ثلاثة عيوب كبرى في الديمقراطية الأمريكية تعمل لصالح ترامب

عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

نيويورك-“القدس العربي”:  منذ أن انتخب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، والجهود لم تتوقف لإثبات عدم جدارته، أو انتهاكه للدستور، أو محاولاته للاستقواء بالخارج ضد معارضيه أو الكذب أو استغلال المنصب لمصالحه الشخصية. كل تلك المحاولات لم تؤد إلى نتيجة خاصة بعد تقرير موللر الذي عول عليه الحزب الديمقراطي بأنه سيحسم أمر التعاون مع مسؤولين روس لمساعدته في الانتخابات إلا أن التقرير لم يحسم الأمر بوضوح. حتى شهادة محاميه الخاص، مايكل كوهين، أمام الكونغرس تحت القسم، والتي قدم فيها العديد من الأدلة وصور الشيكات واستخدام ماله الخاص لشراء الذمم وطلب أحد مساعدي ترامب منه أن يكذب أمام الكونغرس، كل تلك المحاولات لم تجد نفعا. الآن هناك محاولة أخرى وخطيرة إذا ثبت أن ترامب طلب من رئيس دولة أجنبية هي أوكرانيا أن يساعده في فضح إبن منافسه الرئيسي من الحزب الديمقراطي، جو بايدن، ضد أحد أبناء بلده فذلك انتهاك للدستور حيث يستقوي بالأجنبي، وهذه جريمة واضحة المعالم إذا ثبتت. إنها الديمقراطية الأمريكية التي تعطي قوة غير عادية للرئيس وحصانة ضد أي انتهاك إلا إذا كان انتهاكا صارخا للدستور.

تطور الديمقراطية الأمريكية

كانت الانتخابات الأمريكية مقصورة على الرجل الأبيض من دون النساء وملاك الأراضي حتى يحرم السود الذين كانوا يصنفون عبيدا لدى السيد الأبيض، وكذلك السكان الأصليون. واستمرت عملية التصحيح والتطوير للديمقراطية الأمريكية أكثر من قرنين من الزمان. فقد منحت المرأة حق التصويت فقط عام 1921 بعد موجة احتجاجات عارمة قادتها النساء. أما الأقلية السوداء من ذوي الأصول الافريقية فلم تشارك بشكل شامل في الانتخابات إلا بعد أن أن وقع الرئيس لندون جونسون في 6 اب/أغسطس عام 1965 “قانون الحق في الانتخابات” في خضم الاحتجاجات في ما سمي “حركة الحقوق المدنية” التي أطلقها قادة السود في البلاد من أمثال مارتن لوثر كنغ ومالكوم أكس، لتكون انتخابات عام 1968 الأولى الشاملة لا يستثنى منها أحد بناء على لون أو دين أو جنس أو عقيدة أو أصول أو وضع اجتماعي.

 من حسنات الديمقراطية الأمريكية أنها قدمت سابقة للعالم لم تكن موجودة حتى في بريطانيا، وهي تحديد دورات الرئيس بدورتين. ومن مزاياها كذلك أنها فتحت المجال لشخص أسود متحدر من أصول افريقية مثل أوباما وممثل فاشل مثل ريغان وصاحب مزارع الفستق مثل كارتر أن يصلوا إلى البيت الأبيض.  فالضوابط والإضافات والتعديلات الدستورية المتلاحقة ما فتئت تحسن النظام الديمقراطي في أمريكا لأكثر من 240 سنة.  ومع أن الديمقراطية الأمريكية تطورت وتحسنت كثيرا لتصبح شاملة لكل فئات الشعب، إلا أنها ليست خالية من العيوب والمثالب.  وعلى رأس هذه المثالب ثلاثة: الصلاحيات الواسعة للرئيس، وإلغاء الحد الأقصى للتبرعات بحيث أصبحت مفتوحة بلا حدود، والمجمعات الانتخابية. وكل هذه المثالب لعبت وما زالت لصالح ترامب. وسألقي الضوء على هذه الثغرات الثلاث.

أولا-الصلاحيات الواسعة للرئيس الأمريكي

ينص الدستور الأمريكي في بنده الثاني على أن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وهذا يعني نشر القوات والقيام بعمليات مسلحة خارج البلاد ما عدا إعلان الحرب فهو من صلاحيات الكونغرس. الرئيس من يوقع على التشريعات لتصبح قانونا ويستطيع أن يستخدم حق الفيتو إذا لم يوافق على التشريع. وكي يلغي الكونغرس قرار الرئيس أو فيتو الرئيس يحتاج إلى ثلثي الأصوات. كما أن قوة الكونغرس الحقيقية والمعنوية تصب لصالح الرئيس وقوة الدولة الخشنة والناعمة تعود له كذلك. وحده الرئيس من يعين الوزراء ويستطيع طردهم متى شاء ويملك صلاحيات عقد الكونغرس ورفع جلساته ويستطيع أن يمنح الحصانة والحماية. ومن حقه توقيع المعاهدات الدولية ومن ثم عرضها على الكونغرس بمجلسيه لاعتمادها بأغلبية الثلثين. وله الحق في رسم السياسة الخارجية وتعيين قضاة المحكمة العليا وهذا أمر خطير، إذ إن الرئيس المحافظ عادة يختار قضاة محافظين والرئيس الليبرالي يختار قضاة أكثر مرونة وانفتاحا. كما يحق له تعيين السفراء والوزراء والقناصل العامين وجميع قادة الجيوش والأجهزة الأمنية والاستخبارات. وأثناء عطلة الكونغرس يجوز له تعيين مناصب رفيعة بأمر تنفيذي لمدة سنة قبل أن يتم استجواب المرشح للمنصب أمام الكونغرس. ومن مسؤولياته أن يقدم للكونغرس سنويا أو كلما دعت الحاجة تقريرا عن حالة الاتحاد.

ثانيا-إلغاء سقف التبرعات للمرشحين

 

أقرت المحكمة العليا عام 1909 وضع حد أقصى للتبرعات المسموح بها للمرشحين من الأفراد بقيمة 2600 و5000 دولار من الشركات على أن يكون المتبرع من ولاية أو منطقة المرشح نفسها وأن تكون التبرعات علنية ومصرح بها. هذا القانون ساهم في جعل الانتخابات أكثر التصاقا بالناس وتعبيرا عن رغباتهم فهم أدرى بالمرشح الذي يمثلهم. والحقيقة أن نجاح أوباما في انتخابات 2008 جاء بفضل ملايين المتبرعين على الإنترنت بأقل من 50 دولارا.

لكن المحكمة العليا أقرت قانونا جديدا في كانون الثاني/يناير من عام 2010 أثناء رئاسة أوباما. فقد اعتمدت المحكمة العليا والمكونة من تسعة قضاة خمسة من المحافظين وأربعة من الليبراليين، قانونا يرفع الحظر على كمية التبرعات التي تقدمها الشركات للمرشحين في الانتخابات العامة. ولا نشك في أن تمويل حملة أوباما الشعبية كانت في ذهن قضاة المحكمة العليا عندما أقروا القانون الجديد. اعتبرت المحكمة أن الشركات تعامل معاملة الأفراد لأنها مكونة من أفراد ينطبق عليهم “التعديل الأول” للدستور والمتعلق بحرية التعبير (اعتمد في 15 كانون الأول/ديسمبر 1791). هذا القانون الجديد ألغى ممارسة كانت سائدة في الانتخابات الأمريكية، فحسب القانون الجديد يجوز للأفراد والشركات أن يقدموا من الأموال المعفاة من الضرائب أي مبلغ دون حد أقصى كما يمكن للتبرع لأي مرشح في أي ولاية من الولايات الخمسين وبدون الإعلان عن كمية التبرعات أو لمن قدمت التبرعات. إن هذا القانون ببساطة فتح المجال أمام كبار الأثرياء لشراء الانتخابات من خلال تمويل حملات المرشحين بكاملها.

لقد كان المال وما زال يلعب دورا أساسيا في الترشح للمناصب وفي فوز المرشحين بمقدار ما يصرفون على حملاتهم الانتخابية. وبالكاد تجد مرشحا للمجلسين أو الرئاسة أو حكام الولايات من فقراء الطبقة الوسطى. وأكبر مثال هو وصول ترامب إلى البيت الأبيض وهو رجل أعمال خارج الإطار الحزبي ومن خارج المؤسسة السياسية وكل ما يظهر في سيرته الذاتية أنه ملياردير يتقن الصفقات التجارية. لكن للعلم فقد صرفت هيلاري كلينتون ثلاثة أضعاف ما صرفه ترامب. فقد صرف ترامب على حملته الانتخابية 239 مليون دولار لغاية نهاية تشرين الأول/أكتوبر 2016 بينما صرفت هيلاري 451 مليونا.  وإذا جمعنا كافة تكاليف الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية عام 2016 فستصل إلى 2.9 مليار دولا وهو ما يعادل ميزانيات العديد من الدول. وكما يقال هنا “هذا لا يحدث إلا في أمريكا”.

فالديمقراطية الشعبية انتهت بانتخاب ترامب والجماهير البسيطة لم تعد دولاراتها الخمسون هي التي تحسم كما كان الأمر. أصبح لوردات المال يشترون الانتخابات مثل شيلدون أديلسون، الملياردير صاحب كازينوهات القمار، الذي تبرع لحملة ترامب بـ 63 مليون دولار للحزب الجمهوري منها 25 مليونا لتغطية تكاليف حملة ترامب، مقابل اعترافه بالقدس عاصمة لإسرائيل مثلا.

ثالثا-المجمعات الانتخابية

الحقيقة أن هيلاري كلينتون حصدت أصواتا أكثر من ترامب في انتخابات 2016 تزيد عن مليوني صوت من مجموع أصوات الناخبين إلا أنها خسرت الانتخابات. وقد حدث الشي نفسه عام 2000 عندما ربح آل غور عدد الأصوات الشعبية وخسر الانتخابات وفاز جورج بوش.

كل هذا بسبب النظام الانتخابي الذي يطلق عليه “المجمع الانتخابي” وهو نظام أقره المؤتمر الدستوري للولايات الثلاث عشرة عام 1787 التي أسست الاتحاد. الذي أعطى كل ولاية عددا من الأصوات حسب الحجم السكاني يساوي عدد أعضاء ممثلي الولاية في الكونغرس. وهؤلاء ينتظرون نتائج التصويت داخل الولاية فمن يفوز بها ولو بصوت واحد يعطي المجمع الانتخابي الفائز كافة الأصوات. وقد أقر هذا النظام لسببين أولا لأن الولايات الصغيرة كانت تخشى من ضياع أصواتها وعدم تأثيرها على مجمل العملية الانتخابية. وثانيا كان المجتمع الأمريكي آنذاك بغالبيته من المزارعين الذين لا يعرفون كثيرا خارج حدود مناطقهم ومعظمهم من الأميين. فكانت فكرة وجود مجمع انتخابي من قادة الولاية ومفكريها وكتابها والذين خدموا في سلك الدولة ومعارفهم واسعة لا بد أن تكون قراراتهم أقرب إلى الصواب. إنهم أقرب إلى المفهوم الإسلامي “أصحاب الحل والعقد” لكنهم في النهاية محكومون بنتائج انتخابات ولاياتهم فلا يتصرفون على عاتقهم.

والنتيجة أن الشعب الأمريكي ينتخب الرئيس بشكل غير مباشر. إذ إن كل ولاية تنتخب الرئيس ونائبه على حدة ثم تقدم النتائج النهائية للمجمع الانتخابي الذي يقرر أن يمنح أصواته بالإجماع للثنائي الفائز بغض النظر عن النسب ما عدا ولايتين رفضتا هذا النظام وأصرتا على التوزيع النسبي للأصوات وهما مين ونبراسكا. وعندما يحصل المرشح الرئاسي على 270 صوتا من مجموع 538 يفوز بالرئاسة. وإن حصل وتعادل الإثنان عند عدد 268 لكل منهما يقوم مجلس النواب بانتخاب الرئيس ومجلس الشيوخ بانتخاب نائب الرئيس.

النتيجة أن ترامب ليس محظوظا فقط في عالم التجارة بل وفي عالم السياسة. فالدستور منحه سلطات واسعة يستخدمها الآن وبطريقة غير معهودة خاصة في طرد كل من يختلف معه، أو بالانسحاب من المعاهدات أو اتخاذ قرارات ترضي اللوبيات التي دعمته وخاصة أنصار إسرائيل والرابطة الوطنية للبندقة (أو حق حمل السلاح الفردي). كما أن المال استخدم إلى أقصى حد لصالحه وفي الوقت نفسه ربح الانتخابات بسبب المجمعات الانتخابية وليس بعدد الأصوات. فإذا فشلت كل الجهود للإطاحة به قبل نهاية دورته الحالية، فقد يعاد انتخابه مرة أخرى وسنرى منه حينئذ العجب العجاب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية