دمشق – «القدس العربي» : سيطر الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية المسلحة على مدينة تل أبيض، وعشرات القرى في محيط مدينة رأس العين شمال شرقي سوريا، بمساحة 220 كيلومتراً مربعاً داخل الأراضي السورية، انطلاقاً من غرب تل أبيض إلى غرب مدينة رأس العين وصولاً إلى اوتستراد الحسكة – حلب المعروف بـ «ام 4» في وقت تفتش الوحدات الكردية وتناور باحثة عن بدائل أحلاها مر.
وقال المرصد السوري لحقوق الانسان، ان الجيش التركي سيطر على قطعة واسعة من المنطقة الإدارية بين محافظتي الرقة والحسكة، عند الشريط الحدودي شرق الفرات، بالإضافة الى تقدم نوعي على محاور عدة حول رأس العين، وبذلك يرتفع عدد القرى والبلدات التي صارت ضمن النفوذ التركي إلى 41 قرية على الأقل ضمن عملية «نبع السلام».
مقتل العشرات والوحدات الكردية تفتش عن بدائل أحلاها مر
وقتل 26 مدنياً الأحد في قصف وإطلاق نار شنتهما القوات التركية والفصائل السورية الموالية لها في اليوم الخامس للهجوم ضد المقاتلين الأكراد في شمال شرق سوريا، وفق حصيلة جديدة للمرصد السوري لحقوق الإنسان. وكان المرصد أفاد في وقت سابق عن مقتل 14 مدنياً، إلا أن مديره رامي عبد الرحمن أوضح لفرانس برس أن «عشرة مدنيين آخرين قتلوا في غارة تركية استهدفت قافلة كانت تقلهم وصحافيين في بلدة رأس العين» الحدودية، كما قتل اثنان آخران برصاص مقاتلي الفصائل الموالية لأنقرة قرب تل أبيض (شمال الرقة). وكتبت الصحافية الفرنسية ستيفاني بيريز على حسابها على تويتر «كنا في قافلة المدنيين الأكراد التي جرى استهدافها من قبل القوات التركية او حلفائها». وقالت إن فريقها نجا إلا أن «زملاء (آخرين) قتلوا».وقال المرصد أن بين قتلى القافلة «مراسلا صحافيا» لم يحدد جنسيته. وتخطت بذلك حصيلة القتلى جراء الهجوم التركي 60 مدنياً فضلاً عن مئة عنصر من قوات سوريا الديموقراطية.
وبعدما تلقت قسد «طعنة غادرة» حسب وصف قيادات وحدات الحماية الكردية، وانحسرت رقعة سيطرتها في معقلها الوحيد شرقي سوريا، وجدت نفسها مضطرة الى فتح أبواب السجون أمام مقاتلي تنظيم الدولة، وهو ما هدد به مسؤول لدى قوات قسد في حديث سابق مع «القدس العربي»، حيث أكدت مصادر فرار أكثر من 100 من عائلات التنظيم حيث هربوا «من مخيم عين عيسى الذي تحرسه قوات أمن سورية يقودها الأكراد» ويصل عددهم الى 785.
وقالت الإدارة الذاتية الكردية إن بعض أفراد أسر أعضاء تنظيم الدولة تمكنوا من الفرار من المخيم بعد قصف من قوات تركية وجماعات معارضة سورية تدعمها أنقرة تتقدم في المنطقة، كما صرح مسؤول في قوات سوريا الديمقراطية «قسد» التي يقودها الأكراد إنه ليس لديهم المزيد من التفاصيل بشأن الموقف في المخيم.
وعلى ضوء خسائر «قسد» تبدو خياراتها محدودة أمام تركيا والمعارضة السورية لأسباب مختلفة، حيث أمامها سيناريوهات تحدث عنها الباحث السياسي عبد الوهاب عاصي، وقال لـ»القدس العربي» ان قسد تحاول سياسياً الاستفادة من موقف أوروبا والدول العربية وبعض مراكز صنع القرار الأمريكي المعارض للعملية بغرض توظيفه للاحفاظ على وجودها على الأرض والضغط على تركيا لإيقاف العملية، لكن يبدو أن أقصى استجابة قد تحصل هي الوساطة الدولية وإقناع إدارة ترامب بتبنيها العودة إلى آلية التنسيق المشترك. وبرأي عاصي فإن «قسد» تسعى أمنياً أيضاً، عبر السعي لتكثيف العمليات الأمنية ضد مصالح تركيا داخل أراضيها وفي مناطق تواجد قواتها غرب الفرات، من أجل التأثير على قدرتها في السيطرة والإيحاء بوجود إمكانية لدى «قسد» بتوسيع دائرة العمليات خارج المكان الذي اختارته تركيا.
أما على الصعيد العسكري، فيقول عاصي، ان منطقة العمليات ذات طبيعة سهلة على القوات المهاجمة، من ناحية صعوبة تغطيتها بخطوط تحصين ممتدة ومتصلة بالنسبة ل»قسد»، وسهولة قطع خطوط الإمداد والاتصال كون شبكة الطرق الفرعية والأساسية ضعيفة وقليلة، حيث اعتمدت القوات المهاجمة، على استراتيجية عزل المدن الرئيسية كونها أكبر مراكز تحصين والسيطرة عليها عبر حصارها تعني انسحاب «قسد» من بقية المواقع الشاسعة على أطرافها، كما ان منطقة العمليات ذات طابع إثني عربي وكانت «قسد» قد هجرت العديد من سكانها وهي بذلك لا تشكل ثقلاً لها يعزز من قدرتها على الصمود والاستمرار.
من جانب آخر لن تفوّت «قسد» الفرصة لاستخدام ملف تنظيم «الدولة»، وإطلاق سراح الاسرى لديها، بغرض الضغط على تركيا ودفع التحالف الدولي والبنتاغون لمزيد من الضغط من أجل الحفاظ على تواجد القوات المسلحة وعدم التخلي عن حلفائهم المحليين في محاربة داعش وضمان عدم عودته.
ويعتبر مراقبون انه مع انتهاء تنظيم الدولة كقوة منظمة «انتهى الدور الوظيفي الذي تلعبه الوحدات الكردية»، وفي هذا الاطار يقول الخبير السياسي مصطفى الفرحات لـ»القدس العربي»، ان الدول الكبرى لا تحترم «المأجور» لأنه «يبدل ويسخر لدى من يدفع له أكثر». ورغم تجربتهم الفاشلة في معركتي غصن الزيتون ودرع الفرات، تستمر الوحدات بإعادة الخطأ إذ لم يحمهم علم النظام الذي رفعوه في تلك المعارك، رغم الدعوات الصادقة التي وُجهت لهم من الجيش الوطني ومن الجيش التركي، و»ظل هؤلاء تهائين في معادلة الفشل المحتوم».
واليوم يكرر القائد العام لقوات قسد مظلوم عبدي التجربة بالاستنجاد بنظام بشار الأسد حيث أكد أنه يدرس موضوع الشراكة مع رأس النظام السوري بشار الأسد لمحاربة القوات التركية، فوصفه المتحدث بـ»المتناسي» أن نظام بشار الأسد لن يمنحه الثقة و»ناسياً أنه أمام رابع أقوى جيش في الناتو وهو الجيش التركي ومعه خمسة وثمانون ألفاً من قوات الجيش الوطني التي تمرست في القتال على مدار تسع سنوات من عمر الثورة السورية، وكل نداءات الاستغاثة التي أطلقها هؤلاء لم تلقَ صداها وتعطلت في مجلس الأمن مع الموقف الروسي والأمريكي».
وبرأي فرحات فإن الوحدات الكردية أصبحت اليوم أمام دفع ثمن جرائمها وتجاوزاتها حيث، حاربت الجيش الحر ومثلت بجثثهم وسحلتها وحرقتها وجابت بها الشوارع في الشاحنات (في عفرين) بمناظر مقززة تقشعِّر لها الأبدان وفعلٌ لا يقوم بها عدو، كما أعلنت مراراً أنها مستعدة لقتال أبناء إدلب إلى جانب نظام الأسد من ناحية وقبلها صرح قياديي قسد في أكثر من مرة أنهم قادرون على العبور بقواتهم حتى دمشق وكذلك الوصول الى الساحل السوري، ورفعت العلم الاسرائيلي والروسي والامريكي وعلم النظام ولم ترفع علم الجيش الحر، وحاربت الشرفاء والناشطين من الإخوة الكرد وأذلتهم فلاحقت قادتهم ونشطاءهم تضييقاً واعتقالات وتصفيات».