الكلام في الغياب

في غيابك بُنيّ يدور بيني وبين نفسي كلام كثير عنك، أريد أن أحدثك به، أصل إليك أحضنك ثمّ أقرّر فجأة أن أؤجّل الكلام. الكلام في غيابك شجاع والكلام في حضورك جبان.. لماذا لا أقول لك أحبك يا رفيق الروح بصوت واضح؟ لماذا لا أقول لك: أنا لست إن عاتبتك أكرهك إنّما أريدك أن تكون أفضل منّي؟ ربّما خشيت أن تقول لي كعادتك: أنا شكل آخر وجوهر آخر.. وتربّت على كتفي بلطفك وتضيف: لا تقارنّي بك أبتِ لا تقارنّي بأحد لا تقارن أخي بي لا تقارن أحدا بأحد. لن أملك أن أردّ على قوّة فكرتك إنّ كلّ شخص فريد في ملكوته.. أنا يا بنيّ لا أريد لك أن تكون مثلي فأنت أفضل حين كنت في سنّك وأفضل حين ستصبح في سنّي.. اللعنة مرّة أخرى أضعك في ملكوتي وأضعني في سلم أراك في أعلاه.. هذا الكلام الذي يسكنني ولا يغادرني هو الذي أسميه الكلام في الغياب.. هو شكل منه لأنّ وجوه الكلام في الغياب كثيرة.
يبدأ الكلام في الغياب في غياهب النفس الباطنة وهو ما قد يسمّى بالتفكّر. التفكُّر أن نتصوّر ما نقوله بالشكل الذي نريده به أن يقال كما سنقوله بعد النطق به. إنّنا نصمّم الأفكار حين نتمثّلها، وحين نخطّط لها. ربّما تسمّت هذه المرحلة في تاريخ التفكير الإنساني بأسماء كثيرة، وربّما راعى كلّ اسم من المراحل أو الأعمال التي يفترض أن تجري في الذهن قبل الكلام. للعامّة تصوّرها حول التفكّر إذ تقول: أدر لسانك في فمك سبع مرات قبل أن تنطق. إدارة اللسان هي تهيئته بالنطق ولكن في انتظار أن يجهز الذهن، اللسان ناقل لما سيجهّز في الذهن من أفكار تستعدّ لأن تقال. من الأسماء التي أطلقت على هذا الكلام الحادث في غياهب الذهن قبل النطق به اسم طريف لإخوان الصفاء إذ سموه «حروفا فكريّة»، هم ميّزوا بين ثلاثة ضروب من الحروف: الفكريّة (الذهنية و النفسية) واللفظية (المنطوقة) والخطيّة (المكتوبة). واعتبروا الحروف الأولى «صورة روحانيّة في أفكار النفوس مصوّرة فى جواهرها قبل إخراجها معانيها بالألفاظ».
ومن العبارات المعاصرة التي تطلق عن هذا الكلام النفسي عبارة التمثيل، ويعني نشاطا نفسيّا يبني افتراضيّا تجربة الإنسان مع الكون، وقد يدقق لفظ التمثيل فينسب إلى العرفان فيقال «تمثيل عرفاني» ويقصد به أهل الاختصاص، وصفا للأشكال التي تكون بها معارف البشر قد سُجّلت في البنى الذهنية» (دينيس وديبوا: التمثيل العرفاني، بعض النماذج الحديثة). فأنا حين أريد أن أقول شيئا وتجول في خاطري «حروف فكرية» وقبل أن يخرج كلام أكون قد تمثّله لا في شكل كلمات كما يمكن أن يدلّ عليه لفظ الحروف الفكريّة، بل في شكل صور ذهنيّة هي ضرب مختلف من الصّور. يعتقد عالم اللسانيات العرفاني رونالد لنغاكار أنّ من بين قدراتنا البشريّة أن نبني تجاربنا مع أكواننا أبنية مختلفة، ويسمّي هذه القدرة لا التمثّل بل التّصويريّة، وهذه قدرة عامّة يشترك فيها كلّ البشر، تساعدهم على بناء الأكوان الخارجية بناء يتناسب وطريقة إدراكهم له وطرق إدراك الكون الواحد مختلفة بلا شكّ.

كلام عنك بنيّ في الغياب لم تسعفه اللغة باسم هل هو مدح الغائب؟ وهل تطيب نفس الممدوح وفم المادح في الغياب. ترتاح النفوس المادحة أن تتحدث عمّن تحب في غيابه وتزداد راحتها إن هي وجدت أذنا تشاركها تلك النشوة.

كلنا يحبّ أولاده، ولكنّ حبّي أنا لولدي مختلف بالضرورة عن حبّ أمّه له ومختلف عن حبّ جاري أو أخي لولده، نحن لا نبني ذهنيّا – حين نريد أن نصف هذا الحبّ- بناء واحدا، بل نحن نبني أبنية مختلفة، ولذلك ننتج جملا مختلفة. قولي: (أنا أحبّك يا ولدي) يبدو لي قولا موحّدا يمكن أن يقوله أيّ أب، لذلك هي لا تقنعني فأقول: (أنا لا أحبك يا بنيّ بل أعشقك)، هذه طريقة في الاستدراك على المعنى المشترك، بمعنى آخر مشترك لكنّه يبني كون عشق البنوّة بطريقة متدرّجة.
الكلام الذي يبدأ في ذهني لا يبدأ كلاما؛ صحيح أنّه كلام في الغياب، لأنّه لم يتشكّل بعدُ، لكنّه لا يسمّى كلاما أو حروفا إلاّ باعتبار ما سيكون. أمّا ما يحدث فهو في هذا التصوّر أنظمة من التمثيل الخطاطي أو التجريدي. يقول علماء النفس العرفانيّون إنّه يُشفع بشيء من البحث لهذا الشكل الخطاطي الذي اسمه تمثّل عن لباس من العناصر اللغويّة الذهنية التي يسموّنها لمّات Lemmas.
إنّ الانتقال من التصوّر إلى اختيار الوحدات المعجميّة والنحويّة المناسبة ذهنا يكون بتنشيطها وبانتخابها، واللّمّات هي عبارة تطلق على المعنى والخصائص النحويّة المخزّنة في الذهن. فحتى يُنشّط مدخل واحد، على الذهن أن يراجع المداخل المرتبطة به واحدا واحدا ليختار الأنسب، وعلى خوارزمات استرجاع اللّمات أن تقود إلى اختيار واحد منها هو المقصود. وهذا يعني أنّ على أذهاننا أن تعالج 60 ألفا أو 70 ألفا من الكلمات المخزّنة وهي تختار. الكلام في الغياب يخزّن وينشّط وينتخب وينطق بشكل أسرع ممّا يتخيّل. حين أفكّر في العبارات التي عليّ أن أقولها لك يا بنيّ وحين تفكّر في العبارات التي ستقولها لي، نكون قد غرقنا في أذهاننا نبحث عن الوحدات المعجميّة نريد أن ننشطها لننطق بها، ولكنّها تكون قليلة إن تعلّق الأمر بما في وجدانك نحوي أو بما في وجداني نحوك.
هذا ضرب من الكلام في الغياب فقد أمارس ضربا منه آخر حين أتحدث عنك في غيابك. أنا لا أتحدث عنك إلاّ مع من يحبّك أو أتصوّر أنّه يحبّك، اطمئن بنيّ لم أتحدث عنك في غيابك بالاغتياب. الاغتياب حديث لا يمكن أن يكون بالمحاسن لأنّه حديث ممزوج بالخوف من المواجهة. صحيح أنني أخشى أن أواجهك بخطاب بت لا تحبّه في الحبّ الأبويّ، لكن لا يمكن أن يغتاب أب ولده. الاغتياب ضرب من الكلام في الغياب قد تولّده راحة وطمأنينة لا تشفي غليل من يغتاب، بل من يلذّ له سماع الاغتياب. أن تذمّ الغائب شيء وأن تكون وأنت تذمّه في حالة انتشاء شيء ثان؛ وأن تجد أذن مخاطبك في ذلك الذم ما تنتشي به وتسكر شيء ثالث. في الحديث عن الآخر في غيبته بالسوء راحة كبرى من نوع التلذّذ بأذيّة الآخرين ولولا هذه الراحة ما كان أن يوجد اغتياب.
كلام عنك بنيّ في الغياب لم تسعفه اللغة باسم هل هو مدح الغائب؟ وهل تطيب نفس الممدوح وفم المادح في الغياب. ترتاح النفوس المادحة أن تتحدث عمّن تحب في غيابه وتزداد راحتها إن هي وجدت أذنا تشاركها تلك النشوة. إنّها حالة ضدّ التلذّذ بأذية الآخرين: هي السعادة بقطف الثمار لمن لا يأكلها وبجمع الورد لمن لا يشمّه: سعادة من يشمّ بدل الغائب. أنا في كلام الغياب عنك أنا، وأنت أنت كبدي؛ وفي حديث الحضور قد لا أكون أنا، ولكن قدرك أن تكون أنت عينك: ولدي فلذة كبدي، كلام الغياب نفانا عن مواجهة من نَكره ثمّ نفانا عن مواجهة من نحبّ: لا تكن مثيلا لأبيك كن أنتَ لسانا طليقا بكل ما يريد أن يقوله الكلام وهو في الغياب.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية