كلُنا “فانز” تحت سماء الثقافة البصريّة الأمريكيّة تحالف آثم ضد العالم المُعاصر

حجم الخط
2

أطلقت “مارفيل ستوديوهاتها” لإنتاج الأفلام والمسلسلات عام 1996. كان ذلك في خضّم وقت تراجِع شعبيّة مطبوعات  الكوميكس عن الأبطال الخارقين والتي كانت مصدر دخلها الأساس، بينما لم يتوفر لدى شركات الإنتاج الأمريكيّة الكبرى في هوليوود أي اهتمام يذكر بدّخول مغامرات إنتاج غير مضمونة العواقب لشخصيات مثل “آيرون مان” أو “دير ديفل”، رغم محاولات “مارفيل” المتكررة.
ولذا كان قرار ها باقتحام عالم الإنتاج السينمائي والتلفزيوني عبر تأسيس ذراع متخصصة استهلكت عشرات الملايين من الدّولارات، وكادت تدفع الشركة بأكملها إلى الإفلاس قبل أن يكسر فيلم “آيرون مان” عام 2008 كل التوقعات، ويحقق أكثر من نصف مليار دولار في مبيعات شباك التذاكر.
وحتى وقتها، لم يكن اختيار آيرون مان مقصوداً لذاته أو لوجود قاعدة متابعين متسعة بقدر ما كان تنسيباً من الشركة المهيمنة على ملكيّة استوديوهات مارفيل تلك الفترة، والتي وجدت في تلك الشخصيّة فرصة جيّدة للتربيط مع قسم الألعاب داخل الشركة، الذي كان يبحث عن شخصيّات لإنتاج نماذج دمى بلاستيكيّة منها. ذلك النجاح الماديّ المبهر لـ”آيرون مان” فتح أعين الشركات الكبرى على وعد الإمكانات الهائلة التي يمكن أن تحملها “مارفيل”، لتُباع الأخيرة بعد أقل من عام لشركة “ديزني” بـ 4 مليارات دولار، التي حصدت أضعاف هذا الثمن عدة مرّات خلال العشرة سنوات الماضية، وكان آخرها فيلم “الأفينجرز”، إذ جلب خلال أسبوعين فقط من إطلاقه 2 مليار دولار.

العالم ما قبل “آيرون مان” وما بعده

لم يكن فيلم “آيرون مان” استثنائياً على نحو خاص. واعتبره النّقاد التقليديون عملاً تجارياً محضاً يستهدف فئة محدودة من المراهقين، ودون أفق. لكن الحقيقة أن الشريط كان نقطة تحوّل كبرى في تاريخ إستهلاك منتجات الثقافة البصريّة الشعبيّة داخل الولايات المتحدة، إذ ما لبث وأصبح مركز اهتمام واستقطاب لمجموعة مشاهدين مُوالين ضخمة (“الفانز” أو مجموعات المعجبين) الذين كانوا متعطشين للمزيد من السرديّات والمغامرات عن شخصية بطلهم المحبوب.
لقد اكتشفت هوليوود حينها خدعة الفرانشايز: حيث لا يُعد أيّ تفصيل في الحكاية أو أي من حلقاتها التلفزيونيّة أو شرائطها السينمائيّة مهمة بحد ذاتها بقدر ما هي جزء في سياق متلاحق من الأعمال المتتالية التي تستهدف البيع المربح المتكرر لذات القاعدة من المشاهدين الموالين – أو ما يعرف شعبياً مجموعات الفانز – ويمكن أن تستمر لعقد أو أكثر من الزّمان.
منذ يومها لم تعد هوليوود معنية كثيراً بابتداع شخصيّات جديدة أو تقديم قصص مؤثرة فنيّاً أو تجريبياً قدر اهتمامها ببناء سلاسل من الـ”فرانشايزات” المتوازية لضمان أكبر تدّفق نقدي ممكن.
ولعل نظرة سريعة على منتجات عام 1996 تؤكد ذلك، إذ أن أهمها كانت أفلاماً إنسانيّة مرحة وشديدة التنوع، وتحتفي بالعنف الهائل وبالمخلوقات الفضائيّة وتركز على الأبطال البشريين كما في مهمّة مستحيلة، يوم الإستقلال، جيري ماغواير وغيرها. بينما كانت منتجات العام الماضي الكبرى أعمالاً مجترّة من “فرانشايزات” قديمة: أفينجرز – المنتقمون – وقصة لعبة، وكابتن مارفيل، والرّجل العنكبوت. وأحياناً بطاقم التّمثيل الأساسي ذاته للإنتاجات السالفة.
وتسابق أصحاب الأعمال التي كانت نجحت في العشرين سنة الأخيرة لمحاولة إعادة إحيائها وهي رميم. ولذا فهناك الآن عمل جديد يعتمد على سلسلة “بريكينغ باد” المنتهية، كما منتج آخر حديث متوقع ليكمل ثلاثيّة “ماتريكس” المعروفة، والتي طالما رفض أصحابها إعادة فتح ملفها من جديد، وأيضا عمل يراد له أن يكون امتداداً للمسلسل الشّهير “سوبرانوز” على الرّغم من أن الممثل الذي لعب دور البطولة فيه توفيّ منذ عدة سنوات، وغيرها.

شركاء في الوليمة – الجريمة
الممتدة: الصحافة

هوليوود بالطّبع لم تكن لتنجح في بناء سلاسل الاجترار المتكرر هذه لولا تحالفها مع ظاهرة صحافة (الفانز) الموازية، والتي تسببت الشبكة العنكبوتيّة في تشظيها وانتشارها نحو أعداد هائلة من المتابعين، إضافة إلى بناء شبكات إنتاج متكامل لا يكون الشريط السينمائيّ أو المسلسل التلفزيونيّ فيها سوى واجهة خارجيّة برّاقة لمجموعات منتجات عريضة: كتباً ومجلات وألعاب فيديو ودمى ومنتجات استهلاكيّة وحقائب مدرسيّة وأغنيّات وهدايا وإكسسوارات وملابس وما إلى ذلك، تتلاقى جميعها للضغط العاطفيّ الشديد على المتابعين بحيث يقعوا في حفرة التحوّل إلى (فانز) موالين دائمين. أي أفراد مصابين بداء الشهيّة المفرطة للمزيد من الأعمال عن ذات الشخصيّة المحبوبة والاستعراض بشأنها مع الآخرين – لا سيّما عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ – والاستهلاك المكثّف للمواد المكتوبة والمرئيّة والماديّة المتعلقة بها.
خذ مثلاً “لعبة صراع العروش”، أحد المواقع الإعلاميّة المعنيّة بالأفلام والمسلسلات على الإنترنت نشر 797 مادة عنه، بينما نشر بدوره موقع آخر أكثر من 70 مقالاً قبل عرض حلقات الموسم الجديد، وسبعين مثلها بعد إطلاق الشريط الترويجي وقبل الشروع الفعلي في عرض الحلقات. وليس الأمر مقتصراً على الإنترنت، إذ أن صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكيّة كتبت حوالي 2500 مادة عن المسلسل ذاته عبر مراحله المختلفة. هذا بالطبع خلا آلاف “البودكاستات” (التسجيلات الصوتيّة على الإنترنت) وأفلام اليوتيوب التي غصت بها منصات المؤثرين والناقدين الإلكترونيين.

تحالف آثم ضد العالم المعاصر

لكن هذا التشارك الآثم بين هوليوود والصّحافة والصّناعة لسحب أموال الجمهور مرّة بعد مرّة من خلال التّرويج لـ(لفيرنتشايزات) تترتب عليه مصائب كبيرة للمجتمعات المعاصرة، ولا يبدو رأس المال المُعولم معنياً بها على الإطلاق.
فالصّحافة على تنوع قنواتها مطبوعة ومسموعة ومرئية وسيبيريّة فقدت حس الانتقاد المتوازن للأعمال الفنيّة، وتحولت إلى ما يشبه متحدثاً باسم مجموعات الفانز، وموزعاً للمواد المخدّرة التي يريدونها بشدّة لحين صدور الموسم أو الفيلم المقبل، وتنشر بكثافة غير معهودة هباءات ومقالات طوالاً عن الصغيرة قبل الكبيرة المتعلقة بها، بينما تتولى الصناعات الموازية إنتاج كم هائل من المواد المخصصة للاستهلاك حولها في كل مكان قد تصل إليه أعين الفانز، ناهيك عن التواجد المكثّف على منصات التواصل الاجتماعي حتى يعلقوا تماماً.
وبما أن هذه الأنشطة المتكاملة تجري داخل إطار جماهيري معولم، وفي ظل هيمنة متزايدة للثقافة الأمريكيّة على العالم، فإن مفهوم الفانز نفسه تغيّر من ذلك المُشاهد-الاستثناء المولع بمادة نادرة خاصة، إلى المُشاهد العام المولع بمُنتج مُعمم ومعولم. والصعوبة صارت بالتالي، ليست في قدرة الفانز على التعايش مع الآخرين غير المهتمين بالمنتج الفنيّ (سينما أو تلفزيوناً) بقدر ما تتعلق بقدرة غير المهتمين على التعايش مع بيئة تبدو بشكل متزايد مغلقة عليهم وتشعرهم دوماً بالانعزال عمّا حولهم، وربما التوجس من فقدان الصلّة بصيغ ثقافة العصر السائدة إن هم لم يشاهدوا ذلك العمل.
ولا شكّ أن كثيرين منّا قد راودهم هذا الشعور الخانق وقتما كان مسلسل لعبة العروش طازجاً تحلّقت الملايين حوله عبر العالم، واختار البعض تجنبه لأسبابهم المختلفة، لينتهوا بشعور شاهق من النّدم، وربما محاولات للحاق بالركب عبر مشاهدة مواسم عدّة خلال أيّام قليلة على حساب إجازاتهم وعائلاتهم حتى يركبوا موجة العصرنة القاتلة.

نموذج عمل هوليوود الحالي

ولعل الأخطر من ذلك أن ماكينة إنتاج الثقافة البصريّة العالميّة الأكبر في العالم – هوليوود – وبعد أن صار مقياسها حجم “الفرنتشايز” الممكن في العمل لعقد مقبل على الأقل، تحوّلت إلى مؤسسة محافظة تعيد تقديم ذات القصص المخصصة لذوي الثقافة المحدودة والمراهقين والعائلات، وفقدت أي حافزيّة للاستثمار في إنتاج أعمال سينمائيّة أو تلفزيونيّة ذات مضمون حقيقيّ، أو تقديم أعمال تجريبيّة ترتقي بذوق المشاهد، أو حتى أن تفتح الباب أمام أفكار فنيّة جديدة لا يمكن مطّها على مواسم كثيرة أو إطلاقها في عدّة أجزاء متلاحقة – الأمر الذي يفسر جزئياً نجاح الأسواق الصغيرة مثل السويد وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا في تقديم أعمال مثيرة للاهتمام، وإن على نطاقات أضيق من قدرة آلة التسويق الهوليووديّة الضخمة.
لقد كسبت مارفيل نفسها، وأغرقت جيوب مساهميها بالدولارات، لكنها خسرت العالم، ودّمرت في طريقها الإمكانات اللانهائية لفنون التلفزيون والسينما والسّرد على مدّ النظر، وفي كل بقعة يمتد إليها ظل الثقافة الاستهلاكيّة الأمريكيّة القاتم.

إعلامية وكاتبة لبنانية بريطانية – لندن

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية