لم يكن عنوان الفيلم اللبناني «شهيد» الذي عُرض في القاهرة مؤخراً ضمن برنامج سينما البحر المتوسط، سوى مراوغة ذكية من جانب الكاتب والمخرج مازن خالد، لوضع قضية الاستشهاد موضع التساؤل والتدقيق، لاستبيان الفروق الجوهرية بين الحالات المختلفة كشهيد الدم أو شهيد الغربة أو شهيد الغرق، كما هو في الحالة التراجيدية المحضة التي بُنيت عليها الأحداث وبدأت خيوطها الدرامية من نقطة فاصلة، بطرح سؤال كوني مهم حول الجدوى من الحياة، في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية جد صعبة، بل ربما تكون غير محتملة.
وهنا يذهب المخرج إلى ما هو أبعد من المعنى الدنيوي، ليربط بين فكرته السينمائية والفكرة العامة لمفهوم الوجود والعدم، مستخدماً في هذا الإطار الجسد الإنساني كدلالة قوية على التحول والانتقال من قمة الحيوية والقوة إلى الفناء، فبطل الفيلم حسان شاب لبناني يمر بأطوار نفسية خاصة، نتيجة البطالة فيندفع إلى الهروب بقوة الحالة الاكتئابية إلى البحر كملاذ يفرغ فيه طاقته المُعطلة عن طريق ممارسة السباحة، التي يُفعّل من خلالها قوته البدنية، ويشعر حيالها بالوجود، فيتربص به الموت ويلقى حتفه في واحدة من مغامراته غير المحسوبة باتجاه الخطر.
وأثر الوفاة المفاجئة تكون الصدمة للأصدقاء الذين خاضوا معه غمار التجربة للأسباب الجوهرية والعرضية ذاتها، هرباً من كابوس البطالة أو تجاوباً مع عبثية الحياة وفوضويتها، ومن ثم تنقلنا الأحداث في ضوء المتغير الجديد البائس إلى مستوى آخر من الوعي الدرامي بالقضية الأساسية، فتتراجع أزمة البطالة كمُعطى من معطيات التكوين البنائي للفيلم، ونصبح بصدد المعالجة الأكثر نضجاً والأقرب إلى القراءة الموضوعية في سياقها الفلسفي الخارج عن المساحة الواقعية. ونجد بحسب تطور الأحداث وتفعيل الموت كعنصر رئيسي في التركيبة الفنية مراحل الغُسل والتكفين، وهي التي استغرق المخرج طويلاً في تصويرها، لنقرأ ما وراء الصورة ونستغرق بدورنا أيضاً في معايشة أجواء الحزن والفقد، ونستطلع ما أصبح علية الفتى اليافع الذي صار مجرد جسد تقلبه يد المُغسل يميناً ويساراً، وهو الذي كان قبل ساعات قواماً منتصباً لا يباريه أحد في القوة والفتوة والجسارة، إنه منطق التحول الذي تُرفع عنه الأقلام وتجف الصحف، حيث لا تفسير له غير التسليم بالقوة الإلهية الخارقة.
كان للموسيقى التصويرية وظيفتها في تحديد المشاعر المستهدفة وتعميقها، لإضفاء إحساس خاص بجلال الموت وهيبته، حتى أنه في المشاهد الصامتة كان للسكون المُطبق معناه التراجيدي البليغ
وللتأكيد على الحالة والمعنى يعود المخرج مازن خالد ليذكرنا مجدداً بتفاصيل الجسد المُسجى، وما كان عليه وأصبح فيه، عبر لغة مسرحية تجريبية في فاصل استعراضي موح للبطل وأحد أصدقائه، وهما يقومان بأداء مشهد تمثيلي حركي يتعانقان فيه، فيدللان على عمق العلاقة الإنسانية بينهما، وما أحدثه الموت من فراغ داخل كل منهما، فبات كمن فقد بوصلته وضل طريقة، ويعد ذلك التداخل بين لغة السينما واللغة المسرحية التجريبية توجهاً جديداً وأسلوباً متقدماً على المستوى التقني، فضلاً عن أنه عكس تطوراً ملحوظاً في أدوات التعبير واستخدام الجسد كموصل جيد للرؤية، بدون الحاجة إلى الجُمل الحوارية المستهلكة.
وبناءً عليه كان للصورة محلها القوي من الإعراب، فعن طريق حركة الكاميرا وزوايا التصوير والدلالات الضوئية للمشاهد اكتملت المفردات والمعاني، ونجح المخرج مع مجموعة الممثلين الشباب، حمزة مقتاد وهادي أبو عياش وكارول عبود ورشاد نصر الدين ومصطفى فحص، في القبض على الفكرة الرئيسية بملابساتها وأبعادها والوصول بها إلى عقل ووجدان المتلقي، وفق تصنيف الشرائح الجماهيرية بثقافاتها المختلفة ووعيها المتباين.
وكذلك كان للموسيقى التصويرية وظيفتها في تحديد المشاعر المستهدفة وتعميقها، لإضفاء إحساس خاص بجلال الموت وهيبته، حتى أنه في المشاهد الصامتة كان للسكون المُطبق معناه التراجيدي البليغ، لاسيما في تناغم الصمت والسكون مع إظلام الشاشة تماماً بفرد الستارة السوداء كعنوان للحداد، وإشارة صريحة للتعتيم المقصود، كأن الضوء نضب من المكان كله فحوله إلى كتلة معتمة، فيما يعد رمزية مقرونة بالجو العام المُلبد بالغيوم والأحزان، ومرتبطاً بإيقاع النشيج والنحيب في صوت الأم الثكلى وبكائها وما تردده من المحفوظات التراثية في أناشيد الموتى أو ما يسمى بالعديد.
أوجه كثــــيرة وإمارات متنــــوعة لسيمفـــونية العـــزف الجنائزي أو مرثية الحـــداد والموت، يفلح مازن خالد كمخرج حساس فــي نقلــها للمشاهد، ووضعها في خانة الضوء، كي يطرح مجدداً السؤال الصعب بصيغة مختلفة، حول الوجود والعدم، ومركــزية الجسم البشري كبطل أساسي في منظومة الكون الذي يتحرك الإنسان في داخلها، وفق حسابات دقيقة وصلاحيات تُمنح له وتُسحب منه في ميقات معلوم، وبهذه البديهية الإيمانية يُغلق القوس المفتوح للسؤال على إجابة لا تقبل الشك بأن الموت هو اليقين المُطلق.
٭ كاتب من مصر