مهرجان الفلوجة المسرحي الأول: شهادة فنية عن ميلاد مدينة من بين الأنقاض

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
0

أذكر جيدا أن مدينة الفلوجة الغافية على نهر الفرات لم تكن تنقش الألوان والخطوط الجميلة على تفاصيل حياة الناس فيها طيلة الأعوام التي حل العنف الطائفي في بلاد ما بين النهرين بعد التاسع من نيسان (ابريل) 2003. فقد كانت سماؤها الزرقاء ترقد على وسادتها غيوم سوداء طيلة الأعوام الماضية، والخوف يحدق في كل زاوية من شوارعها، والساحات والمقاهي لم تعد تستفيق فيها الأماسي من بعد أن شحبت الأغاني بين ضلوع المحبين. فالمدينة التي تقع على بعد 60 كيلومترا شمال غرب العاصمة بغداد كانت إلى فترة قريبة ما أنْ تودع موكب عزاء حتى يتقوس ظهرها بموكب آخر حتى ضاقت عليها السبل ولم تعد تجد ظلالا وارفة تحتمي بها، فانزوت من نوافذها الأغاني والأناشيد، وهبطت مواويل الأسى فوق نخيلها، وما كان ممكنا على ذاكرة الآخرين ان تستعيد اسمها إلا مقترنا بمفردات الحرب والمقاومة والعنف. وفي زمن اختلطت فيه المنعطفات أمام الأبرياء كان عليها ان تدفع ثمنا باهظا من عمرها، عمدته قوائم التغييب والاختفاء القسري لشبابها وشيوخها وهي تبحث عن شهادة براءتها من التطرف من بعد ان جثمت على صدرها راية سوداء أكثر من ثلاثة أعوام، إلاّ أن الوقت كفيل بأن يضيء الحياة فيها مرة أخرى، فلملمت جراحها واغتسلت بماء الفرات لتستعيد وجهها الجميل.

اطلالة هادئة

كانت مفاجأة لنا ان نجدها تكتب شهادة ميلادها من جديد في أول مهرجان مسرحي عراقي في تاريخها الذي يشير إلى أنها بنيت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب عام 633 وقد شاركت فيه محافظات من جنوب ووسط العراق مثل الناصرية وكربلاء والنجف والشطرة إضافة إلى العاصمة بغداد. في واقع الأمر ما أن وصلنا حدود المدينة لم نكن نتوقع ان نرى إطلالة هادئة تبعث مشاعر الاطمئنان في من ينظر إليها، لِأن الذاكرة كانت معبأة بخزين من الخراب والتشويه، لطالما كرستها سنوات من الإرهاب قطعَت صلة المدينة بكل ما يربطها مع العالم، ولم تعد تتذوق طعم الموسيقى، وتستمع بتلقي العروض المسرحية وغابت عنها فضاءات الحياة بكل تفاصيلها الناعمة والهادئة.

دائما ما كانت الأحلام نوافذ واسعة نطل من خلالها على الحياة، ومسرحيو مدينة الفلوجة ربما لا يمتلكون الخبرة التي يملكها أقرانهم في بغداد أو في محافظات أخرى، وهذا يعود إلى أنهم يعزفون لحنهم في بيئة اجتماعية تمتاز بالصلابة، وهي خليط متجانس من قيم وعقائد عشائرية ودينية، ولأن الفلوجيين نبتة خضراء في صحراء قاسية، لابد ان يكونوا على قدر كبير من الحب والايمان بما يحملونه من تطلعات إنسانية خاصة بعد ان خرجوا من عتمة حالكة، فجاء مهرجانهم المسرحي الأول الذي عقد للفترة من 22-25 ايلول(سبتمبر) الماضي.

الوفاء للمعلم الأول

وشاء منظموه ان تحمل نسخة المهرجان الأولى اسم المخرج الراحل سامي عبد الحميد، الذي استقبل هذا التشريف بسعادة كبيرة عبر عنها برسالة مصورة بعثها إلى إدارة المهرجان، لأنه كان في وضع صحي متدهور منعه من الحضور شخصيا بعد ان أجرى عملية جراحية، فعُرضت الرسالة على شاشة سكرين في يوم الافتتاح، ويذكر في هذا السياق ان الفنان سامي عبد الحميد توفي بعد خمسة أيام من انتهاء المهرجان وذلك في 31 أيلول (سبتمبر) الماضي. ويعد هذا النشاط للمخرج الراحل آخر توقيع له سجله في تاريخه الطويل الحافل بالانجازات الفنية التي ابتدأت منذ مطلع خمسينات القرن الماضي، وجاء في نص رسالته: “أن إقامة مهرجان مسرحي في مدينة الفلوجة، التي عانت من الضيم والقهر وجرائم الإرهاب، انما يدل على حيوية أبنائها الغيارى، وحبهم للحياة وتطلعهم إلى التحضر والتقدم الثقافي، وأننا نبارك هذه الخطوة التنويرية الرائعة، وأتمنى من كل قلبي التوفيق لكل المشاركين، وإلى مهرجان آخر أكثر تقدما”.

رصانة أكاديمية

يأتي هذا المهرجان باعتباره مَخرجا فنيا لكسر جمود ونمطية الحياة في مدينة محافظة تغلب عليها القناعة الدينية والموروث العشائري، وهذا ما يبرز أهمية الفن المسرحي في تأهيل الذائقة الإنسانية في دلالتها الاجتماعية ليصبح خطابه الجمالي مكونا فنيا يتجادل في معطياته الفكرية ومحمولاته الشكلية مع الروافد التقليدية للبيئة الاجتماعية التي تحدد هوية الأفراد والجماعات، ولأجل أن يتأسس المهرجان على ثوابت قيمية تضع الجوانب الفنية في مقدمة الاعتبارات التي تؤخذ كمعيار أساسي في تقييم العروض المشاركة، تشكلت لجنة التحكيم من مجموعة أسماء معروفة في الوسط المسرحي العراقي، لها تاريخ مضيء بأعمال مسرحية قدمتها في مسيرتها الفنية، هذا إضافة إلى أن أغلب هذه الأسماء تحمل شهادة الدكتوراه في الفنون المسرحية وتعمل في ميدان تدريس المسرح في كلية الفنون الجميلة وهم كل من: د. يوسف رشيد جبر، د. حميد صابر، د. رياض شهيد، أ.مقداد مسلم، أ.عزيز خيون، الممثلة هناء محمد، أ. كاظم النصار. هذا إضافة إلى ان اللجنة النقدية التي تولت مسؤولية قراءة وتقييم العروض المسرحية نقديا كان قد ترأسها المخرج د. محمد حسين حبيب، وضمت في عضويتها د. حسين علي هارف، د.جبار خماط، د.عواطف نعيم، د.سافرة ناجي، د.محمد عمر، د.قيس جوامير علي.

العروض المشاركة

وبخصوص العروض المشاركة، فقد شارك معهد الفنون الجميلة من بغداد بعرض حمل عنوان “مسنون ظرفاء “وهو من إعداد وإخراج د. كريم خنجر. وعرض آخر من بغداد كان بعنوان “العرس الوحشي” تأليف فلاح شاكر، وإخراج جرير عبد الله، وفرقة الرسالة المسرحية، من مدينة الشطرة في الناصرية، قدمت عرضا بعنوان “المواطن س” تأليف وإخراج حيدر عبد الله الشطري. وقدمت كربلاء عرضا بعنوان “أزمنة النار” تأليف وإخراج مهدي هندو الوزني، وعرضت فرقة رابطة عيون الفن الثقافية من مدينة النجف عرضا مسرحيا بعنوان “للحرب بقية” تأليف عبد الخالق كريم، وإخراج مصطفى كاظم، كما قدمت فرقة ملتقى الأنبار الثقافي عرضا بعنوان “حب خارج مكان الوقت” تأليف د. فهمي الصالحي، وإخراج سلمان عيسى. أما الفلوجة راعية ومنظمة المهرجان فكان عرضها المسرحي بعنوان “الرصيف” قدمته فرقة المنتدى المسرحي الجاد، تأليف عكاب حمدي وإخراج معاذ عكاب.

قيم فكرية مشتركة

ليس من الصعوبة بمكان الخروج بملاحظات نقدية عامة حول العروض المسرحية التي شهدتها أيام المهرجان الأربعة، فقد تشكلت مجموعة من القيم الفنية المشتركة كانت بمثابة خيط ينسج تركيبتها الفنية، فجاءت الحرب بمثابة أبجدية أساسية اعتمدتها معظم العروض، وهذا بطبيعة الحال لم يكن يبعث على الاستغراب، لأن ظلال الحرب قد أثقلت بسطوة مرارتها على جميع مدن العراق طيلة الأعوام الماضية، وكل مدينة كان لها نصيبها من معزوفة الحرب النشاز التي لوثت هوائها وسممته بالموت. وإذا ما مررنا على عناوين العروض سنكتشف ذلك قبل الدخول في تفاصيل حكاياتها. ولا شك في أن حضور مفردة الحرب في معظم ما تم تقديمه من مشاركات مسرحية يأتي في سياق عام دمغ المسرح العراقي منذ ما يزيد على الثلاثة عقود، وربما هي خاصية انفرد بها عن ما يتم تقديمه في بقية الدول العربية من عروض مسرحية، والعزف على الجانب التراجيدي في مرويات الحروب وانعكاساتها على الذات الإنسانية تلتقي مع جوهر الشخصية العراقية المعاصرة التي يرقد بين أضلعها حزن مكدس راكمته أحداث متلاحقة أوغلت في تهريبها إلى حياة الفرد العراقي كل الأنظمة التي تعاقبت على حكمه.

معالجات رمزية

من الناحية الفنية فإن مجمل عروض المهرجان على ما يبدو في بنيتها السينوغرافية قد تواطأت في قراءتها الجمالية لشكل العرض الحديث بعيدا عن الخضوع لمؤشرات البنية الواقعية من حيث الاستغناء عن المفردات والخطوط الواضحة في دلالتها اليومية خاصة فيما يتعلق بتصميم الديكور والمناظر المسرحية التي تستوعب زمكانية الحدث، وهنا لابد ان نسجل ملاحظة عامة على ما يتم تقديمه من عروض على خشبات المسارح العراقية عموما، إذ يكاد معظم المخرجين خاصة من يحرصون على تقديم أعمالهم في المهرجانات على ممارسة التجربة الإخراجية انطلاقا من تصور عام حول التجريب عادة ما يشوبه الغموض والتشوش في إطار منطلقاته الفلسفية والجمالية، بمعنى ان تفكيرهم يقترب بهم ناحية الاستجابة إلى محاكاة عروض غربية تقدم تصورات شكلية في تقنيات العرض، فيها الكثير من الإبهار والغرابة، من غير أن تكون قائمة على منظومة من القيم الفنية المفترضة قبل البدء في التجربة. وفي ما يتعلق بعروض مهرجان الفلوجة وجدناها لم تستطع ان تؤشر إلاّ قراءات بسيطة على مستوى الشكل الفني والمعالجات الإخراجية التي ميزتها دلالات رمزية توزعت على أغلب العروض خاصة في اشتغالات مصممي سينوغرافيا العروض، ونرى أن كل هذه الجهود تأتي في إطار سعي الفرق المسرحية للخروج عن ما هو انعكاس في الرؤى الإخراجية عن المسرح الواقعي، إلاّ ان ذلك في تقديرنا يعد ارتباكا في التعامل مع مسلمات التجربة المسرحية، طالما لم تنتج تصورات ذاتية تضعها في سياق سعي جاد قائم على أرضية نظرية، تحتكم في حيثياتها على قيم جمالية بهدف تفكيك الأطر التقليدية عبر التناول الفني. وفي كل الأحوال فإن معظم الفنانين المشاركين في لجان التنظيم والتحكيم والنقد أكدوا على أن الهدف من إقامته ليس التأكيد على الأساليب الفنية انما إعادة الحياة إلى هذه المدينة التي انهكتها الحروب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية