هذا عنوان كتاب ألان باديو الصادر عام 2016، ولكني لم أظفر به إلا هذه الأيام. وباديو فيلسوف وروائي ومسرحي فرنسي، ذو منزع ماركسي ماوي. ولد في الرباط عام 1937، وهو معروف بدفاعه عن العمال الأجانب الذين يقيمون في فرنسا بصورة غير قانونية. على أنّي أُعني في هذا المقال/ العرض بكتابه الشيق الذي يُقرأ في جلسة واحدة بمتعة، وهو مكتوب بفرنسية سلسة، لا تعقيد فيها من حيث التركيب والمفاهيم خاصة. وهو لا يشكل على القارئ الذي يعرف الشعراء الذين استأنس بهم باديو أمثال بازوليني وهوبكنز وستيفنس وباسوا وملارميه، وإن كان لا يتمثل إلا بشذرات قليلة من قصائدهم؛ وموضوع الكتاب هو الشعر في ذاته، وليس تحليل النصوص.
يتوزع الكتاب على عشرة نصوص تتفاوت طولا وقصرا، أولها عنوان الكتاب، وهو يلي المقدمة. أما باقي الفصول فهي: زمن الشعراء ووضع القصيدة الفلسفي بعد هايدجر والفلسفة والشعر، ووضع المتعذر تسميته وصورة الجندي عند هوبكنز وستيفنس والأنطولوجيا المفارقة لألبرتو كايرو وبازوليني، ودرس القصيدة الجدلي وفيليب باك وابتكار غنائية غير مجربة، والشعر والشيوعية، والشعر في خدمة الفلسفة. وهذا الكتاب هو الأول الذي خصصه باديو للشعر، على الرغم من أن هذا الفن كان له الصدر في جلّ أعماله، إن ليس فيها كلها. والشعر كان منذ أقدم عصور النصوص الفلسفية، وتحديدا من أفلاطون إلى هيدجر وما بعده في الأزمنة الحديثة؛ يحير الفلسفة، بل يشوشها ويبلبلها.
وكانت الفلسفة ولا تزال تحاور الشعر أو تساجله؛ أو هي في خصومة معه أو منافسة. وباديو في «ما الذي تفكر فيه القصيدة» إنما يلتقط هذا الخيط أو هذا الحبل السري الواصل بين الفلسفة لغة المفاهيم، والشعر لغة الرموز وصانعها؛ الرموز التي بها نحيا ونعيش ونلعب. والشعر عنده فكر، بل هو فعل الفكر نفسه، ووصل بين الفعل والقول. وعمل الشاعر هو فعل القول، وليس المناسبة بين القول والفعل. ومن هذا المنظور، وأنا أسوقه باختزال مخل لا شك؛ يقف باديو على طرف النقيض من ويتجانشتين، فالقصيدة تقول هذا الشيء أو ذاك الذي يتعذر قوله في لغة المعيش والتخاطب والتواضع، حيث نلوذ عادة بالصمت لنقوله و«الصمت إن ضاق الكلام أوسع» (أبوالعتاهية)، أو نفصله عن العالم حتى يقال ويعاد قوله أول مرة.
العنوان مستعار من مقاله المنشور أول مرة عام 1993 في «هل الفن معرفة». ومدار الكتاب باختصار على ثلاثة محاور هي: الشعر والفلسفة والشعر والسياسة والشعر والشعر. وباديو يشدد في ما يخص المحور الأول، على الاحتفاظ بكلمة «معرفة» لما يعضده موضوع أو مادة علم، أي موضوع معرفة، على حين أن القصيدة «لا تقصد أي موضوع، وأي موضوعية، ولا هي تفترض هذا، ولا هي تصفه». كما في هذه الشذرة «الرامبوية» أي المخصوصة برامبو وأعماله: «آه، غبار الصفصاف الذي ينفضه جناح/ ورود القصب وهي تلتهم منذ زمن طويل». فهذه تعزز رأيه في أن القصيدة «لا تتعلق بالتخاطب» وإنما هي «تنشئ قولا، وبيانا لا يستمد سلطته إلا من نفسه». ويتساءل باديو: «من يتكلم هنا؟ وبأي عالم تتزين التسمية؟ وإزاء ماذا ينبغي أن نشارك هكذا في اقتسام حالة تعجب؟ ولا شيء في هذه الكلمات، بالممكن تبليغه».
ويفصل باديو هذا وهو يقارن بين مالارميه ورامبو، فالقصيدة عند الأول عملية طرح بالمعنى الرياضي للكلمة، حيث القصد هو التلفظ بالكائن أو بالفكرة، إلى الحد الذي يتلاشى فيه الموضوع ويتبدد.
إن عدم المقدرة هذا على التواصل أو على الإبلاغ أو الإخبار، لا يتحقق إلا بفصل هذين البيتين المعزولين عن الأبيات التي تليهما، في قفلة القصيدة وفي تراكب كلماتها التي تنشئ نوعا من الإيقاع الكمي النبري؛ وهي تستدعيهما لضرورة سياقهما:
«زورقي مُثبت دائما، وسلسلته مسحوبة في قرار عين الماء هذه التي لا ضفاف لها، إلى أي حمأة؟». فهذه التكملة السياقية وهي أشبه بتتمة المسند في النحو، تستدعي ملاحظتين: إحداهما أن لغز المشهد الذي يعرضه البيتان الأولان، يمكن أن يحل جزئيا؛ إذ نستحضر غبار الصفصاف وقد نفضه طيران عصفور، وكذلك الجناس القائم في «الورود والقصب» في النص الفرنسي، وليس في ترجمتنا؛ حيث تشترك الكلمتان في بعض الحروف. وأما التهام الورود فيمكن إرجاعه إلى هجوم الصيف، وهذه «استعارة مدارية» أي راجعة إلى مدار السرطان أو المنقلب الصيفي؛ في تعارض مع مدار الجدي أو المنقلب الشتوي، إذا نحن سوغنا لأنفسنا أن نقرأ ما يرشح به النص، أو ما يخفيه أو يضمره ظاهره استئناسا بنص الشاعر «ذاكرة» وهو ذاكرة الزمن نفسه. وأما الملاحظة الأخرى التي يثيرها سؤال باديو «من المتكلم» أو المتلفظ؟ فهي تتعلق عيانا بسلطة يمكن تعيينها هي سلطة شيء «مثبت» وسط حقل من الماء «أي عالم؟» ذاك الذي يطرح على نفسه سؤال منشئه أو أصله؛ أي هذه الحمأة الأولية حيث يضرب بجذوره.
وليس لي إلا أن أشاطر قارئي باديو من المتخصصين في فلسفته، في أن القصيدة «تمسرح» سؤال سلطتها الخاصة بها، حسب حدس الفيلسوف؛ وهي تنشر مساحة من مقروئية غير إشكالية. ومن هنا يتسنى القول إن القصيدة «لا موضوع لها» أو هي تلغي الموضوع من حيث هو قادح معنى أو حامل دلالة. أو لأقل هي أقرب إلى «الرسم الحركي» أو الكتابة المتحررة من الأعراف الفنية؛ أو هي تتميز بنوع من الانسياح اللغوي والاسترسال الخيالي، الذي لا ينهض له منطق أو سند إلا من النص نفسه؛ ذلك أن المقصود عند الشاعر هو «فعل الشعر» وليس موضوعه، أو هذه الحركة اللغوية الحرة من حيث هي غاية في ذاتها. والشعر بهذا المعنى نشوء وتكوين وحركة حرة، حتى وهو يفضي إلى الاستهانة بأنساق اللغة وأعرافها. وفي هذا ما يؤكد أن القصيدة لا تسعى إلى عرض موضوعية عالم، يمكن اقتسامها؛ وإنما تكابد العمق المرن لسؤال ما بكل أصدائه. وهو تقريبا ما يقوله باديو من أن قسما كبيرا من القصيدة «يهدف تحديدا إلى نبذ الموضوع، وإلى أن يكف الفكر عن أن يكون في علاقة بالموضوع»؛ والموضوع في السياق الفلسفي الذي نحن به هو ما يقابل الذات. ويفصل باديو هذا وهو يقارن بين مالارميه ورامبو، فالقصيدة عند الأول عملية طرح بالمعنى الرياضي للكلمة، حيث القصد هو التلفظ بالكائن أو بالفكرة، إلى الحد الذي يتلاشى فيه الموضوع ويتبدد. وعند الثاني هي عملية مخالفة أو إبدال ينزع إلى تذويب الموضوع بتوزيعه الاستعاري اللامتناهي. وهو في تقديري أشبه بالمجموع غير المتناهي في الرياضيات، أي الذي يكون عدد عناصره غير محدود. غير أن هذا لا يسوق إلى القول بـ«لزومية» القصيدة، وكأنها إطلاقا في حالة الفعل اللازم غير المتعدي؛ فمحو الموضوع أو تذويبه، ليس دليلا ولا قرينة على تخل أو عدول شعري عن»القول» أو عن»التفكير»؛ وإنما هو محصلة نزوع إلى تسمية «ما هو كما هو». والمقصود هذا الكائن أو هذا الكون أو هذا الوجود الذي يتعذر حده عند باديو، إلا انطلاقا من فرضية طرحية، بالمعنى الرياضي كما سلف؛ أو إخراج شيء من شيء. وفي هذا المستوى أي النزوع أو التوق والطموح، تتميز القصيدة عن الفلسفة من حيث هي بعبارته «تفكير في الفكر» أو هي «فكر الفكر»؛ على حين أن القصيدة تلوح من حيث هي»فكر في حالة فعل» أو «فكر محسوس». وبعبارة أخرى لعلها أقل تعقيدا فإن الفلسفة إنما تعضدها الرغبة في تفكير شيء ما حتى لو كان الفكر نفسه، وأما القصيدة فتفكر هذا الشيء حتى يكون شيئا ما. ويتمثل في هذا السياق بقصيدة لألفارو دو كامبوس يمكن نعتها بـ«الرعوية»: «أن لا تفكر في شيء، فيعني أن روحك هي لك كاملة/ أن لا تفكر في شيء، فمعناه أنك تعيش عميقا مد الحياة وجزرها».
ما أختتم به هذا المقال/العرض هو ما ترسخ لديّ من أن ما تفكر فيه القصيدة هو «قصيدة الكون التواجدية» تلك التي لا تصور الشيء أو تشهد له وحسب، وإنما تتوق إلى أن تكون الشيء نفسه الذي تستدعيه أو تستلهمه. وكأن من أبرز وظائف الشعر أن يعيد إلينا وعي الأشياء وعيا كليا، ويبعث زمنا جديدا من الكتابة، زمن ما قبل اللغة، حيث كانت علاماتنا أشياء. ومن ثمة كانت مطلقة، ولكن المسافة بين العلامة والشيء، تم قطعها. ونعني الشيء الذي لا تنتظمه أي موضوعية، على نحو ما نجد عند تراكل «ثمة ضوء ما أطفأته الريح». لعلها إذن الكتابة التي تحاول أن تحوز خصائص الشيء نفسه، أو شعرية بنيته لا محتواه، في سياق من دلالاته تعزيز التسمية وتقوية الإحساس بها أو تكثيفه؛ بكل ما يمكن أن تفضي إليه التسمية من تثبيت الوجود وسد ثغراته ومهاويه.
٭ كاتب من تونس