات الأمنية، وللأسف تمّ تصنيفها دعارة. عندما صيغ قانون الإتجار في البشر في لبنان لم يأخذ في الاعتبار حاجة المجتمع المحلي، بل أسقط علينا من فوق. ولم يتم تعديل قانون الدعارة، وتعتبر قضية “شي موريس” سابقة في القضاء اللبناني سواء على صعيد عدد الفتيات، وسنوات الإسترقاق والأهم أنه تمّ تصنيفها مباشرة إتجار بالبشر، فالفتيات تحدثن عن تعذيب جسدي كان ظاهراً على بعضهن. السيء هنا أن إثبات الإتجار وتصنيفه من قبل السلطات يجب أن أن يترافق مع تعذيب وجلد وغير ذلك. وفي الواقع قد يكون التعذيب أحياناً ترهيباً نفسياً ومن دون مس الجسد، فكيف يُثبت ذلك؟
*هل تأملين أن عقاباً سوف يناله المجرمون؟
**يفترض التمسك بالأمل في أن يكون للقضاء كلمة حق وأن ينال المجرمون جزاءهم. مع العلم أن المتهمين يحاولون تلبس دور المسهلين. اعترفوا أمام القضاء بالدعارة ولم يعترفوا بالإتجار، ويحاولون التأكيد بأن الفتيات موجودات لديهن بارادتهن. ففي القانون ثغرة كبيرة جداً على مجلس النواب التنبه لها وسدها. وإن تمكن هؤلاء المجرمين الإفلات من العقاب سنكون حيال مشكلة كبيرة.
*مسرحية “عرس الدم” كانت آخر أعمالك لماذا اخترت العمل على نص للوركا؟
**نهتم في مبادرة العمل المسرحي التي أسستها في الجامعة الأمريكية مع روبرت مايرز بطرح أنواع مسرحية متعددة من الكلاسيكي والمعاصر، إلى الوثائقي وغيره. اخترنا لوركا لأنه من أهم الكتّاب الكلاسيكيين، وأي مخرج في العالم يتمنى العمل على نص له. كانت فرصة لي العمل على نص للوركا وترجمته إلى اللهجة اللبنانية المحكية. أحداث النص يشهدها الريف الإسباني، لهذا كان عرضها في حمانا حيث الريف اللبناني في أبهى صورة. منذ البداية وقع الإختيار على حمانا لرغبة التعاون مع بيت الفنان ومجموعة “كهربا”. تعاون أفضى لتسهيل المرور إلى منازل حمانا. ومن لا يعرفون النص ولا لوركا اعتقدو أن هذه المسرحية كتبت خصيصاً لبلدة حمانا.
*هل شكل “عرس الدم” تحدياً لك خاصة لجهة الإمكانات المتوافرة؟
**بدون شك. وإن سألتني إعادته في هذه اللحظة سيكون الجواب “لا أعرف كيف ولا أعرف من أين أبدأ”. خلال العمل على بعض العروض أكتشف وكأن سحراً يتجند لمساعدتي. كان العمل صعباً لأنه تضمن الدخول إلى منازل أهل حمانا، وعرض في الكنيسة أيضاً وهذا يتطلب تصاريح، إلى تنسيق الوقت وغير ذلك من مهمات لوجستية تضاف لها الفنية. في هذا العرض انتشر الممثلون في منازل القرية وما من ممثل كان يتواصل مع زميله. تحولت القرية إلى مسرح. عرضنا “عرس الدم” لثمانية أيام مع عدد حضور لا يفوق الـ60 في كل منها.
*قبل “عرس الدم” وضعت النقاط على حروف الحياة الزوجية الصعبة. لماذا عرض “حبيبتي رجعي ع التخت” الواقعي؟
**كما تعرفين ترجمت هذا النص مع الفنان طارق تميم ولعب الدور الفنان إيلي يوسف وأخرجته لينا أبيض. أخترته لرغبة في بمسرحية خفيفة تحمل قيمة فنية عالية. الموضوع يهم كافة الناس وليس فقط المتزوجين، فحتى المخطوبين والمتحابين تمر علاقتهم بالروتين. مشاكل الحياة تأخذهم بعيداً عن الحب ومن ثم تعيدهم إليه. إنها مسرحية تشبه إنسانيتنا، وما نعيشه في المجتمع. لهذا العرض موقع في نفسي ومعه وجدت الكثير من السلوى.
*كممثلة هل تجذبك السينما أم التلفزيون؟
**لم أسع إليهما بخاصة التلفزيون. كان لي حضور في أدوار صغيرة في السينما. وضع التلفزيون والمسلسلات الحالي أفضل مما مضى حيث لم أكن معجبة بأسلوب التصوير والإخراج والتمثيل، السمة كانت التصنع. حالياً الوقت مضغوط، والعودة إلى المنزل تفرض تحضير الطعام، وليس حضور الدراما. وإن كانت لي فرصة مناسبة لطموحي لن أرفضها.
*جديدك؟
**أعد لمسرحية تحمل اسم “فيفو وصاحباتها” نص لماريا أيرين فورنيس وهي كاتبة من أصل كوبي وتعيش في الولايات المتحدة. نص من زمن السبعينيات، واقعي وكوميدي وعبثي معاً. عرض خال من الحبكة يجمع على المسرح ثماني نساء بصدد التحضير والتمارين لتقديم فعالية اجتماعية، وخلالها يكتشف الجمهور قصصهن. هنّ شخصيات معقدة ومركبة وجميلة جداً، يمكن أن يصنفن نسويات إنما بطريقة جريئة ومتعاطفة وداعمة للمجتمع. الإفتتاح في 22 تشرين الثاني/نوفمبر في مسرح “سينوريوم” أبراج فرن الشباك.