دمشق – «القدس العربي» : عادت التحذيرات الدولية الرسمية منها، والإعلامية إلى الحديث عن نشاط تنظيم «الدولة الإسلامية» المتزايد في العديد من الدول، خاصة في العراق وسوريا، بعد مرحلة الانهيار الكبير التي أفضت إلى تحييده عن السيطرة الجغرافية، وتشير المصادر إلى تنفيذ خلاياه للتعليمات التي أطلقها مؤخراً زعيم التنظيم «أبو بكر البغدادي» حول ضرورة فك أسر الآلاف من مقاتليه وعائلاتهم المحتجزين في المخيمات السورية – العراقية، في حين أن خبراء بالشؤون الجهادية يعتقدون أن العوامل التي أدت إلى ولادة التنظيم الأولى لا تزال قائمة، وهو ما سيعزز عودته إلى الساحة مجدداً، جراء غياب الحلول السياسية المرضية لشعوب المنطقة، وتداخل المصالح الدولية الإقليمية فيها، وطفو الطائفية، وغياب حالة الاستقرار السياسي والاقتصادي.
خبير جهادي لـ «القدس العربي»: الأسباب التي أنجبته لا تزال قائمة
وفي هذا الإطار، كشفت مصادر أمريكية، وأخرى صحافية بريطانية، عن تحركات يقوم بها تنظيم «الدولة» في سوريا والعراق، ضمن مساعيه لفك أسر الآلاف من عناصره وعائلاتهم المحتجزين في مخيم «الهول» في محافظة الحسكة السورية شمال شرقي سوريا.
تحركات «الدولة»
تحركات تنظيم «الدولة» الأخيرة لفك أسر مقاتليه، تأتي بعد التسجيل الأخير للبغدادي، الذي طالب من خلاله بتنفيذ هجمات لتحرير سجناء التنظيم، وفي الآونة الأخيرة، كان قد أكد منسق مكافحة الإرهاب في الخارجية الأمريكية ناثان سيلز، وجود محاولات حقيقية من قبل خلايا التنظيم لإحداث خروقات لمراكز الاحتجاز، بهدف إطلاق سراح عناصر التنظيم الأسرى وعائلاتهم.
ووفق مصادر محلية سورية، فقد تضاعفت في الأسابيع الأخيرة هجمات التنظيم، سواء تلك التي تستهدف قوات سوريا الديمقراطية، المدعومة من التحالف الدولي في سوريا، أو المنفذة ضد الجيش الروسي وقوات النظام السوري وكان آخرها هجوم التنظيم في السوريداء جنوباً، فيما يبدو أن التنظيم يعتمد على سلاح الحرب الخفية، والخلايا النائمة لتنفيذ الأهداف، دون التوجه إلى السيطرة المكانية.
عودة «الدولة»
وكانت قد توالت التقارير، سواء الدولية منها، أو حتى الاستخباراتية الأمريكية والأوروبية، وصولاً إلى مراكز الدراسات والأبحاث، حول رصد كبير لعودة نشاط مجموعات تنظيم «الدولة»، سواء في العراق، أو سوريا.
الخبير في شؤون الجماعات الجهادية حسن أبو هنية، يرى أن حجم الهجمات التي تنفذها مجموعات تنظيم «الدولة» منذ عام 2018، وحتى العام الحالي، تعد مؤشراً قوياً على تنامي نشاط لحضور التنظيم في الميدان، ومنذ ظهور أبو بكر البغدادي في شهر نيسان/أبريل الماضي، ووصولاً إلى الظهور الأخير له، الذي جاء تحت عنوان «وقل اعملوا»، شاهدنا ارتفاع وتيرة العمليات بعد معركة «الباغوز» شرق سوريا، حيث أطلق التنظيم «غزوة الثأر لأهل الشام»، وهذه الحملة نفذت في بلدان عدة، وكذلك غزوتي «الاستنزاف الأولى والثانية» للتنظيم.
ويقول أبو هنية لـ»القدس العربي»: «في الغزوتين الأولى والثانية، الملاحظ هو تنفيذ عمليات في أكثر من 11 دولة، وأيضاً لوحظ تنفيذ الهجمات بشكل منسق، ومختلف عن المراحل السابقة، ومن هنا يمكن الاستنتاج، أن الهيكل التنظيم الجديد لتنظيم الدولة، قد اصبح واضحاً بتكريس «حرب العصابات»، مقابل التخلي عن السيطرة المكانية، وهذا يمكن استخلاصه بالقول: تنظيم الدولة انتهى من مرحلة التشتت التي عصفت به بعد المعارك التي نفذت ضده في أواخر عام 2018 وما بعدها.»
أما فيما يخص توجه التنظيم نحو عمليات فك أسر عناصره، ليست جديدة من حيث المبدأ، فهو نفذ العديد من الهجمات عندما كان العراق وسوريا تحت هيكلية واحدة له، واليوم تستمر هذه الهجمات بعد الفصل بين الولايتين.
ويبقى جوهر القضية، هو هل يمتلك تنظيم الدولة تلك القدرة لتكرار ما فعله في سجن «أبو غريب» في العراق مثلاً؟ وهنا يمكن الحديث عن أن التنظيم سيحاول – حسب الخبير – شن العديد من هذه الهجمات لفك أسر عناصر وعائلاتهم، ولكن كل ذلك مرهون بالتطورات الميدانية على الأرض، سواء في العراق أو في سوريا.
إذا توجهنا نحو الشمال السوري وإدلب تحديداً، فالأمور لا تزال غير واضحة، فعلى سبيل المثال، إذا ما تم تنفيذ حملة عسكرية على إدلب، ستصبح الأمور فوضوية أكثر، وكذلك الخلافات بين الولايات المتحدة وتركيا حول المنطقة الآمنة، وقضية علاقة الأكراد بالنظام السوري بعد إعلان «اللجنة الدستورية».
وهنا يقول أبو هنية: «الأحداث غير مستقرة، وبالتالي قد يعود التمرد بطريقة أو أخرى، ولا شك أن التنظيم قد أعاد تنظيم صفوفه الداخلية، وهذا ما يمكن تعليله من خلال هجماته المتكررة في دير الزور، وفي بادية الصحراء، حيث نكل فعلياً بالجيش الروسي وقوات النظام السوري هناك».
وهذا ما يمكن وصفه، بأن التنظيم قد نجح في تجاوز محناته السابقة، ودخل مرحلة «الصمود»، وإعادة الهيكلة من جديد، والانتقال إلى تنفيذ هجمات مميتة، وهناك نلاحظ اعتماد مجموعاته على الخلايا وعمليات القنص والاغتيال والأسلحة الكاتمة للصوت، والعبوات الناسفة، والكمائن المحددة.
ويضيف المصدر: وفي المجمل، هناك تنامٍ للتنظيم فعلاً في سوريا والعراق، والأهم من ذلك، هو محافظته على قدراته التجنيدية في البلدين، أي أنه يتكيف مع التغيرات، ويعتمد على اللامركزية، كما أن التنظيم يبدو ليس على عجلة من أمره في الظهور، وهو حالياً يعتمد على استثمار المتناقضات الداخلية والإقليمية.