لندن – “القدس العربي”:
عادة ما تمنى الرؤساء الأمريكيون تجاهل الشرق الأوسط ومشاكله، إلا أن الرئيس دونالد ترامب تجاوز الأمنيات إلى توقع الناخبين لمكافأته على قراره سحب القوات الأمريكية من سوريا، وهو القرار الذي خلق حالة فوضوية في شمال- شرق سوريا وشجبا واسعا له من أنصاره الجمهوريين وخصومه الديمقراطيين.
وترى مجلة “بوليتكو” في مقال أعده ناحال توسي أن مقامرة الرئيس ترامب تقوم على دعم أنصاره لمدخله القائم على “إلى الجحيم لهذه المنطقة المتقلبة من العالم”. وهو موقف فيه مخاطرة قد يأتي ليلاحق الرئيس في انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، لكن الرئيس الذي يواجه فيضانا من الشجب قدم صورة عن رجل غير نادم على قراره.
وقال في تغريدة: “البعض يريد القتال إلى جانب هذا الطرف أو ذاك، دعهم”، وقال: “نحن نراقب الوضع عن كثب، حروب لا نهائية“. كل هذا بعد أن أعطى الرئيس الضوء الأخضر للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مكالمة بينهما يوم السادس من تشرين الأول (أكتوبر) الحالي للهجوم على المناطق الكردية، مما دفع قوات الحماية الكردية لفتح الباب أمام قوات النظام السوري الدخول إلى البلدات التي تسيطر عليها.
وأشارت تقارير لهروب عدد من سجناء تنظيم الدولة من المعتقلات التي يديرها الأكراد. ويقول توسي إن الجمهوريين كانوا لاذعين في تقييمهم لما حدث من انحراف في السياسة الخارجية الأمريكية، ووصفوا التحرك بأنه “مثير للمرض” و”كارثة”، فيما حذره المدافعون الأشداء عنه مثل السيناتور عن نورث كارولينا ليندزي غراهام، وزعيم الغالبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، بأنه تنازل لتركيا وخان الأكراد وخلق فراغا في السلطة سارعت روسيا لملئه وستحاول بقايا تنظيم الدولة الاستفادة منه أيضا.
وفي محاولة لتصحيح خطئه، قام يوم الإثنين بفرض عقوبات على تركيا لردعها عن مواصلة عمليتها والتأثير على المكاسب ضد تنظيم الدولة. واستهدفت العقوبات وزراء الدفاع والطاقة والداخلية وشملت رفع قيمة التعرفة الجمركية على الفولاذ التركي. ويواجه ترامب وضعا في الشرق الأوسط يزداد فيه التوتر بين إيران والسعودية، وتعرضت ناقلات النفط في الخليج لضربات. وتتواصل الحرب في اليمن التي خلفت ما تقول الأمم المتحدة إنها أكبر كارثة إنسانية في العالم. وحتى إسرائيل التي يتباهى رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو بعلاقته مع ترامب باتت قلقة من الرئيس.
وبعيدا عن اليمن، فشل ترامب في مفاوضاته مع طالبان وحل المسألة الأفغانية. فسياسة خارجية تقوم على فلسفة “دعهم” فيما يتعلق بالشرق الأوسط هي صورة عن التعلل بالأماني. ولكنها مجرد تخل عن المسؤولية بالنسبة لرئيس يواجه محاكمة في الكونغرس. وعندما كان من سبقه يتردد، يستسلم ويضطر للتعامل مع الشرق الأوسط الذي يعد المصدر الرئيسي للنفط -الذي يعتبر شحم الاقتصاد العالمي- وكذا مصدر الإرهابيين الذين نفذوا هجمات 9/11. فقد وعد باراك أوباما من قبل بخروج القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان، وفاز في عام 2008 بناء على هذه البطاقة ليزيد عدد القوات بعد وصوله إلى البيت الأبيض.
ولكن ترامب ليس مهتما على ما يبدو بالتداعيات العالمية لقراراته. وهو ليس مستعدا على ما يبدو بالالتزام بمفاهيم النخبة داخل الحزب الجمهوري، فتغريداته تعكس الكثير عن مواقفه وطريقته في إدارة الأمور، كما ورد في تغريدة له يوم الإثنين: “أي شخص يريد مساعدة سوريا في حماية الأكراد أمر جيد بالنسبة لي، سواء كانت روسيا أم الصين أو حتى نابليون بونابرت”.
54% من الجمهوريين يدعمون قرار ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا، مقارنة مع نسبة 60% من الديمقراطيين الذين يعارضونه
وقد يكون ترامب محقا، فاستطلاع بوليتكو – مورنينغ كوسلت يكشف أن 54% من الجمهوريين يدعمون قرار ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا، مقارنة مع نسبة 60% من الديمقراطيين الذين يعارضونه. ويقول والي ناصر، المحلل في شؤون الشرق الأوسط وجنوب آسيا: “هناك منطق عميق لرسالته” و”لكن هذا المبرر مرعب لأنه يفعل الكثير من الأمور في وقت واحد”. وبالتأكيد سيكون لقرار ترامب الخروج من شمال- شرق سوريا حضور في نقاشات الحزب الجمهوري ويجد موقفه صدى بين المرشحين المحتملين مثل تولسي غابارد وإليزابيث وارن وبيرني ساندرز ممن لا يريدون تورطا جديدا في نزاعات الشرق الأوسط.
إلا أن ترامب لم يكن متسقا في قراراته؛ فمع أنه ترك الجنود الأمريكيين يغادرون قواعدهم بدون تنظيم من سوريا، كان يرسل آلافا آخرين لحماية السعودية من خطر إيران.
ومثل غيره من الرؤساء، قد يجد ترامب سهولة للقول إنه أخرج القوات الأمريكية من حروب الشرق الأوسط السخيفة، لكنه سيضطر مثل أوباما للتدخل حالة أعاد تنظيم الدولة نفسه وسيطر على مناطق جديدة.
وفي الوقت الذي هدد فيه تركيا بأنه سيعاقبها إن هددت أي مكسب ضد تنظيم الدولة، إلا أنه تباهى بالقول إن سجناء التنظيم أصبحوا الآن مسؤولية تركيا وأوروبا، بل واقترح ترامب أن الأكراد قد يحاولون إطلاق سراح بعض المقاتلين الذين يسهل على تركيا أو الدول الأوروبية القبض عليهم.
مع أن ترامب ليس قارئا جيدا للتاريخ إلا أن حدسه يقوم على أرضية جيدة، فكل الرؤساء الذين سبقوه تورطوا في الشرق الاوسط ولم يساعدهم هذا التورط سياسيا
ومع أن ترامب ليس قارئا جيدا للتاريخ إلا أن حدسه يقوم على أرضية جيدة، فكل الرؤساء الذين سبقوه تورطوا في الشرق الأوسط ولم يساعدهم هذا التورط سياسيا. فجيمي كارتر الذي كان عراب اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل خسر الانتخابات بسبب المحاولة الفاشلة لإنقاذ الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران. وواجه رونالد ريغان عملية المارينز في بيروت وفضيحة إيران- كونترا ولكنه حصل على تقدير بسبب ضعف الاتحاد السوفييتي السابق الذي أدى لصعود حركة طالبان والقاعدة. ونال جورج هيربرت بوش الثناء على إخراج صدام حسين من الكويت إلا أن وضع القوات الأمريكية في السعودية أدى لاحقا لهجمات القاعدة. ولم يساعده النصر على صدام للفوز مرة ثانية في الانتخابات. وحاول بيل كلينتون حل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني لكنه فشل كما فشل في القبض على ابن لادن. واستنزف جورج دبليو بوش جهوده في محاربة القاعدة والحربين في أفغانستان والعراق.
ولكن باراك أوباما يعتبر مشابها لترامب عندما يتعلق بالخوف من الشرق الأوسط. فقد تعهد أوباما بوقف الحروب الغبية في الشرق الأوسط وتفكيك العلاقة معه والتركيز على الصين، لكنه غادر البيت الأبيض وهناك آلاف من الجنود الأمريكيين في العراق وأفغانستان. ولم يكن أوباما منسجما أيضا فقد تدخل في ليبيا ولكنه تردد في سوريا، حتى بعد استخدام نظام الأسد السلاح الكيماوي، الخط الأحمر الذي رسمه.
وفي الوقت الحالي لا يوجد ما يشير إلى أن المقامرة في سوريا ستضعف موقف ترامب ودعمه بين الجمهوريين الذين يريدون حمايته من المحاكمة. ولم يهاجمه أعضاء الكونغرس بالاسم بسبب قراره. وقد يكون قراره مفيدا للديمقراطيين الذين يحاولون هزيمته. والشخص الوحيد الذي يعرف بسوريا هو جوزيف بايدن، نائب الرئيس أوباما. واكتفى بايدن وبقية المرشحين المحتملين باتهام ترامب بخيانة الأكراد.