محمد كشيك والوقوف على عتبات البهجة

في ليلة الحادي والعشرين من هذا الشهر سبتمبر/أيلول كنت سهران كعادتي أتابع ما يجري في البلاد، فالأحداث تتوالى، في أكثر من محافظة يتظاهر فيها الشباب ضد النظام، ومحمد علي المقاول الذي خرج على الدولة يصدر بين حين وحين فيديو من الأسرار، ومثله من دخلوا على الخط مثل الكاتب مسعد أبو فجر، وأشخاص يقدمون أنفسهم بأنهم ضباط سابقون، الى آخر ما يتابعه العالم الآن.
في وسط هذا الجو ليس لمثلي أن ينام بسهولة. فجأة دق التليفون ووجدت على الجانب الآخر الشاعر محمد الحلو، زوج أخت الشاعر محمد كشيك، وكان الليل قد انتصف وأصابني الارتباك فمكالمات بعد منتصف الليل مُرعبة، ووجدته يبكي وقال لي محمد كشيك مات. اندفعت أبكي وانتهت المكالمة وابتعدت عن الدنيا وقام الماضي أمامي. عشرون سنة كاملة منذ كنت أسكن قريبا منه في منطقة الوراق، إلى أن غادرتها منذ ثلاثة عشر عاما. محمد كشيك زميل عمل في الثقافة الجماهيرية، ورئس إدارة النشر فيها، ورئس تحرير مجلة «الثقافة الجديدة» لسنوات، لكن ذلك كله ليس مهما لي. يهمني شعره العامي ذو الصور الجميلة عن الحياة والطبيعة والناس، فله حوالي عشرة دواوين منذ أول ديوان «أغنية لمصر» عام 1974 بعد خروجه من الجيش وانتهاء حرب أكتوبر/تشرين الأول حتى «وكأني كنت من البشر» عام 2015 وصاحب دواوين مميزة للأطفال بلغت ستة دواوين منها، «زقزقات» و«طايرين طايرين» ودراسات نقدية مثل «علامات التحديث في القصة القصيرة» و«جماليات النص الخفي» و«قراءة في أعمال بيرم التونسي – فؤاد حداد – صلاح جاهين». وتهمني رحلاته معي عبر عشرين سنة، أجل هي رحلات رغم أنها كانت في القاهرة.
عشرون سنة نلتقي خلال أيام الأسبوع ونمشي على كورنيش النيل وبين أحياء إمبابة حتى نصل إلى الكيت كات، نستريح ونتابع السير إلى وسط البلد، وإلى ميدان السيدة زينب، ونفرح بقدرتنا على المشي ونتحدث وفي كل أحاديث كشيك كان يلقي بأفكار عبثية عن البشر والحياة تجعلني أضحك من قلبي، وحين يأخذه الجد يبدأ يحدثني عن قراءاته في الطب، وفي الطب بالأعشاب وحين نرى كلبا، يتحدث عن أنواع الكلاب، وحين نرى قطة يتحدث عن أنواع القطط، وحين نري شحاذا يتحدث عن تاريخ الشحاذين، وحين نعود في منتصف الليل يتحدث عن الضائعين وسط الليالي، وفي كل أحاديثه يلقي لي بمعلومات جميلة ولا نكف عن الضحك.
في الأيام التي لا نمشي فيها يزورني أو أزوره في بيته في الوراق، ونجلس على السطح فشقته تشغل نصف مساحته ونتحدث عن الزهور التي يزرعها والقطط التي تحيط بنا، وزوجته تقدم لنا الشاي والطعام، وهناك التقيت عنده بأعداد من الكتاب. يحيى الطاهر عبد الله، إبراهيم أصلان يوسف أبورية، وشعراء مثل بهاء جاهين، أمين حداد، أشرف عامر وعباس عامر ورجب الصاوي وعادل الحرّاني وغيرهم. وفي غيابهم يتحدث عنهم بكل اعتزاز ويحكي لي عن أيام حرب أكتوبر/ تشرين الأول ومزاملته للشاعر محمد بغدادي، وكيف دخل يوما هو ضابط الجيش الاحتياط وهو شارد منطقة ألغام أنقذوه منها بأعجوبة. كان بيته تقريبا للجميع لكن بدون موعد غير الضحك والراحة النفسية، وفي أكثر الأيام أكون أنا وهو والشاعر محمد الحلو، أو أنا وهو فقط لكن لا ينقطع عما هو جميل في سيرة الآخرين. تحتاج جلساتنا هذه إلى كتاب والله. كنا كثيرا ما نخرج نسهر في بيت الشاعر عمرالصاوي وأخيه الأصغر الشاعر رجب الصاوي القريب، ويمتد الضحك ويبدو لي العالم دائما جميلا، ليس فيه أي منازعات ولا منافسات، فهو وأنا وعمر وكل من يحضر إليه يبدون في حالة رضا وسعادة، رغم ما يكتبونه من آلام، حتى جاء اليوم الغريب، حين قررالأطباء أن هناك ضيقا عندي في الشريان التاجي، ولا بد من دواء وتخفيف وزني، فقرر معي أن يكون المشي كل يوم تقريبا، لا بين عدة أيام، وهكذا كان يأتي إلى بيتي ثم نخرج معا نمشي.

رغم أن ما يمضي لا يعود كما هو، فالآن أنا لا أغادر البيت إلا نادرا فأخذني موت محمد كشيك وأعادني لأقف على عتبات البهجة حائرا محروما من البهجة كلها التي صارت بالفعل حلما غائبا في حياتنا.

وفي أول استراحة في الحديقة الصغيرة في ميدان «الكيت كات» كان يوما فاصلا في الكتابة، إذ به بدأت كتابة رواية «عتبات البهجة». الصديقان اللذان تجاوزا الخمسين من العمر ولا يكملان عملا فيقفان دائما على عتبات البهجة. رأيت الحديقة كما لم أرها من قبل وكان حواره مع بائعة الشاي السوداء وابنتها البيضاء، مثيرا للضحك والخيال، ومنه اتسعت روحي للكتابة.
كان محمد بالنسبة لي ذلك الوقت هو الشخص الذي أعطيه أحيانا الرواية بعد أن أكتبها ليكون أول قارئ لها، وفي هذه المرة كان أحد بطليّ الرواية قد أعطيته اسم «حسن» وكل ما فعلناه صار خيالا وفنا، ونحن نمشي لأن حواره مع الناس كان يسبح بي في فضاء من الضحك والخيال. كان هو يعرف أنني أكتب الرواية لكنني أخبرته أنني لن أعطيه ما أكتبه إلا بعد أن تنتهي الرواية وهو لا يكف في الطريق عن سؤال الناس أسئلة عبثية ويطلب من أي بائع نقابله «كارت» فيه تليفونه، رغم أننا لن نحتاج إليه وعند كتابة الفصل الأخير من الرواية ذهبنا إلى سوق السيدة عائشة لأتفرج على سوق الكلاب. كنت أريد أن أنهي الفصل الأخير بالصديقين وقد اشتريا كلبين وارتديا نظارتين غامقتين ومشيا والكلاب أمامها كأنهما ضريران لا يريان العالم. بعد جولة لا أنساها أخذ فيها أكثر من عشرة كروت من باعة لكل شيء ونحن أصلا لن نشتري شيئا، جلسنا نستريح في المقهى فطل علينا رجل فقير في حوالي الخمسين من العمر وسألني ما إذا كنت أرغب في خادم أو خادمة للبيت، فقلت له للأسف لا، لكن محمد قال له على طريقته في العبث «أنت شكلك حرامي» فارتبك الرجل وأخرج من جيبه بطاقة الهوية وقدمها لنا وأنا أضحك، إذ رأيت أن اسمه ينتهي بلقب «أبو صفيحة». أعجبني اللقب وطلبت منه الجلوس وعرفت حكايته وشرب الشاي وأعطيته عشرين جنيها ـ كان ذلك عام 2005 حين كان للجنيه قيمة – وأنا شارد وهو يكاد يقبّل يدي وبعد أن مضى قلت لمحمد انتهت الرواية. سيشتري البطلان كلبين ويعطونهما لأبي صفيحة فلا تكتمل البهجة بهما. ضحك وقال لي الكلمة التي دائما يقولها لي إن الله يلقي لي في الطريق بشخصيات رواياتي. صدرت الرواية واختفى من بحديقة الكيت كات فقال لي أرسلهم الله لتكتب عنهم، وكان يوما في طريقه إلى منطقة 6 أكتوبر في ميكروباص فوجد جواره «أبو صفيحه» الذي تذكره وسأله عني فقال له أني كتبت عنه رواية، فقال له أبو صفيحة إن عليه إذن أن يدفع له الأجرة، وعاد محمد يخبرني بالقصة ضاحكا مذهولا، ويسألني ما رأيك أن تكتب جزءا ثانيا عن عودة أبي صفيحة وضحكنا كالعادة.
في عام 2006 انتقلت إلى منطقة حدائق الأهرام وحرمت نفسي من المشي معه. لم أتواءم مع غيره في المشي الذي استمر عشرين سنة حملها موته إلى الفضاء وتركني الشاعر محمد الحلو صديقي وأخو زوجته بعد الخبر، أبكي وحدي متسائلا كيف كنت أتابع الأحداث باحثا عن شيء من البهجة بذكريات ثورة يناير/كانون الثاني، رغم أن ما يمضي لا يعود كما هو، فالآن أنا لا أغادر البيت إلا نادرا فأخذني موت محمد كشيك وأعادني لأقف على عتبات البهجة حائرا محروما من البهجة كلها التي صارت بالفعل حلما غائبا في حياتنا.

٭ روائي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية