على عكس قول الحكيم زرادشت: «إني لن أعود إليكم إلا عندما تكونون قد أنكرتموني جميعا» (هكذا تكلم زرادشت)، لم يقدر أحدٌ من قراء نيتشه (1844-1900) على إنكار دور أفكار هذا الفيلسوف في تفعيل المشهد الفلسفي العالمي على مدار قرن كامل، حيث ظلت أعمالُه أفقًا للجدل الفكري لا تغيب عنه الشمس، وظلت معها دعوتُه التي ختم بها مقدمة كتابه «الفجر» ذات صدى يتردد على الأذهان: «أيها الأصدقاء الصبورون… تعلموا أن تقرؤوني جيدًا». ويبدو أن هذه الدعوةَ قد حفزت المترجم الفرنسي غِيوم ميتايِيه لأنْ يجمع أعمالَ نيتشه الشعرية الكاملة ويُصدرها مترجمةً إلى الفرنسية عن دار «لي بال ليتر» في باريس، وغايته من كل ذلك هي تحقيقُ فهمٍ أفضلَ لمكانة الشعر في تأمله الفلسفي ولمكانة الفلسفة في تأمله الشعري.
ضمت هذه المدونة الشعرية (وقد ورد كل نص منها باللغة الألمانية وباللغة الفرنسية) قصائدَ نيتشه الشبابية، ومجموعة من الأناشيد والألغاز المقفاةِ والأغاني والحكم والأمثال، التي كان كتبها كلها خلال الفترة الممتدة بين 1854 و1888، وكان حريصا في فترة شبابه على كتابة قصيدة كل مساء. وهي نصوصٌ تتعاضد جميعًا لتُساعد قارئها على تبين قيمة الشعر لدى نيتشه، وتكشف عن مراجعه الفنية الألمانية والأوروبية، وقد تفيد أيضا في معرفة طبيعة الصناعة الشعرية لديه، ومدى تضمن أشعاره لأفكاره الفلسفية التي سيعلن عنها في كتبه، وقد تُجيب أيضًا عن سبب إهمال النقاد دراسة َشعره. وقد صرح مترجم هذه الأعمال الشعرية الكاملة في أحد حواراته، بأن من شأن هذه الترجمة أن تساعد على فهم الكتابة الشعرية لنيتشه بشكل أفضل، وعلى الوقوف فيها على مكانة الشعر في عمله كفيلسوف، وفي التاريخ الأدبي لأوروبا. وهو أمرٌ يجوز معه القول بأن في هذه القصائد يوجد نيتشه آخر واعٍ بقيمة الشعر في التعبير عن مراغبه الفكرية، بل وفي رفدِ مواقفه الفلسفية من حضارة عصره.
ولم يُخفِ المترجم غِيوم ميتايِيه حجم الجهد الذي بذله وهو يجمع نصوص نيتشه من مجلات وكتب عديدة مثل مجلة «الدراسات النيتشوية» في ألمانيا، إضافة إلى الأعمال الكاملة لنيتشه التي حققها الباحثان الإيطاليان جورجيو كوللي ومازينو مونتيناري، ثم يقارن بين نسخ كل قصيدة بتلك المصادر، ويدققها، ثم يترجمها ترجمة حرص فيها على أن يحافظ ضمنها على «شعرية» كل نص، بدون السماح بطغيان البُعدِ الفلسفي عليه، ومن ثمة أمكن له أن يضمن لكل قصيدة سياقها الجمالي، وأبرز أيضا التفرد الشعري لنيتشه، وهو تفرد فيه من الثورة على تقاليد الكتابة الشعرية ما يُضاهي ثورته على الفكر الفلسفي في زمنه، لا بل إن النص الشعري النيتشوي لا يُخفي قيامَه على بعديْن متضافريْن: فلسفي وشاعري، أي فكري وجمالي، وهما بُعدان يُحيلان معًا على حرص نيتشه على أن يكون شاعرًا لا يشبه الشعراء، شاعرًا يذهب في بناء صورته الشعرية إلى أقصى حدود ممكناتها، فالشعر بالنسبة إليه حالة وجودٍ مليئة بالمشقة الفكرية والجسدية، يمتلئ فيها المبدع بالكون ويفيض عليه، وبذلك لا تراه يركن إلى بساطة الصور وسلاسة اللغة، وإنما يظل يبحث دوما عن تجاوز ذاته في نصه، وتجاوز ما يظهر من العالم صوب ما يتخفى فيه، وهو ما ظل يُذكرنا به في كتابه «الفجر» في قوله: «أقدمتُ على هذا الأمر الذي لا يمكن أن يقوم به أي كان: نزلتُ إلى الأعماق: أخذتُ أحفر المنافذَ في القَعْرِ، بدأتُ أتفحصُ يقينًا قديمًا وأزعزعُه». إن الكتابة الشعرية بالنسبة إلى نيتشه هي محوُ السائد من نُظُمِ الكتابة وأخلاقها الفنية، وهي بذلك جهد جبار يحضر فيه الفكر ويحضر فيه الجسد حضور الفاعلية على حد قوله: «أنا لا أكتب بيدي فقط، رجلي أيضا ترغب دوما في أن تكتب. إنها حرة وشجاعة، وتريد أن تكون فاعلة في النص، حيث تكتب مرة بمشيِها في الحقول وتكتب مرة أخرى على الورق». وربما بسبب هذا الوعي الشعري الطامح إلى الحياة، سخر نيتشه من شعراء زمنه إذْ أن «أفضل ما يوجد في أشعارهم هو قليل من الشهوة وقليل من الضجر»، ولذلك لا تراهم إلا وهم «يعكرون جداولهم بقذاراتهم ليوهموا الناس بأنها عميقة».
وفي هذا السياق، نذكر أن بعضا من قصائد نيتشه قد ترجمت إلى العربية وصدرت عن دار الجمل في كتاب بعنوان «ديوان نيتشه» بفضل جهود المترجم محمد بن صالح، الذي ذكر في مقدمة ترجمته أن أول قصيدة كتبها نيتشه كانت سنة 1858، وتركها بلا عنوان، وجاء في مطلعها قوله: «مرآة هي الحياة، ذواتَنا فيها نرى، لذلك ندعوها بالرغبة الأولى، عن التطلع إليها لا ننقطع»، وكان آخر ما كتب نيتشه هو قصيدة عن الماء سنة 1888، وجاء في نهايتها قوله: «يركض… كالمجنون لا يعلم أين».
ومن هذا الديوان المعربِ نعرض على القارئ قصيدة بعنوان «بلا موطن»:
(حملتني الخيول السريعة
بلا ارتباك، بلا وجل
نحو أبعادٍ فسيحة
ومَن رآني عرفني
ومَن عرفني سماني السيد بلا وطن.
فكن جريئا، وكن قُدامي
ولا تخذلني
أيها النجمُ البراق، يا حظي!
فلا يتجرأن عليّ أحد
بعد هذا فيسألني أين يوجد موطني،
أبدا ما كنتُ مرتبطا بالأمكنة أو الساعات الهاربة
مثلما النسر حر أنا
فكنْ جريئا، وكُن قُدامي
ولا تخذلني
يا شهر أيار الأنيق، يا حظي!
أيكون الفناء عليّ حقا؟
أعَلَي أنْ أُقبل الموتَ العنيفَ؟
ذلك ما بالكاد أقْبَله
أَعَليّ أن أدخل اللحد والكف عن الشرب إطلاقا؟
فكن جريئا، وكن قُدامي
ولا تخذلني
يا حُلُما تعددت ألوانُه، يا حظي).