قامت الحكومة الصينية بافتتاح متحف في مدينة «يانغجو» الصينية عام 2011. وتم الافتتاح بحضور رئيس جمهورية كرواتيا السابق الذي ألقى خطابا أسهب فيه بمديح الشخصية التي أقيم المتحف من أجلها، حيث قال إن تلك الشخصية ولدت في كرواتيا واكتشفت العالم وفتحت الطريق بين أوروبا والصين. وأثار هذا الافتتاح غضب الحكومة الإيطالية التي قدمت احتجاجا رسميا، لأنها اعتبرت تلك الشخصية إيطالية الجنسية والولادة ومن رموزها الخالدة. ولم تكن تلك الشخصية سوى الرحالة الكبير ماركو بولو. وعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأنه ولد في مدينة البندقية الإيطالية، فإن بعض العلماء يعتقدون أنه في الحقيقة ولد في كرواتيا ثم هاجرت عائلته إلى البندقية.
العالم في القرن الثالث عشر
كان العالم يشهد تغييرات كبيرة في القرن الثالث عشر تميزت بظهور المغول، وهم قبائل تتكلم لهجة تركية من منغوليا الحالية، كقوة هائلة تجتاح مناطق شاسعة في العالم، حيث امتدت إمبراطوريتهم من الصين، التي احتلوها عام 1215 إلى بولندا التي احتلوها عام 1241. وتميز المغول بقسوة هائلة في معاملة سكان المناطق التي هاجموها، وكانت هذه سياسة مقصودة لبث الرعب في قلوب كل من يسمع عنهم والقضاء على أي شعور لمقاومتهم، وكذلك الاعتماد على استمالة أطراف من داخل صفوف أعدائهم. وكانت القوة العسكرية المغولية في الواقع بدائية، ولذلك اعتمدوا على خبراء أجانب لتطوير جيوشهم ومعداتهم العسكرية، وبشكل خاص خبراء من الصين والعراق وإيران. وكان أكثر أعمال المغول وحشية هو احتلالهم لبغداد عام 1258، حيث قاموا بمذابح انتقائية بين السكان، واعتبر ذلك الاحتلال أحد أكثر الأحداث دموية في تاريخ العالم. وقام المغول بتأسيس عاصمة لهم في الصين تدعى شانغدو (وتعني العاصمة العليا) وكانت مقر أباطرتهم. وأشهر امبراطور مغولي في الصين كان كوبلاي خان (1215 – 1294).
قامت الحكومة الصينية بافتتاح متحف في مدينة «يانغجو» الصينية عام 2011. وتم الافتتاح بحضور رئيس جمهورية كرواتيا الذي قال إن تلك الشخصية ولدت في كرواتيا واكتشفت العالم وفتحت الطريق بين أوروبا والصين.
أما إيطاليا، فقد كانت مقسمة إلى ولايات كثيرة، أشهرها جنوى والبندقية. وبرزت الولايات الإيطالية كمراكز تجارية عالمية، ولذلك كانت العوائل التجارية تسيطر على جميع جوانب الحياة فيها وامتلكت علاقات تجارية وطيدة مع الشرق الأوسط والقسطنطينية (عاصمة الإمبراطورية البيزنطية)، وكان لها وكلاء في تلك المناطق. وكانت البضائع تنتقل بين الصين وأوروبا بحرية عبر طريق الحرير الذي كان يمتد من الصين وحتى مدينة ترابزون في تركيا الحالية.
الرحلة إلى الصين
كان والد وعم ماركو بولو من تجار البندقية المختصين في تجارة المجوهرات والتوابل والحرير، وأرادا أن يقوما برحلة عمل إلى الصين. وقام الاثنان برحلة عمل إلى الصين استغرقت سبع سنوات، قابلا خلالها الإمبراطور المغولي كوبلاي خان. وقرر والد وعم ماركو بولو تكرار الرحلة إلى الصين، ولكنهما هذه المرة قررا أخذ ماركو بولو معهما، وهو الذي لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره بعد. وبدأت الرحلة عام 1271 باتجاه شرق تركيا الحالية وأرمينيا ثم مدينة تبريز (مركز الحكومة المغولية في الشرق الأوسط) في إيران الحالية. وكان ماركو بولو دائم الاهتمام بالحالة الاقتصادية لكل منطقة ومنتجاتها الزراعية والصناعية وعاداتها الثقافية. واتجهوا إلى مضيق هرمز لأخذ سفينة إلى الصين، إلا أن سوء حالة السفن فاجأتهم، ولذلك قرروا في نهاية الأمر تكملة الرحلة برا. وكانت الرحلة قاسية حيث مرّ المسافرون عبر أفغانستان التي مرض فيها ماركو بولو، وعانى المسافرون الثلاثة من الجوع الشديد وكذلك قطاع الطرق. وبعد ثلاث سنوات ونصف السنة وصل المسافرون الثلاثة إلى مدينة «شانغدو» وقد أصبح ماركو بولو في الواحدة والعشرين من العمر. وحصل الثلاثة على شرف مقابلة الإمبراطور المغولي كوبلاي خان، الذي رحب بهم. وسرعان ما تعلم ماركو بولو اللغة المحلية ولغات ثلاث أخرى، وحاز ثقة وإعجاب كوبلاي خان، الذي عينه حاكما على مدينة صينية مهمة ومفتش الضرائب في مدينة يازنهو، بالإضافة إلى عضويته للمجلس الخاص بالإمبراطور، حيث سخّر ماركو بولو وقته لخدمة الإمبراطور. وقام كوبلاي خان كذلك بتعيينه موفدا خاصا به للمهام الرسمية، وأعطى له ولوالده وعمه لوحا ذهبيا يعطيهم الحق في التنقل في جميع أرجاء الإمبراطورية، واستعمال جميع التسهيلات الخاصة لذلك. وفي تلك الاثناء كان ماركو بولو، يراقـــــب كل ما حوله في اهتمام شديد، إذ درس العادات الصينية والمغولية الاجتماعية والنشاط التجاري والمستوى التكنولوجي وتركيبة الدولة المغولية وطريقة عملها ودسائسها والنظام المالي، الذي كان الأول في اعتماده على العملة الورقية، وقد تنقل ماركو بولو في جميع أرجاء الدولة، واستغل صلاحياته إلى أقصى حد.
وبعد سبعة عشر عاما قرر الإيطاليون الثلاثة العودة إلى ديارهم، فطلبوا الإذن بالسفر من الامبراطور المغولي الذي لم يكن سعيدا بطلبهم، ولم يرغب أن يبدو ضعيفا أمام الآخرين بقبوله له، ولذلك وافق بحجة تكلفتهم باصطحاب أميرة مغولية إلى إيران لترتيب زواجها من أمير مغولي معين، إذ كانت إيران تحت الاحتلال المغولي حينذاك.
غادر الإيطاليون الثلاثة «شانغدو» مع وفد رسمي ضم الأميرة المغولية وستمئة شخص. وكانت مشقة رحلة العودة غير عادية، حيث توفي أغلب المسافرين في الطريق، إذ وصل ثمانية عشر فقط إلى إيران بعد سنتين من السفر المرهق، ليكتشفوا أن الأمير الذي كان من المفروض أن يتزوج الأميرة توفي. ولذلك بقي الجميع في إيران لفترة أطول مما خطط لها، كي يجدوا أميرا آخر مناسبا لها. وبعد ذلك أكمل الإيطاليون الثلاثة رحلتهم إلى البندقية حيث وصلوها عام 1295 أي بعد أربعة وعشرين عاما من مغادرتهم لها. وكانت أولى مشاكلهم عدم تعرف معارفهم في البندقية عليهم، كما وجد الثلاثة صعوبة في التحدث باللغة الإيطالية. وتزوج ماركو بولو في «البندقية» وأنجب ثلاث بنات وأسس له تجارة ناجحة. وبعد ثلاث سنوات اندلعت الحرب بين مدينة «البندقية» ومدينة «جنوى»، وقام ماركو بولو يقيادة سفينة حربية في تلك الحرب، مما أدى إلى أسره من قبل جيش جنوى. وفي السجن تعرف على كاتب موهوب للقصص الرومانسية من مدينة «بيزا» اسمه رستيجيلو الذي اتفق مع ماركو بولو، على أن يكتب قصته. وعندما أخلي سبيل الاثنين عام 1299 كانا قد انهيا الكتاب وسموه «كتاب عجائب العالم»، وعُرِف في بريطانيا باسم «رحلات ماركو بولو».
كتاب ماركو بولو
نشر كتاب ماركو بولو حوالي عام 1300 بلغة كانت موجودة في العصور الوسطى تسمى اللغة الايطالية – الفرنسية. وانتشر بسرعة هائلة داخل إيطاليا وخارجها في عصر لم يعرف الطباعة. وأما بعد اختراع الطباعة عام 1439، فقد أصبح الكتاب ذا رواج غير مسبوق في الغرب، ولذلك كان الكتاب أول الكتب الأكثر مبيعا عالميا في التاريخ. ولا تزال حوالي مئة وخمسين نسخة من تلك النسخ الأصلية المكتوبة بخط اليد في أكثر من عشر لغات موجودة حتى الآن، وتختلف للأسف في بعض التفاصيل، ولكن حجم المعلومات فيها هائل.
نشر كتاب ماركو بولو حوالي عام 1300 بلغة كانت موجودة في العصور الوسطى تسمى اللغة الايطالية – الفرنسية. وانتشر بسرعة هائلة داخل إيطاليا وخارجها في عصر لم يعرف الطباعة.
وخص ماركو بولو مدينتين من العالم العربي في الكتاب وهما بغداد والموصل، حيث ذكر أن بغداد مدينة عظيمة ذات اقتصاد زاهر ويمر عبرها نهر عظيم يستعمله التجار في نقل بضائعهم في سفن تحملها إلى الهند، ونجد هذا غريبا حيث كان المغول قد اجتاحوا هذه المدينة العريقة عام 1258 وسببوا فيها كارثة عظيمة. أي قبل زيارة «ماركو بولو» لها باكثر من عشر سنوات. أما الموصل، فقد ذكر النشاط الاقتصادي والصناعي فيها، خاصة صناعة الأقمشة، ومنها قماش الموسلين القطني الرقيق الذي اشتُق اسمه من اسم المدينة. وذكر ايضا أن ثلاث عوائل موصلية هاجرت إلى مدينة البندقية، حيث عملت في تجارة قماش الموسلين هناك، وأصبح لقب هذه العوائل في المدينة «موسوليني» (اي بائع قماش الموسلين في اللغة الإيطالية). وتكلم باسهاب وإعجاب عن التكنولوجيا والقانون في الصين، واستعمال الفحم الذي لم يستعمله الأوروبيون بشكل عام قبل القرن الثامن عشر. وكان ماركو بولو معجبا بطرق المواصلات والبريد في الصين، كما تكلم عن حيوانات غريبة وأناس غريبي الشكل، كما ادعى اشتراكه في حروب ومؤامرات سياسية.
استقبل الناس الكتاب كمجموعة من القصص الخرافية وسموه المليون (اي المليون كذبة). ولكن ماركو بولو، أصر على كل كلمة فيه، وعندما كان يحتضر عام 1324 زاره البعض وطلبوا منه أن يعترف بكون الكتاب مجموعة من الأكاذيب، ولكنه أصر على رأيه وقال «لم أذكر نصف ما شاهدته».
احتوى الكتاب على العديد من المبالغات ومنها وجود أشجار ذات ثمار من المعكرونة ورجال ذوي رؤوس تشبه الكلاب، ولكن المبالغة والخطأ ظاهرتان قد يكون تجنبهما مستحيلا، حيث أن ماركو بولو، قد يكون بالغ لجعل الكتاب أكثر إثارة، وهناك الكاتب من مدينة بيزا الذي من الممكن أنه أضاف من عنده، وكذلك عشرات الذين نسخوا الكتاب بعد ذلك.
بعد خمسين عاما من نشر الكتاب لاحظ الناس مدى أهمية المعلومات التي احتواها، وكان أول المستفيدين هم صانعي الخرائط الذين حسنوا الكثير منها استنادا إلى المعلومات المذكورة في الكتاب. وجعل الكتاب الشرق يبدو وكأنه مليء بالغنائم السهلة المنال، مما زاد من عدد الطامعين فيه. ولذلك أخذت الدول تفكر في إرسال البعثات إلى الصين. وكانت الدولة الأولى البرتغال التي أرسلت بعثة بحرية أبحرت حول افريقيا إلى الصين. وبعد ذلك فكر المستكشف الإيطالي كرستوفر كولومبس أن يتجه إلى شرق آسيا بحرا بشكل مباشر بدون الإبحار حول افريقيا. وكان كرستوفر كولومبس حاملا نسخة من كتاب ماركو بولو، في رحلته الشهيرة التي أدت إلى اكتشاف القارتين الأمريكيتين.
وقد أثر الكتاب حتى على اللغة الإنكليزية إذ تعني كلمة «زانادو» في الإنكليزية المكان الرائع والمبهر. وقد اشتقت الكلمة من اسم العاصمة المغولية «شانغدو» التي وصفها ماركو بولو بأنها مدينة مدهشة ورائعة.
ولم يكن ماركو بولو أول من زار الصين، حيث سبقه قس كاثوليكي في أربعينيات القرن الثالث عشر لنشر الدين المسيحي وقابل الامبراطور المغولي. وكانت الموانئ الصينية تعج بالتجار العرب والفرس قبل الغزو المغولي للصين وبعده.
٭ باحث ومؤرخ من العراق