احتدام المعارك بين الجيش التركي و«قسد» شرق الفرات وسط نزوح عشرات آلاف السكان

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق – «القدس العربي» : تخوض قوات سوريا الديمقراطية (قسد) اشتباكات عنيفة في محاولة قد تكون صعبة للغاية لصد القوات التركية في عمليتها التي أطلقت عليها تسمية «نبع السلام» من التقدم في مناطق سيطرتها في شمال شرقي سوريا، غداة بدء أنقرة هجوماً واسعاً دفع بعشرات آلاف السكان إلى النزوح.
وأعلنت أنقرة ليل الأربعاء بدء هجومها ضد المقاتلين الأكراد، في خطوة جاءت بعد ما بدا أنه أشبه بضوء أخضر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي سحب جنوداً أمريكيين من نقاط حدودية وواجه انتقادات بتخليه عن الأكراد، شركاء واشنطن في دحر تنظيم الدولة. وحذرت منظمات إنسانية من أزمة إنسانية جديدة في وقت عقد مجلس الأمن الدولي بطلب من دول أوروبية عدّة اجتماعاً مغلقاً طارئاً لبحث الهجوم التركي.

مقتل 13 مدنياً و23 مقاتلاً من «الوحدات الكردية» وتحذيرات أممية من خطورة الموقف

وتدور اشتباكات عنيفة منذ أمس على محاور عدة في شمال شرقي سوريا، تتركز في منطقتي رأس العين في ريف الحسكة الشمالي وتل أبيض في ريف الرقة الشمالي، وفق ما أفادت قوات سوريا الديمقراطية والمرصد السوري لحقوق الإنسان.
وحسب الاعلام التركي متمثلاً والجيش السوري الوطني فقد سيطر الجيش التركي على 11 قرية وبلدة، شمال شرقي سوريا، بعد يومين من بدء عمليات «نبع السلام» ضد وحدات الحماية الكردية، وإثر قصف جوي وبري عنيف على مواقع «قسد» على طول الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا.
وقالت غرفة العمليات التابعة للجيش السوري الوطني، ان «القوات المسلحة التركية والجيش السوري الوطني يواصلون التقدم في عمق منطقة شرق الفرات، وتمكنوا من تحرير قرى وبلدات في محيط تل أبيض ورأس العين، بعد كسر الخطوط الدفاعية الأولى لقوات البي كا كا الكردية، مؤكدة سيطرتها على 11 قرية وبلدة في محيط تل أبيض ورأس العين، وهي بير عاشق، حميدة غربي تل ابيض، وقرى الحاوي، كصاص، اليابسة، تل فندر، كشتو، مزرعة المسيحي إضافة إلى المشيرفة والدادات في ريف مدينة «تل أبيض» و بلدة الدرباسية شرقي مدينة «رأس العين» في ريف الحسكة، وقطع طرق الإمداد عنها. وأوضحت مصادر ميدانية لـ»القدس العربي» أن قوات الجيش التركي و»الجيش الوطني» المعارض، قطعت الطريق الواصل بين مدينتي تل أبيض شمالي الرقة، ورأس العين شمالي الحسكة، وتوغلت بعمق 5 كليو مترات غربي رأس العين.

مشهد مؤلم ونزوح واسع

وأحصى المرصد السوري لحقوق الانسان منذ الأربعاء مقتل تسعة مدنيين و23 عنصراً من قوات سوريا الديمقراطية جراء الهجوم. في الجانب التركي، كان المشهد والصور مؤلمة بعد مقتل أربعة مدنيين، بينهم طفل سوري، الخميس في قذائف اتهم التلفزيون التركي مقاتلين أكراداً بإطلاقها على الجانب التركي الحدودي.
وأسفر الهجوم منذ الأربعاء عن حركة نزوح واسعة، وأحصى المرصد فرار أكثر من 60 ألف مدني من مناطق حدودية باتجاه مدينة الحسكة جنوباً ومحيطها. وفي بلدة تل تمر، شاهد مراسل فرانس برس مدنيين من رجال ونساء وأطفال يحملون أمتعتهم من ثياب وأدوات منزلية وحتى خزانات المياه. وقال ريزان محمد (33 عاماً) لفرانس برس أثناء فراره وعائلته من مدينة القامشلي التي يطالها القصف المدفعي «البارحة كان يوماً مرعباً»، مضيفاً «نتوجه إلى الريف، لم نعد نشعر بالأمان». وحذرت 14 منظمة إنسانية وإغاثية في بيان مشترك الخميس من حدوث أزمة إنسانية جديدة في شمال شرق سوريا، حيث يعيش 1.7 مليون شخص وفق الأمم المتحدة.
وأعلنت الإدارة الكردية أمس أن القصف التركي الأربعاء طال سجناً يقبع فيه جهاديون أجانب في مدينة القامشلي، فيما ذكر المرصد أن القصف استهدف محيطه. وهذا ثالث هجوم تشنّه تركيا مع فصائل سورية موالية لها في شمال سوريا، بعد هجوم أوّل في العام 2016 سيطرت بموجبه على مدن حدودية عدّة، وثان عام 2018 سيطرت خلاله على منطقة عفرين الكردية، متسببة بنزوح عشرات الآلاف من السكان.
وتُعدّ أنقرة وحدات حماية الشعب الكردية، العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية، «إرهابية»، وتعتبرها امتداداً لحزب العمال الكردستاني الذي يخوض تمرداً ضدها منذ عقود. وبرغم إصرارها على القتال، يرى محللون أن «قسد» لن تتمكن من صد هجوم يمتد على مناطق حدودية واسعة خصوصاً في ظل قصف جوي يستهدفها.
يقول الباحث في مركز الأمن الأمريكي الجديد نيكولاس هيراس لفرانس برس «تركيا والفصائل السورية معها ستخرق دفاعات قوات سوريا الديمقراطية وتحدث ثغرة فيها»، لكن السؤال الأساسي بالنسبه إليه «يكمن في معرفة إلى أي مدى ستتقدم تركيا قبل أن توقفها الأطراف الدولية والإقليمية».

لا استهداف للمكون الكردي

القيادي في الجيش الوطني مصطفى سيجري قال لـ»القدس العربي» إن «الجيش دخل شمال شرقي سوريا» مؤكداً ان العملية العسكرية «مستمرة براً وجواً وبنجاح، وتمت السيطرة على الأهداف المطلوبة والخطوات تسير وفقاً لما تم التخطيط له». ولفت إلى أن ‏عملية «نبع السلام عسكرية لا تستهدف المكون الكردي الأصيل في سوريا، إنما حزب العمال الكردستاني وأدواته الإنفصالية في سوريا» وقال ان الجيش الوطني قد دخل في تحالف قوي ومتين مع الحلفاء في الجمهورية التركية بهدف حماية وحدة الأراضي السورية وحماية المناطق المحررة ودعم الاستقرار وطرد الإرهاب، وعلى حزب العمال الكردستاني أن يتوقف عن ابتزاز العالم والتهديد بإطلاق سراح أسرى داعش»، معلناً استعداد الجيش الوطني «لتسلم أسرى داعش الموجودين في المنطقة من الولايات المتحدة الأمريكية وعبر ترتيبات يمكن الاتفاق عليها فوراً، والتعهد بضمان عدم فرار أي أسير، ووضعهم في مراكز أمنية خاصة».
وفي الجهة المقابلة، تحدثت مصادر مطلعة من قوات «قسد» لـ»القدس العربي» عن «خسائر فادحة في صفوف الأتراك» ونفت تقدم القوات التركية شرقي الفرات، مؤكدة انه «لا تغيير في خريطة المعركة بعد» وقال مصدر لـ»القدس العربي» «تحتفظ قسد بجثث 5 جنود أتراك كما أنها أعطبت 4 دبابات» كما أفاد المركز الإعلامي لـ»قسد»، الخميس، بأن وحدات الحماية تصدت للجيش التركي في محور تل حلف وعلوك، وأفشلت محاولات التسلل من محور تل أبيض التي «رافقها قصف عشوائي».

«مع وضد»

وتبدو آفاق العمليات العسكرية شرق الفرات، معقدة حسب معارضين سوريين لـ»القدس العربي»، وستترك آثاراً سلبية على المدنيين بالدرجة الأولى، وهو ما عبر عنه الخبير بالعلاقات الدولية د.محمود الحمزة، الذي عزا السبب إلى «متاجرة قسد بأرواح الشباب الكرد والعرب والسريان الذين معه من اجل غاياتهم السياسية» لافتاً إلى أن وحدات الحماية الكردية «اثبتت من خلال تصريحات ترامب الاخيرة بأنها لعبت دور المرتزقة وحاربت الثورة وخدمت النظام بالرغم من المعارك التي ادعت انها خاضتها ضد داعش وأغلبها مسرحيات». وقال لـ»القدس العربي»: «داعش خرجت بأوامر خارجية من اسيادها وليس نتيجة بطولات «قسد». نحن كسوريين نريد سوريا حرة مستقلة بدون أي احتلال من اي جهة كانت».
كما يعتبر معارضون سوريون ان هناك مجموعة من الأسباب التي تدفعهم إلى تأييد العملية التركية الهادفة إلى طرد تنظيمات «البي كاكا والبي ي دي» الكردية من سوريا، وهي حسب ما عقب المعارض السوري أحمد كامل على حسابه الرسمي «لأن الحزب الكردي التركي وفروعه السورية، سرطان توسعي احتلالي مثل إسرائيل، فهم من يحتل 4 أضعاف الأراضي ذات الاغلبية الكردية في سوريا، ويريدون خنق سوريا بسلخ كل شمالها وشرقها، من حدود العراق حتى البحر المتوسط» كما انهم حسب المعارض السوري من «أجانب، قيادتهم من أكراد تركيا وإيران، وأهدافهم غريبة عن سوريا، وهم من سرق ثلثي ثروات سوريا على مدار سنوات، بدعم من القوى العالمية، وهم من وقف مع أعدى أعداء الشعب السوري، النظام الإبادي البعثي الأسدي، والغزاة الروس والإيرانيين، ضد أحرار سوريا. فطعنوا الشعب السوري في أصعب لحظة تمر عليه في تاريخه كله، طعنوه وهو يذبح، وهم من نشروا بين أكراد سوريا ثقافة عنصرية توسعية عدوانية تؤمن بالعنف، كما ارتكبوا في المدن العربية التي احتلوها الرقة والطبقة وتل أبيض والشدادي ودير الزور، جرائم عنصرية، تهجير قسري وتطهير عرقي وتغيير البنية السكانية، واستجلبوا لسوريا قواعد احتلال أجنبي فرنسي وبريطاني وأمريكي».

«جفاف النبع»

من جهته وصف المعارض السياسي كمال لبواني العملية العسكرية شرق الفرات بأنها ستكون محدودة ومؤقتة، ولن ينتج عنها «منطقة آمنة»، عازياً السبب إلى ان عملية تحرير الباب استغرقت 3 أشهر فكيف الحال بـ 50 ألف كم مربع، واعتبر في مدونة عبر حسابه الشخصي، ان الهدف الحقيقي من العملية هو دفع أمريكا للانسحاب من المنطقة، لأن وجودها يحرج الجانبين الروسي والإيراني، «فدفعوا بتركيا كي تخير أمريكا بينها وبين «قسد»، أما النتيجة حسب رؤيته فهي دفع «قسد» للقبول بالعودة لحضن النظام، وهو الامر الذي سيتحقق قريباً إذا تصاعد الضغط العسكري وحققت القوات المهاجمة تقدماً.
وعندها حسب رأي اللبواني «سيجف نبع السلام، وتنسحب القوات التركية بعد أن تكون العملية قد حققت مهامها المعلنة (منع قيام كيان كردي ) هو مستحيل عمليا، أي عندما تتحقق النتيجة غير المعلن عنها، وهي تسليم شرق الفرات للروس والإيرانيين والنظام».
واعتبر اللبواني ان من سيهجر إلى المنطقة الآمنة «هم من تبقى من عرب سنة داخل سوريا المحتلة وخاصة سكان الساحل، تمهيداً لقيام دولة علوية برعاية روسيا، واستكمالاً للهيمنة الإيرانية على الوسط والجنوب» لافتاً إلى ان «من يدّعون الحرص على وحدة سوريا هم من يقومون بتقاسمها وتقسيمها بشكل نهائي، وعودة أي لاجئ هي فقط لبيته وحارته وأرضه، وغير ذلك هو تهجير جديد».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية