تنافس ستّة وعشرون تونسيّا (منهم سيّدتان) على رئاسة الجمهوريّة، وكانت لهم على تفاوت حضورهم في وسائل الإعلام، مداخلات ومناظرات متنوّعة. وقد استخدم جلّهم اللهجة المحكيّة التونسيّة، وبعضهم – ربّما اثنان أو ثلاثة – العربيّة الفصحى، بل المعربة وإن بدرجات؛ وهم يتخيّرون منها مسردا بألفاظ مخصوصة تناسب رغباتهم، وسعيهم إلى السيطرة على الناخبين، والظهور على الخصم أو المنافس. على أنّي لا أعنى في هذا المقال بمحتوى هذه المداخلات، وإنّما بالخطاب وخاصّة الفصيح منه الذي لم يعتده التونسيّون منذ الجمهوريّة الأولى مع بورقيبة، ثمّ مع بن علي؛ إلاّ في المناسبات الوطنيّة والدينيّة؛ وهو خطاب مكتوب لا ملفوظ، وقلّما اعتادوه ملفوظا أو شفويّا إلاّ في المسلسلات التاريخيّة؛ أو تلك التي تجري دبلجتها إلى العربيّة الفصحى. وشتّان بين لغة تخاطب العين ولغة تخاطب الأذن.
إذن أصرف النظر عن المتنافسين الذين اتّخذوا لأنفسهم لغة وسطا بين العربيّة الفصيحة أو الفصحى والمحكيّة التونسيّة، وهي التي كان بورقيبة يُلزمها الوزراءَ وسائر مسؤولي الدولة؛ وهو الذي كان يرفض الرطانة اللغويّة واللهجات المحلّيّة الخالصة. كما أصرف النظر عن الذين خاطبوا التونسيّين بلهجتهم المحليّة، ولا مسوّغ لذلك سوى أنّنا لا نملك صورة وافية واضحة الوضوح كلّه، لنموّ هذه وتطّورها، واختلافها محلّيّا من جهة إلى أخرى. ولسنا من أهل الاختصاص حتى نسلك بها إلى لباب “العربيّة المولّدة” التي بدأ التطّور إليها حينما انتقلت الفصحى، عن طريق الغزوات الكبرى إلى خارج حدودها القديمة، في مواطن لغويّة أجنبيّة. وكان من نتائج هذه الهجرة اللغوية ومن اختلاط العرب بغيرهم من الأقوام والأجناس أن نشأت إلى جانب الفصحى لغة/ لغات دارجة هي لغة التّعبير اليوميّ واللسان المتداول في أوساط الطبقات الوسطى والدنيا والأثرياء من سكّان القرى والمدن والأرياف. بيد أنّنا نكاد لا نعرف شيئا عن هذه “العربيّة المولّدة”. وقد لا نستثني سوى الجاحظ وهو الذي لفت الانتباه إلى هذه الظواهر اللغويّة؛ فقد عني باللهجات واللغات الخاصّة وألسنة الحرف والمهن، ولم يغفل عيوب اللسان مثل اللثغة واللكنة والحبسة. بل تنبّه إلى بعض مظاهر العجز والعيّ عن البيان مثل النّحنحة والسّعلة والحكلة؛ وقد رأينا من المترشّحين عندنا من كان يعاني من هذه الحالات لأسباب قد تكون نفسيّة، أو لأنّه كان يواجه الناس سياسيّا وإعلاميّا أوّل مرّة.
غير أنّه في ماعدا ظاهرة اللحن اللغويّ، نكاد لا نعثر في الخطاب السياسي الذي نحن به، على الفرق الخاصّ الذي ميّز العربيّة التونسيّة المولّدة من الفصحى، وهو ترك التصرّف الإعرابيّ أو مخالفة الإعراب أو ما يسمّيه هادي العلوي “النحو الساكن”. وربّما استوقفتنا فيه سمات ترجع إلى المادّة الصوتيّة وتركيب الجمل وطرائق التعبير، مثل حذف الهمز أو استبدال الضّاد بالظاء أو السّين بالصّاد أو العكس أو الخروج على ترتيب الجملة. وهي من السمات التي يمكن أن تعزى إلى تأثير اللهجة أو اللغة الأجنبيّة. وقد لاحظتها شخصيّا في أكثر من مترشّح، وخاصّة في الذين انعطفوا على تعلّم العربيّة بعد الثورة مثل سعيد العايدي.
أمّا الفصحى فكان لها شأن بل أثر في هذه الانتخابات فاجأ أكثرنا. وربّما استغرب إخواننا في شرق البلاد العربيّة ذلك، لاعتقادهم أنّ تأثير الفرنسيّة في تونس شأنه شأن الجزائر أقوى بكثير. والحقّ أنّ هذا انطباع خادع، لأسباب يطول شرحها. من ذلك أنّ بلدان المغرب العربي تنصّ دساتيرها على أنّ العربيّة لغتها الرسميّة. وهذه البلاد عرفت تاريخيّا عمليّة تعريب بطيئة؛ والأقرب إلى الحقّ أنّها تمّت أو استكملت مع الغزو الهلالي في القرن الخامس للهجرة (11م). إذن يحسن بنا أن نأخذ هذا السياق بالحسبان، حتى لا يذهبنّ في الظنّ أنّنا إزاء وحدة لغويّة متجانسة، أو نجعل الجغرافيا تحجب عن التاريخ؛ ولكلّ من بلدان المغرب، على وشائج الرحم والقربى التي تجمع بعضها ببعض؛ أو “الجوار الروحي” كما نحبّ أن نسمّيه؛ شخصيّتها الثقافيّة، وتاريخها الخاصّ. فالجزائر اعتبرتها فرنسا “فرنسيّة” من عام 1830 إلى 3 تموز (يوليو) 1962، وسعت إلى “فرنستها” والاستحواذ على روح شعبها، ومحاصرة العربيّة بل حظرها، بكلّ الطرق والوسائل. وأمّا المغرب فكان “محميّة” من عام 1912 إلى 2 آذار (مارس) 1956 شأنه شأن تونس من 1881 إلى 20 آذار 1956؛ وفيهما احتفظت العربيّة بمكانتها، بل بكثير من ألقها. على أنّ البلدان الثلاثة وجدت في الفرنسيّة ما يغني ثقافتها العربيّة، فهي “نافذة مشرعة على عالم المنطق والعقل والقياس” بتعبير الملك الحسن الثاني، و”المكسب الإيجابي الوحيد من الاستعمار” و”غنيمة حرب” كما قال كاتب ياسين. وفي تونس أنشأ الوزير الأكبر خير الدين مدرسة الصادقيّة عام 1875 وأدرج الفرنسيّة في برامجها؛ فكانت منارة تجاذب جامع الزيتونة مكانته، ومثلما تخرّج في الزيتونة أبو القاسم الشابي الذي كان “يحلّق بجناح واحد [العربيّة]” بعبارته؛ تخرّج في الصادقيّة محمود المسعدي ذو اللسانين العربي والفرنسي، وبهما كتب بالقوّة نفسها.
ولا يزال كثير من التونسيّين وخاصّة التونسيّات من ربّات المنزل وغيرهنّ ينظرون إلى العربيّة على أنّها نموذج الفصاحة والبلاغة بل التديّن، بل يضفون عليها قداسة عجيبة. فلم يكن بالمستغرب أن يحتذيها عبد الفتّاح مورو مرشّح النهضة، وقيس سعيّد الذي حصل على المرتبة الأولى في الدور الأوّل (حوالي 20في المئة) من الأصوات؛ حتى في رواسمها أو كليشيهاتها، وغيرهما مثل الصافي سعيد الذي ينطقها بلكنة شرقيّة. لكنّ الذي لفت الانتباه بعربيّته هو قيس سعيّد، بالرغم من أنّه لا يتقنها كما يتقنها منافسه مورو نطقا وكتابة.
وسعيّد مساعد بالتعليم العالي في مادّة القانون الدستوري، وليس أستاذا كما يقدّم نفسه أو يقدّمه أنصاره؛ ولم ينجز حتى تقاعده رسالة دكتوراه وليست له بحوث تذكر. وكانت لغته إجمالا “ثابتة” تكاد لا تتغيّر معالمها وأبنيتها؛ حتى وهو يحاول أن ينزل بها إلى مستوى تفكير التونسي العادي. وقد تهيّأ لنا أنّه إذ يتكلّم بـ”الفصحى” كمن يترجم عن العاميّة. وهو من هذه الناحية يشبه الطبيب عبد الكريم الزبيدي وزير الدفاع الذي يتقن الفرنسيّة، وكان في بداية تدخّلاته خلال الحملة الانتخابيّة عييّا بالعربيّة؛ يتلعثم أو يتأنّى في البحث عن العبارة المناسبة، حتى ذهب في الظنّ أنّه كان يفكّر بالفرنسيّة؛ ثمّ يتكلّم بالعربيّة أو بلهجة هي أقرب ما تكون إلى بيئته التي نشأ بها ودرج.
وظّف سعيّد، وهو مفاجأة هذه الانتخابات، “الفصحى” لإدراكه على ما يبدو، أنّ كثيرا من التونسيّين من جيل الشباب، ينقصهم التمكّن اللغويّ العربي الفصيح، ويكاد أكثرهم يجهل الفرنسيّة. فلا عجب أن يجد سعيّد ضالّته عند هؤلاء؛ وليس عند “الذين ترضى عربيّتهم” بعبارة سيبويه. وخطاب سعيّد يؤكّد في تقديري هذا الاختلاف الذي كان يضيق أو يتّسع بين الفصحى ولغة التخاطب. فإذا كانت الأولى معربة تكتسب بالدربة، فإنّ الثانية متحرّرة من علامات الإعراب وتصاريف القواعد جريا على السليقة كما قد يقع في ظنّ مستمعيه العاديّين. من البدهيّ إذن أن نقف في هذا الخطاب السياسي “الفصيح” على مشادّة بين أداء شفهيّ وآخر كتابي. على أنّ هذا الخطاب يظلّ كلّما تعلّق الأمر عند سعيّد بالناحية النظريّة في تدخّلاته، قرين لغة مكتوبة تتميّز عن اللغة المنطوقة بعدد من الخصائص مثل استخدام قواعد النّحو ومفردات اللغة استخداما “محكما”. وأقتصر هاهنا على مثال واحد، فقد ظلّ يصرّ بعربيّته، كلّما سئل عن موقفه من إعادة العلاقات الدبلوماسيّة مع سوريا، على أنّ هناك “فرقا بين إسقاط النظام السوري، وإسقاط الدولة السوريّة”. وكان واضحا إلى حدّ ما في هذا التمييز إذ لم ينتصر للنظام كما هو حال طوائف القوميّين واليساريّين الذين لم يستوعبوا بعد التغيّرات الحاصلة في العالم العربي منذ 2010/2011، وإنّما شدّد على ضرورة المحافظة على مقوّمات الدولة، وأمّا إسقاط النظام فشأن الشعب السوري. وأقدّر أنّه متأثّر في هذه الإشارة، وإن كانت تحتاج إلى تفصيل منه؛ بالثورة التونسيّة التي أسقطت نظام بن علي، من دون أن تسقِط الدولة.
فلا غرابة أن كانت المحافظة على الاستعمالات اللغويّة “الدقيقة” وتحاشي مجاراة اللغة المنطوقة من أظهر خصائص خطاب قيس سعيّد “الفصيح”. وهو يهمل عن قصد على ما أرجّح، إلاّ في ما ندر، الخصائص اللغويّة المحليّة؛ إمّا لعدم دقّتها أو قصدا للغموض. وربّما كان هدفه من ذلك، أن يمنح خطابه قوّة، لا بمحتواه وإنّما بسياقه اللفظي؛ حتى يكون له وقع وصدى في الوجدان لا في العقل. ولعلّ في هذا ما يفسّر استجابة طوائف من الشباب له. وهذه ناحية تستحقّ أن تكون موضع تحليل ممتع، فقد تكون الفصحى غنيمة هذه الانتخابات، وقد تكون جسرا إلى قرطاج.
*كاتب تونسي