كشفت المظاهرات الأخيرة في العراق عن أن هناك الكثير الذي يتعين على إيران القيام به لتفادي وقوع كارثة كبرى ربما أكثر مأساوية من الحرب العراقية الإيرانية التي خلفت أكثر من مليوني قتيل ودمرت البنى التحتية للبلدين، والأهم أنها سعت إلى دق إسفين بين الشعبين المتجاورين وبينهما الكثير من الوشائج والصلات ومنها طبعاً العشائرية.
وإذْ لم يكن جديداً إطلاق بعض المتظاهرين شعار “إيران برّه برّه” إلا أن متظاهرين عديدين خصوصاً الفتيان، كانوا يرددونه هذه المرة بحماسة أكبر وبعضهم ذهب إلى اتهام ضباط إيرانيين بفتح النار على المتظاهرين وقتلهم، وقال آخرون إنهم كانوا يسمعون مطلقي النار وهم يتحدثون الفارسية، فيما وزع غيرهم فيديو يقولون إنه جواز سفر أحد القناصة الذين كانوا يستهدفون رؤوس المتظاهرين وعناصر القوات الأمنية على السواء.
وبعيداً عن نظرية المؤامرة التي صار يُؤْمِن بها الجانبان الحكومي الذي يتحدث عن مندسين ومخطط للانقلاب على النظام السياسي، والمتظاهرون الذين يكرر من نصب نفسه متحدثاً باسمهم على القنوات الفضائية ويتهمون إيران بقمع المظاهرات وتعزيز القبضة الأمنية، كانت إيران حاضرة بقوة في هذه الأزمة التي يهدد استمرارها بالمزيد من التدهور في علاقاتها مع الشعب العراقي وبالتالي زيادة الشرخ الذي تريده أطراف معينة داخل العملية السياسية وخارجها لجر البلدين إلى حرب جديدة أشد ضراوة من حرب الثماني سنوات بسبب أن السعودية المجاورة للعراق أيضاً، ستنخرط فيها شاءت أم أبت وما يمكن أن يجر هذا إلى تفجر الأمن الإقليمي برمته ودخول أطراف دولية من خارج المنطقة فيها.
وأظهرت المظاهرات الأخيرة إلى السطح جيلاً من الشباب كبر وعاش في ظل عملية سياسية فرضها المحتل منذ العام 2003 وشهد كل إرهاصاتها والصراع على السلطة والمال والنفوذ وبات بالتالي محبطاً تماماً من الطبقة السياسية الحالية خصوصاً الأحزاب الإسلامية الشيعية. فالمتظاهرون كلهم شيعة، وحتى الذين قدموا إلى بغداد للمشاركة فيها، جاءوا من مدن الوسط والجنوب الشيعية، وكلهم فقد الأمل تماماً في الإصلاح والتغيير، وهو يحمل إيران مسؤولية ما يقولون دعم هذه الأحزاب رغم تورط شخصيات نافذة من هؤلاء الإسلاميين في الفساد.
ولقد نجحت الماكينة الإعلامية في إيجاد شرخ كبير بين الكثير من هؤلاء الشبان الشيعة وإيران ساهم فيها تدهور الوضع الاقتصادي واعتماد العراق في الكثير من وارداته الصناعية والزراعية على إيران وإغراقه بالمخدرات، وعناصر أخرى جعلت صورة إيران لدى الشبان تحديداً ممزوجة بالكراهية بالرغم من سفر الكثير منهم إليها لأغراض العلاج والسياحة.
ومسحت أخطاء السياسيين العراقيين المحسوبين على إيران، من أذهان هؤلاء الفتية العراقيين صورة ذلك الإيراني الذي سارع إلى المشاركة مع ذويهم في الحرب على الاٍرهاب، وبقيت صورة الإيراني الذي يقولون إنه يدعم الفاسدين ويستقبلهم “رايحين جايين” ويلتقط معهم الصور وهم يقودون تيارات ضالعة بالفساد وغارقة فيه حتى الثمالة.
ويقارن الكثير من الشبان بين المرجع الديني الأعلى علي السيستاني وانحيازه الدائم والمستمر للمتظاهرين السلميين ومطالبهم المشروعة، وبين المسؤولين الإيرانيين الذين ذهب الكثير منهم في تصريحاته إلى اعتبار المظاهرات فتنة تحاول عرقلة زيارة الأربعين ومنع ملايين الإيرانيين من التوجه إلى كربلاء.
حلفاء من طين
ويبدو من حالة الاحتقان التي سادت الشارع أن إيران لا تحظى بحلفاء حقيقيين في العراق كما لديها في اليمن ولبنان وقد انكشفت على واقع مؤلم في ضوء عجز القنوات الفضائية المحسوبة عليها في معالجة الفجوة بين ما تريد وما يريده الشارع، والترويج عبر برامجها الحوارية، لوجهة نظر مغايرة لما تريده بشأن بقاء حكومة عادل عبد المهدي ورفض الاستجابة لمطالب خصوم إيران باستقالته خصوصاً وهم مشاركون في الحكومة كالتيار الصدري وفي العملية السياسية ولهم حصص كبيرة جداً في الحكومة وفي الدولة العميقة مثل عمار الحكيم وأطراف في حزب الدعوة وجبهة الإنقاذ وعموم سنّة السلطة عدا محور خميس الخنجر ومعظم الأكراد.
ولقد ساهمت وسائل الإعلام العراقية الممولة من إيران في تصوير الدور الإيراني تدخلاً في شؤون العراق الداخلية، كما ساهمت في صنع وتلميع (قيادات) متهمة بالإرهاب وبمعاداة حكومة عادل عبد المهدي التي جاءت بتوافق إيراني بريطاني، وفي إضعاف دور عادل عبد المهدي وتقويض جهوده الرامية إلى إبعاد العراق عن لعبة المحاور والأقطاب ومن أن يصبح ساحة للصراع الإيراني الأمريكي والإيراني السعودي تحت سقف الدستور في مادته الثامنة، وعباءة المرجعية العليا التي ترفض أن يتحول العراق إلى منصة لإيذاء جيرانه.
وفي هذا الواقع فان إيران أدركت كما يبدو أن فساد السياسيين والأحزاب والتيارات الإسلامية سيحملها الكثير من الأعباء ويذهب بسمعتها في أوساط العراقيين وإن كان الإسلاميون المحسوبين عليها ليسوا هم السبب الوحيد الذي جعل العراق على شفا الانهيار الكامل، وأوصل العراقيين خصوصاً الشباب ليتحولوا بركاناً لو يتفجر فسيدمر الجميع، لأن كل من شارك في العملية السياسية وإن حاول النأي بنفسه في المظاهرات الأخيرة، هو مساهم فيما آلت اليه الأوضاع ولا يمكن إذاً أن يكون مصلحاً.
صحيح أن الانتخابات هي التي جاءت بكل هؤلاء الذين انتقض عليهم الشارع، وصحيح أن التهديدات الأمريكية والسعودية لإيران تدفع بها إلى التمسك بالفصائل والأحزاب ورقة هامة في معادلة الردع، إلا أن بإمكان إيران فعل الكثير لتكسب قلوب العراقيين وسيوفهم ومعالجة السيل الاعلامي الهادر الموجه ضدها وهي ما تزال تتلكأ في حل المسائل العالقة من القرار الدولي رقم 598 الذي أوقف الحرب عام 1988 ولم يأت بالسلام الكامل ويمكن بعد كل ما حصل أن تندلع الحرب من جديد لتلد حربا أخرى على وقع تطورات جديدة بعد التدخل العسكري التركي في سوريا ويمكن أن تسفر عن عودة داعش مرة أخرى إلى العراق وهذا ما أشار له المرجع الديني السيستاني عندما أمهل الحكومة العراقية اسبوعين للكشف عن هوية المجرمين ومنهم قناصون قتلوا المتظاهرين والعناصر الأمنية، وأن المرجعية تعلم علم اليقين بما لديها من مجسات أن لدى عادل عبد المهدي أدلة دامغة عن هؤلاء بما يقطع التكهنات والاتهامات الموجهة لإيران في هذا الصعيد.
ولكن ما لم تبادر إيران إلى إعادة النظر في تقويم خريطة تحالفاتها فان شعار “إيران والعراق لا يمكن الفراق” الذي أطلقته مع مريديها العراقيين، يبقى مجرد شعار لا يصمد أمام “شعار إيران برّه برّه”.