القاهرة ـ «القدس العربي»: ركزت الصحف المصرية الصادرة أمس الأربعاء 2 أكتوبر/تشرين الأول على الاجتماعين اللذين عقدهما الرئيس عبد الفتاح السيسي، الأول ضم رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي والدكتور عمرو طلعت وزير الاتصالات، واللواء ياسر كمال أبو مندور مدير إدارة النظم والمعلومات في القوات المسلحة، لمناقشة خطط الانتقال للعاصمة الإدارية الجديدة. كما عقد اجتماعا آخر مع رئيس الوزراء، لمناقشة خطط القضاء على الاحتكار في الأسواق، وخفض الأسعار، وإعادة بطاقات التموين لمليون وثمانمئة ألف مواطن، كانت وزارة التموين قد سحبتها منهم، وأبقت على الخبز فقط، إلى حين إعادة دراسة موقفهم.
رئيس البرلمان: الحكومة تسير على قدم واحدة لأن المحليات غائبة رغم أنها بوتقة حل مشكلات المجتمع
وتوسعت الصحف في ما طالب به سفير مصر الدائم لدى الأمم المتحدة، أثناء مناقشة مجلس الأمن الأوضاع في سوريا، بمعاقبة كل الدول التي ساعدت الإرهابيين ونشر أسمائها. واهتمت الصحف بجلسات مجلس النواب، وما دار فيها وكذلك ذكريات انتصار الجيش المصري في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 التي تحل ذكراها يوم الأحد المقبل، وقصص المعارك وبطولات القوات.
كما لا تزال المقالات والتعليقات على المظاهرات، التي اندلعت يوم الجمعة الماضي والمظاهرات المضادة المؤيدة للنظام، تحتل المساحة الأكبر من الصحف، مع استمرار اشتداد مطالبة أنصار النظام ذاته بمنح حريات سياسية وإعلامية أوسع، واستعداد النظام للتجاوب معها. وإلى ما عندنا..
المظاهرات والإصلاح
ونبدأ مع الخبير الأمني ولواء الشرطة السابق الدكتور محسن الفحام، الذي طالب في جريدة «الدستور» باستراتيجية مضادة اقترح فيها التصدي لعدد من أحزاب المعارضة والسلفيين واتهمهم بالمشاركة في المظاهرات ومما قاله: «إعادة النظر في دراسة برامج الأحزاب التي تمارس عملها على الساحة السياسية في البلاد، بعدما تبين أن البعض منها يتبنى أفكارًا مناوئة لنظام الحكم، بل وداعية إلى الخروج في مظاهرات عدائية له، وهو ما شاهدناه مؤخرًا من حزب الدستور والكرامة والتحالف الشعبي الاشتراكي، وكذلك الأحزاب ذات المرجعية الدينية، التي تظهر ما لا تبطن، للوقوف على مشروعية توجهاتهما ومصداقية أهدافهما، ومن المفترض أن تقوم لجنة الأحزاب بهذا الدور في أسرع وقت وجميعنا يشهد بأن الأجهزة الأمنية تمكنت بأقل مجهود من إحباط أي محاولات للشغب أو التظاهر، وكان تعاملها مع الأفراد القائمين به في منتهى الرقي والشفافية، لقناعة تلك الأجهزة بأن هؤلاء الشباب تم التغرير بهم، وتغييب عقولهم تحت الشعارات والوعود البراقة التي يروجها المخادعون والخائنون من أعداء الوطن وعديمي الضمير وقد أحدث نجاح تلك الأجهزة ارتباكًا كبيرًا في حسابات الفضائيات المأجورة جعلتها في حالة تخبط وارتباك غير مسبوق، أفقدها مصداقيتها لدى المواطن البسيط».
قوة المجتمع
وفي «اليوم السابع» تفاءل أكرم القصاص وقال: «سياسيا وأمنيا فإن الاختبارات السياسية والاجتماعية تؤكد قوة المجتمع وحاجته لترجمة هذه القوة في صورة مشاركة سياسية وأهلية، تملأ فراغا، يسمح بتسرب الدعاوى الغامضة، فالسياسة للمجتمع ليست ترفا، لكنها ضرورة، خاصة أن الوقت أصبح مناسبا بعد استقرار المؤسسات، فضلا عما ترتبه المشاركة السياسية والأهلية من متابعة ورقابة على أعمال الحكومة والمحليات، اجتماعيا أعلنت الدولة أهمية السعي لتوفير العدالة، وهو ما أشار إليه الرئيس في معرض كلمته في مؤتمر الشباب الأخير، حيث أكد أن الشعب المصري هو العامل الحاسم في نجاح الإصلاح الاقتصادي، وتحمل نتائجه الصعبة، ويستحق أن يجني ثمار هذا النجاح والتحمل، تشريعيا جاءت تصريحات رئيس مجلس النواب الدكتور علي عبد العال عن أهمية أن تعمل الحكومة والمحافظون بشكل عاجل وألا يصدّروا المشكلات للرئيس، وأن البرلمان يقوم بدوره في مراقبة أعمال السلطة التنفيذية».
«هوجة» الطلبات
وإلى «الأهرام» وهاني عسل الذي قال في مقاله: «ما هي حكاية هوجة الطلبات والاشتراطات والاستشارات والعرائض، التي بدأت تنهمر منذ انتهاء جمعة 27 سبتمبر/أيلول على خير. ما هذا التهريج وما هذه الأنانية وما هذا الجشع والابتزاز، ومنذ متى كان لمصر أو للرئيس فواتير عن أح ؟ بعد جمعة المنصة قال لي أحدهم صراحة إن على الرئيس أن يتراجع عن الإصلاح الاقتصادي، وآخر قال بلهجة آمرة، إنه كفاية بقى، مدينة جديدة وبلاها عاصمة إدارية، وكفاية تطوير تعليم، وكأننا نتفاوض لتشطيب شقة. أما البعض الآخر فذهب إلى ما هو أخطر من ذلك فهذا يطالب بعلاوات وزيادات في الرواتب، مكافأة للشعب، وهذا ينشر تسريبات مزعومة عن خفض محتمل في أسعار الوقود، تقديرا لوقفة المصريين وكأنها نقطة في فرح العمدة».
تجار أوطان
وفي الرد على الحملات التي أثارها محمد علي وغيره وأدت إلى محاولة سد هذه الثغرة بالاستعانة ببعض من قام النظام باستبعادهم من حلفائه، الذين ناصروه ضد الإخوان في الثلاثين من يونيو/حزيران 2013 قال أحمد أيوب رئيس تحرير مجلة «المصور» عن وسائل مواجهة هذه الهجمة الإعلامية: «جزء من استعادة الإعلام الوطني تأثيره، هو نجاحه في استعادة المصداقية لدى الشارع المصري، وهذا يأتي من خلال أمرين، المعلومات الموثقة والحقائق، وفتح مساحات الحوار الوطني الجاد، وهذا ما تحقق له فعلا خلال الأيام الماضية، وكلما استمر هذا النهج ازدادت مساحات ثقة المصريين في إعلامهم، ونجح في سحبهم من مشاهدة القنوات المعادية أو التأثر بما يذاع على شاشاتها. ثم سياسة الفضح العلني للمتآمرين، فالأخلاق المصرية التي تلتزم بها مؤسسات الدولة، لا تصلح مع من يعادون الوطن، ويريدون كسر إرادته، ونشر الفتنة بين أهله لإحداث الفوضى، هؤلاء يستخدمون أقذر الأساليب، ولا يصلح معهم إلا الفضح الشعبي المتآمر لا بد من فضحه، والخائن لابد من تجريسه، حتى يعلم الشعب حقيقة من يخدعونهم تحت ستار الشرف، وهم في الحقيقة تجار أوطان».
في انتظار جودو
«هل تتذكرون حكاية الأم التي كان أبناؤها يتضورون جوعًا وهي لا تملك في بيتها أب شيء من ضرورات إعداد الطعام سوى القدر الذي ملأته بالماء ووضعته على النيران والكل ينتظر ما الذي ستضعه بعد غليان الماء؟ طارق الشناوي في «المصري اليوم» يقول: تابعت مثلكم أغلب كتابات الزملاء، وهي تؤكد أن الحالة الكارثية التي وصل إليها إعلامنا تنتظر تعيين وزير للإعلام ليضبط المنظومة، ويعيد للشاشة المصرية المهزومة رونقها وقوتها، بعد أن اكتشفوا أن الناس انصرفت تمامًا عنها، كانت هناك في الأيام الماضية محاولات سريعة للخروج من المأزق، إلا أنها لا تعبر عن تغيير حاسم، مجرد منشطات أو فيتامينات سريعة لا تعني أن الجسد بات سليما، عودة مذيع أو السماح لآخر بالدخول على الخط من قناة غير مصرية أو السماح بظهور ضيف كان مستبعدا، كلها تفاصيل دافعها الضرورة اللحظية، لا تعبر عن تغيير جذري، إلا أنها قد توحي ربما في جانب ما بالأمل. هل لدى الدولة اليقين بأن الترحيب بالرأي الآخر أهم سلاح لكي يعود للإعلام المصرى عافيته؟ كانت الفلسفة الحاكمة تقضي بأن الرسالة التي تضعها الدولة يجب أن تصل بلا شوشرة، وأي كلام آخر سيؤثر سلبا على نقائها، رغم أن الكلام الآخر هو بالضبط ما سيجعل عقول الناس تتقبلها، يرى الناس الرأي المعارض على الشاشة المصرية، وساعتها سيتوقف (الريموت) فقط أمام شاشات بلدي. انتظار (جودو) أو وزير الإعلام بالنسبة لي لا يعبر عن شيء محدد أبيض أو أسود، صواب أم خطأ، لا شيء قاطع، مادام غياب الوزير لم يكن هو المشكلة فإن حضوره لن يصبح الحل، وبالمناسبة الأسماء التي تم تداولها مؤخرا للمنصب، من الأساتذة والزملاء الأجلاء، وبعضهم أصدقائي، إلا أن الأمر يتجاوز قطعا (زيد أم عبيد). هل هناك توجه لتغيير المنظومة الإعلامية الحالية؟ تجدر الإشارة إلى أن ما يبدو الآن على السطح هادئًا لا يمكن أن تراهن مستقبلاً على هدوئه، وما نعده انتصارًا ليس بالضرورة يظل كذلك. إدراك الخيط الرفيع الذي يشير إلى أن الحرية ليست هي الوجه الآخر للفوضى هو بداية طريق التعافي. السماح بالرأي الآخر، وكما سبق أن قلت (لو لم نجده عليها لاخترعناه) سيخرجنا من النفق المظلم، من أهم مظاهر صحة المجتمعات تواجد الرأى الآخر، يتعدد (مانشيت) الجرائد، وتتعدد معالجات الشاشات التلفزيونية، وتسقط قوائم الممنوعين، فلا يجوز أن نبدأ صفحة بيضاء جديدة ونحن لا نزال نحتفظ بصفحة سوداء. يأتي وزير الإعلام أو لا يأتي، ليست قضيتي، أن تتغير الفلسفة التي تحكم المنظومة برمتها تلك هي (أُم المشاكل)».
كاريكاتير
وفي «المصري اليوم» أخبرنا الرسام عمرو سليم، أنه كان يسير في منطقة صحراوية فشاهد عجبا، التلفزيون المصري الممثل للقوة الناعمة في مصر، على شكل نعامة تدفن رأسها في الرمل وسخر بأن علق قائلا: خطأ مطبعي.
هيئة للإرشاد القومي
وإلى اقترح لافت قدمه الوفدي نبيل فودة مستشار رئيس الحزب للعلاقات العامة، وهو التشبه بما فعلته ثورة يوليو/تموز 1952 من إنشاء وزارة الإرشاد القومي قال عنها: «نحن الآن في أمس الحاجة إلى وزارة سيادية للإرشاد القومي أو هيئة للإرشاد القومي، تتبع رئيس الجمهورية وتباشر اختصاصها من خلال التنسيق والتعاون مع الأجهزة التي تشكل الرأي العام وتؤثر فيه، وعلى رأسها قنوات التلفزيون المختلفة، والإذاعة والهيئة العامة للاستعلامات ومراكز إنتاج الأفلام والمسرحيات والأغاني وإصدار المطبوعات من جرائد ومجلات وكتب، وكذلك إدارة المناهج والمقررات في وزارة التربية والتعليم، ومنابر الخطاب الديني التابعة للأزهر والأوقاف ودار الإفتاء، وبدون إغفال لدور الإعلام والتواصل الإلكتروني كالفيسبوك والواتس آب وخلافه، ويتم ذلك كله بدون مساس أو تعارض مع حرية الرأي والتعبير التي كفلهما الدستور، ورغم قناعتنا الكاملة أيضا بانقضاء عهد الإعلام الحكومي والموجه على مستوى دول العالم الحر كلها، وتظهر أهمية الإرشاد القومي في فترات التحول الكبرى في تاريخ الأمم، كما حدث عقب ثورة يوليو عند التحول إلى النظام الجمهوري، وإلى النظام الاشتراكي، وكان للإرشاد القومي الدور الرئيسي في إقناع الشعب وتقبله لتلك التحولات المصيرية. وتظهر ضرورة الإرشاد القومي الآن لإحاطة الجماهير بكم الإنجازات الهائل الذي تحقق، والذي يجري بناؤه على قدم وساق للحاق بركب الدول المتقدمة، فهناك طفرة ضخمة في جميع المجالات لتحقيق نهضة البلاد، ورخاء العباد، ولا بد للجماهير أن تعرف أن للحضارة والتقدم ثمنا لا بد من دفعه بالكد والعرق، ولا بد من تحمل الصعاب حتى ننعم بالرخاء والأمان بعد ذلك نحن وأبناؤنا».
جني الثمار
«العمل في صمت فضيلة كبيرة نحتاج إليها جميعا، فكما هي محمودة، وتزيد من معدلات الإنجاز وتقلل الهدر في الوقت، وترفع جودة ما نقدمه من أعمال، هي أيضا في رأي محمد أحمد طنطاوي في «اليوم السابع»، مدلول على قدرة وقوة وسعي نحو تحقيق الأهداف المخطط لها، بعيدا عن صخب الحاقدين، أو تشويش المحبطين، والفوضى التي يحاول خلقها الخونة والعملاء، الذين باعوا الوطن بأبخس الأثمان. هذه المقدمة البسيطة أحاول من خلالها تلخيص ما يقدمه مجلس الوزراء المصري، وفريق العمل فيه، تحت قيادة المهندس الذي يعمل في صمت الدكتور مصطفى مدبولي، فهذا الرجل لا تسمع منه أحاديث خارج النص أو السياق، ولا تعرف تصريحاته سوى العمل ورفع الكفاءة ومعدلات الإنجاز، والتحرك نحو الأفضل للمواطن، يعرف طريقه جيدا، ويعي حجم المسؤولية الكبيرة، التي على عاتقه، ويقدر الظروف التي تعيشها مصر، وكذلك كل من حوله، فقد غرس فيهم هذا الوعى السياسي، ونجح في أن يقودهم نحو العمل فقط، بدون التأثر بالتشويش أو محاولات الإحباط التي يصدرها البعض بين الحين والآخر. أتصور أن مصطفى مدبولب استفاد كثيرا من دراسة الهندسة، والعمل فيها لسنوات، فقد بات يطبق ما تعلم، ويقدم المعطيات والبراهين اللازمة قبل الدخول في أي عمل أو التحرك نحو أي جديد، وهذا بالطبع يقلل من معدلات الخطأ، ويدعم التحرك نحو المستقبل بقوة، وقد نجحت معه الحكومة في ملفات مهمة بشهادة دولية وإقليمية، أبرزها الصحة، والكهرباء، والإسكان وتطوير العشوائيات، فقد قطعت الدولة أشواطا طويلة في تطوير هذه القطاعات، بصورة لا يمكن لأحد أن ينكرها. مصر تحتاج في الوقت الراهن إلى كل من يعمل في صمت، حتى نستطيع أن نحقق التنمية والاستقرار الحقيقي لهذا البلد، الذي يجب أن نعلم جميعا أنه يمر بمرحلة في غاية الأهمية، وهي «جني الثمار» والتحول إلى التنمية الشاملة، بعد الإصلاحات المالية والاقتصادية، التي تم اتخاذها على مدار أربعة أعوام مضت، كان لها تأثير كبير على خفض معدلات التضخم، وتحسين أداء الجنيه المصري في وجه كل العملات الأجنبية، إلى جانب معدلات النمو التي ستنعكس قطعا على مناخ الاستثمار في الفترة المقبلة. وبفضل كل من يعملون في صمت بدأ المواطن المصري يشعر بصورة ملحوظة انخفاض أسعار السلع الأساسية، والمواد الغذائية، نتيجة لكثرة المعروض، وتراجع معدلات التضخم، وسوف تستمر معدلات خفض الأسعار في المعدلات التي تسير بها، خلال الأشهر القليلة المقبلة، سوف يبدأ المواطن في جني ما تحمله من أعباء، نتيجة القرارات الاقتصادية الحتمية التي كان لابد من اتخاذها في الفترة الماضية».
الاقتصاد غير الرسمي
سامح فوزي في «الشروق»: «يفرق الاقتصاديون بين الاقتصاد الرسمي، وغير الرسمي، أي الفرق بين الاقتصاد المسجل المعروف المقنن، الذي تسدد عنه ضرائب، ويتمتع العاملون فيه بتأمينات اجتماعية، وضمانات وظيفية، سواء في القطاعين العام والخاص، والاقتصاد غير المسجل، الذي لا تعرف هوية العاملين فيه، ولا يتمتعون بحقوق وواجبات، وليس لهم سجل ضريبي، ويقدر العاملون في الاقتصاد غير الرسمي بنحو ثمانية ملايين شخص، ويبلغ حجمه نحو 1.8 ترليون جنيه، أهم مجالات الاقتصاد غير الرسمي الأسواق العشوائية، مصانع بئر السلم، المقاهي، إلخ. بالطبع تحرص الدولة على دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي لعدة أسباب منها ضمان حقوق المواطنين العاملين فيه من ناحية، وتحصيل حقوق الدولة من ضرائب من ناحية أخرى، فضلا عن ضمان معايير الرقابة والجودة، إلخ، هذا كلام الاقتصاديين، وهو بالطبع صحيح ومقدر. ولكن المسألة لها أبعاد اجتماعية لا بد أن نضعها في الاعتبار، أن العاملين في الاقتصاد غير الرسمي هم نتاج طبيعي لعدة عوامل منها تردي مستوى التعليم الجامعي، ووفرة أعداد الخريجين الذين لا يجدون فرص عمل في تخصصاتهم، وتحول الريف إلى مجتمعات طاردة للفائض البشري من الشباب، الذي يأتي في معظمه إلى المدن بحثا عن فرص عمل، وانتشار الفقر، ما يدفع أفرادا من الأسرة إلى العمل بشكل غير منتظم في الاقتصاد غير الرسمي بوصفهم باعة، أو سائقي توك توك، أو عمالا، وغيرها. تعد الأوضاع الاجتماعية للناس إشكالية كبرى في الاقتصاد غير الرسمي، وإذا أردنا تجاوزها ينبغي تنظيم الأمور على نحو عقلاني، يحقق مصالح الملايين الذين يعملون فيه، ويرغبهم في الانخراط في الاقتصاد الرسمي، وتحمل تبعات العمل فيه. التعقيدات التي تظهر أحيانا في العمل البيروقراطي اليومي في مجالات عديدة هي سبب رئيسي في الاقتصاد غير الرسمي مثل التقديرات الجزافية للضرائب أو ترصد موظفي المحليات، فضلا عما يمكن تسميته بشبكات الفساد التي تجمع عناصر من الجهاز الإداري خاصة في الوحدات المحلية، مع الذين يعملون على نحو غير رسمي، بحيث تصبح السمة الأساسية للمجتمع هي «غياب الترخيص»، هناك مقاهٍ وعيادات وأكاديميات ومصانع بير سلم ومواقف سيارات وأسواق، وعمارات غير مرخصة، كيف حدث ذلك؟ أين مسؤولية الجهات الإدارية وبالأخص على المستوى المحلي؟ أليس هناك تواطؤ وفساد؟ من الذي يبلغ المقاهي والباعة المتجولين قبل الحملات التي تشنها الأحياء، أليسوا موظفين عاملين فيها؟ ذكرني ذلك برئيس حي قرر أن يشن حملات على المخالفين، بعد أن تولى عمله، أرسل موظفا التقط صورا للمقاهي المخالفة ليلا، وفي الصباح شن حملة مكبرة، لم يجد أثرا للمقاهي ولا للمخالفات، لأن أصحابها أغلقوا أبواب محلاتهم، فسأل المحيطين به فقالوا له لا توجد مخالفات. ما أريد قوله إن الاقتصاد غير الرسمي هو جزء من حالة عامة تحتاج إلى التعامل الجدي معها ليس فقط على الصعيد الاقتصادي، ولكن أيضا على مستوى الوضع الاجتماعي، وشبكات المصالح والفساد التي جعلت الاقتصاد غير الرسمي في هذا الثقل، وأحيانا التبجح على القانون ذاته مثل حالة المقاهي».
أين مفتشو التموين؟
مقال عباس الطرابيلي في «الوفد» كان عن قضية عدم الجدية في مواجهة ظاهرة الغلاء يقول: «في قضية عدم جدية دور الدولة في مواجهة الغلاء، والحجة هنا هي ـ كما يقال ـ الالتزام بمبادئ حرية التجارة، والتزامًا باتفاقيات الجات، وربما أيضًا تعليمات صندوق النقد الدولي، لماذا لا نسأل الدكتور كمال الجنزوري بكل خبراته وقدراته الاقتصادية وفهمه واستيعابه لقوانين التجارة وحريتها. وأيضًا بحكم خبرته الطويلة من أيام إن كان عميدًا لمعهد التخطيط القومي، ثم محافظًا فوزيرًا فرئيسًا للوزراء أكثر من مرة، لماذا لا نسأله: وقد سألته شخصيًا عدة مرات، آخرها في مكتبه المجاور لمعرض القاهرة في شارع صلاح سالم، وكان سؤالي واضحًا هو: هل منعتنا اتفاقيات الجات وحرية التجارة ـ من أن تتخذ الدولة ـ أي دولة ـ قرارًا بالتدخل لمقاومة الغلاء، حتى لو كان في ذلك تأجيل أو اتفاق لبند حرية التجارة، وما تقوله اتفاقية الجات، وأن ما أطلبه هو تفعيل أجهزة التفتيش الحكومي، على ما يباع وما يشترى للحد من جشع الجشعين. هنا قال لي الدكتور الجنزوري. نعم من حقنا ومن حق الحكومة التدخل، وتأجيل العمل ببعض هذه الاتفاقيات، إذا ما تعارضت مع مصالح الدولة، والشعب بمعنى أدق، ولما سألت: وهل من هذه أيضا تسعيرة المواد الغذائية، قال لي: نعم للحكومة هنا الحق ولو لفترة محدودة في فرض لا نقول قيودًا على التجارة، ولكن لمواجهة الغلاء، بالذات في أي فترة عصيبة تمر بها البلاد. هنا تسقط «حجة الحكومة المصرية» التي تعمل بها الآن، ولا تريد أن تفرض نظامًا للتسعيرة الجبرية وتحديد نسبة الربح التي يحصل عليها البائع. وهنا نتساءل: ماذا يفعل جهاز التفتيش التمويني، وكانت لهم سطوتهم التي ترهب أي جشع من أي تاجر، وهناك أيضًا عندنا جهاز اسمه «شرطة التموين» وتقوم بالتعاون مع مفتشي التموين بمراقبة أي نشاط تجاري، حتى لو اضطرت الدولة إلى وضع أكشاك لمفتشى التموين وبجوارها اكشاك لشرطة التموين لمراقبة حركة الأسواق. وأقول: الغلاء من أخطر ما يعيشه المصري الآن، بل من أهم أسباب الاحتقان الديني، يستغله أعداء الوطن وانتم تعلمون أن الأسعار ترتفع لعدة أسباب بعيدة عن أي منطق. وتحرك الدولة ليس فقط يردع الجشعين من التجار، ولا نقول كلهم، ولكن يريح الناس، ولو نفسيًا، للتخفيف من أي أسباب يستغلها أي عدو لنا. أليس ذلك هو حق المواطن، عند الدولة أم للدكتور علي مصيلحي وزير التموين رأي آخر؟»
اللحوم المستوردة
أما طارق يوسف فلا يخرج عن موضوع ارتفاع الأسعار ويقول في مقاله في «الوفد»: «على قدر سعادتي الاسبوع الماضي بانخفاض أسعار اللحوم الحية إلى ما يقرب من 40 جنيهاً للكيلو القائم في الأسواق، إلا أن سعادتي لم تدم كثيرا بعد أن أكد لي بعض المربين أنهم توقفوا عن التربية ولن يعودوا إليها في الوقت الحالي. وملخص الحوار الممزوج بالدموع أنهم تعرضوا لخسائر فادحة بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف واستيراد لحوم حية ومذبوحة من الخارج، وكان ردي على قصة الاستيراد أن الحكومة تلجأ إليه لإحداث توازن في الأسواق، والقضاء على جشع التجار وأصحاب محلات الجزارة، فصرخ أحدهم في وجهي قائلا: يا سيدي نحن من نخسر فقط، وأسعار اللحوم المذبوحة كما هي، ولم يتم خفض الأسعار، واللحوم التي تباع بأقل من مئة جنيه لحوم ليست جيدة، وأصحاب محلات الجزارة يشترون أراضينا، بعد أن تضاعفت خسائرنا على مدار عام كامل، كنا نأمل فيه أن تتوقف الحكومة عن الاستيراد وتتدخل لدعم الأعلاف والمربين، ولكنها لم تفعل وتركتنا فريسة بين أصحاب مصانع الأعلاف الذين يؤكدون لنا أن جميع خامات الأعلاف مستوردة من الخارج، والتجار وأصحاب محلات الجزارة يصطادون في الماء العكر، ومن مصلحتهم انخفاض الأسعار أكثر وأكثر لمضاعفة مكاسبهم. وهنا توقف الحوار وأيقنت أن ما يحدث هو عملية إغراق تعرضت لها دولة الأردن في الثمانينيات عندما كانت تنتج بيض المائدة، بأسعار تزيد عما تصدره إسرائيل لها، فقامت الاردن بالتوقف عن دعم صناعة بيض المائدة، وبالتالي توقف المربون عن تربية الدواجن وإنتاج بيض مائدة، ولما تأكدت إسرائيل أن الأردن يعتمد على إسرائيل اعتمادا كليا في استيراد بيض المائدة، ومن الصعب أن تعود المزارع للإنتاج داخل الأردن في وقت قريب، تمادت إسرائيل في رفع الأسعار بطريقة احتكارية، وهو ما فطنت إليه الدكتورة منى محرز نائبة وزير الزراعة، عندما اتخذت قرارا بوقف استيراد الدواجن من الخارج، بعد انخفاض أسعارها محليا إلى 17 جنيها للكيلو، وتعرض المربون لخسائر فادحة. والمطلوب من الحكومة رعاية المربين ودعمهم بكل الإمكانيات المادية والعينية، بدلا من دعم الفلاح الأجنبي، وقبل أن نجد ارتفاعات جنونية في أسعار اللحوم وانتشار البطالة بسبب التوقف عن الإنتاج، وهناك معوقات في مشروع البتلو يجب أن تنتبه إليه وزارة الزراعة، وهي أن المزارعين يلجأون لبيع العجول الرضيعة في الأسواق لعدم قدرتهم على الإنفاق عليها، وتوفير الأعلاف لها بعد أن ارتفعت أسعارها بطريقة جنونية، أضف إلى ذلك انخفاض الرقابة على أسواق اللحوم البتلو، التي يتم ذبحها على طريق مصر أسيوط في قرى البدرشين والعياط، بدون اعتبار للرقابة البيطرية أو التموينية أو حتى البيئية، وبالتالى ذبح جائر للثروة الحيوانية التي رصدت لها وزارة الزراعة وبنوك التنمية مئات الملايين بدون فائدة. وليست الفائدة في هذا الانخفاض المؤقت لأسعار اللحوم والمعروف أسبابه تباعا، ولكن الفائدة في استمرار التربية وتوفير وزراعة الذرة والصويا بمساحات كبيرة في مصر كما يحدث في الأرجنتين والبرازيل والسودان، وهي الدول التي تستورد منها اللحوم الحية والمذبوحة، دعم المزارع والمربي افضل مئة مرة من خفض الجمارك أو إلغائها أو تحمل الدولة لفروق الأسعار عن طريق الدعم المادي. للحوم والدواجن وكل ما نرجوه هو تعظيم دور مصر أمام العالم بأجمعه بإنتاجها وإغلاق الطريق على المتربصين بغذائها وأمنها ومياهها».
مجلس النواب
امتدت المعارك إلى مجلس النواب الذي قال فيه رئيسه الدكتور علي عبد العال نقلا عن ولاء نعمة الله ومحمد يوسف ومحمد طارق وحسام أبو غزالة في «الوطن»: «أكد عبدالعال أن المجلس ستكون له وقفة جادة مع الحكومة خلال دور الانعقاد الخامس قائلاً، «لن نترك هذا الشعب ومصالحه بعيداً عن القاعة، ولن نسمح للتنفيذيين بأن يصدروا المشاكل لرئيس الجمهورية، وعليهم أن يتحمّلوا المسؤولية ويحنوا على الشعب». وتابع: «على المجلس تفعيل أدواته البرلمانية، لأن التاريخ لن يرحمه إذا لم يفعل ذلك، وهذه الجلسة هدفها الدعوة إلى اللحمة الوطنية ودعم القيادة السياسية». وأضاف أن الرئيس عبدالفتاح السيسي واجه كثيراً من المشكلات وقدم الكثير من الحلول، آخرها التدخّل والمتابعة لحل مشاكل التموين، موضحاً أن دور الانعقاد قصير وسيكون عنوانه تحقيق مطالب المواطن. وكشف رئيس مجلس النواب أن هناك إصلاحات سياسية وحزبية وإعلامية ستشهدها مصر خلال الفترة المقبلة، مطالباً الشعب بالاصطفاف خلف قيادته لاستكمال مشواره في بناء الوطن. مشيراً إلى أن الأغلبية والمعارضة تقف خلف دولتها لاستكمال البناء. وواصل كلامه: «نحن مقبلون على مرحلة جني الثمار بعد فترة انتقالية استلزمت إجراءات قاسية، ولا نملك رفاهية الاختلاف، وبناء الأوطان في الفترات الانتقالية يستلزم إجراءات قاسية لبناء المؤسسات والبنية الأساسية، فالدول النامية تحتاج إلى إنشاء البنية الأساسية، لجذب الاستثمارات وإلى الطرق وتوفير الطاقة» .مشيراً إلى أن إجراءات الحماية الاجتماعية تم تنفيذها خلال الفترة الانتقالية، وحدث خلل في بطاقات التموين وتم تداركه من جانب رئيس الجمهورية. وأوضح أن الحكومة تسير على قدم واحدة لأن المحليات غائبة رغم أنها مصنع الديمقراطية وبوتقة حل مشكلات المجتمع.
فضيلة الاعتراف
ولم يكن عبد العال يدري أن محمد أمين في «المصري اليوم» كان له بالمرصاد وانتظر حتى انتهى من كلامه وقال عنه: «فاجأني الدكتور علي عبدالعال رئيس مجلس النواب حين حذّر الحكومة، وقال إن دور الانعقاد الخامس سيشهد وقفة جادة مع الحكومة وقال «لن نسمح للوزراء بأن يصدروا مشاكل الشعب للرئيس» وقال «لن نترك هذا الشعب ومصالحه بعيدا عن قاعة البرلمان»، هذا صلب عمل المجلس يا دكتور فلماذا الآن؟ ولماذا في دور الانعقاد الخامس فقط؟ وبالمناسبة فالمؤسسات صورة مصغرة من الدول وعلى مستوى كل مؤسسة هناك المسؤول، الذي يستشير رئيسه الأعلى في كل شيء ولا يتخذ القرار بنفسه أبداً، وعلى مستوى الدولة أيضاً هناك وزراء لا يتخذون القرار إطلاقاً لكنهم يصدرون كل شيء للرئيس، إما بحثاً عن براءة، أو اختياراً لطريق السلامة، ومنها أنه يتزلف حتى يقول له: «الله عليك يا فندم» الآن فقط انتبه رئيس البرلمان إلى أن المسؤولين التنفيذيين يصدّرون مشاكل الشعب للرئيس، والآن يقول «لن نترك هذا الشعب ومصالحه بعيداً عن قاعة البرلمان» أولاً: لم يمنعك أحد في جلسات الانعقاد السابقة على مدى أربع سنوات، ولو أن المجلس اتخذ قرارات وسمح للنواب باستخدام الأدوات لكانت الدنيا أفضل، وربما امتص البرلمان غضب الكثير من الشعب. ثانياً: أين طلبات الإحاطة والاستجوابات يا دكتور عبدالعال؟ هل هناك استجواب واحد على مدى أربع سنوات للحكومة؟ هل الاستجواب من عمل الشيطان؟ هل الأسئلة حرام؟ على فكرة هذا هو دور البرلمان الحقيقي، ولو شعر النواب بجدوى البرلمان لكان النواب قد تسابقوا على الحضور، وأنت الذي أجلت الجلسة العامة نصف ساعة حتى يكتمل النصاب. ومرة أخرى نسمع كلمة أن «الشعب لم يجد من يحنو عليه» وعلى الحكومة أن تحنو على هذا الشعب، أحيى فيك شجاعتك يا دكتور عبدالعال حين تقول: «الشعب المصري قدم الكثير وينتظر الكثير من البرلمان والحكومة، وعلى البرلمان أن يبادر بكل أدواته الرقابية لأن التاريخ لن يرحم هذا المجلس إذا ترك الحكومة بهذه الصورة»، وهذا «اعتراف» يستحق التحية، إنها شجاعة يا سيدي أن تعترف أن البرلمان لم «يستخدم» كل أدواته الرقابية وعليه أن يبادر باستخدامها، وأن التاريخ لن يرحم المجلس لأنه ترك الحكومة بلا حساب ولا عقاب ولا رقابة، وقد أحس الناس بكل هذا، وأداروا ظهورهم للحكومة والبرلمان والدنيا كلها هذه كانت نتيجة صمت البرلمان غابت السياسة وغاب الحوار وتراخى النواب للأسف. وأخيراً دعني أسألك يا سيدى مستغلاً «حالة المكاشفة» ألستم من يوافق على الحكومة طبقاً للدستور؟ ألستم من يمرر الوزراء بدون اعتراض؟ ألستم من تشاركون في خلو الساحة من السياسة ومن الأحزاب؟ ألستم من تركتم الرئيس «وحده في الميدان» بدون حكومة أو برلمان؟».