في سرد من التداعي يبدأ ولا ينتهي إلا بانتهاء الرواية، عبر حكي متصل بين اثنتين تتكلمان عن حياة عائلة كاملة، الأولى تروي الحوادث بكلمات عامية حيناً وبفصحى أخرى، والثانية تسمع حيناً وتختفي حينا، والقصة تروى وتروى ولا تتوقف إلا في النهاية، والحقيقة هي لا يوجد سوى واحدة، تروي بصوت عال، وبقلب متعاطف حميم، عن عائلة تعيش في بغداد قبل وأثناء الحرب العالمية الأولى، ولا تتوقف بتوقف الحرب، بل تستمر في السرد والروي، لتمر في لمحات عن الاحتلال الإنكليزي، والانسحاب العثماني والحكومة الوطنية ومن يعيش في بغداد، ومن يخرج من القبور، غنياً كان أو فقيرا، مسيحياً كان أم يهودياً أم مسلما، تعبر عن الجميع، وتروي عنهم لمحات سريعة أحياناً، وأحياناً أخرى تفصيلات لا غنى عنها.
شخصيات لا لها أول وليس لها تالٍ، اجتمعت، تناثرت، ثم بدأت أخبارها تمثل حروفاً وكلمات وعبارات في كتاب أطلق عليه رواية، وليس برواية، أو قصة، وليس بقصة، ربما أشبه بلمحات طارت وتفرقت وجمعتها ريح شديدة لتلتم وتتجمع على شكل ملحمة لا تنتهي اتخذت اسم رواية. إنها أشبه بقرص خبز كبير محمص شهي كبير يدور أمامك بسرعة هائلة كما يدور الزمن وأنت جوعان، وتستطيع نتف شيء من هذا القرص لتسد به جوعك، ولضخامة القرص وسرعة دورانه لا تحس بأنك ثلمته، فتستمر على الثلم والمضغ والابتلاع حتى تشبع، لكن ماذا ثلمت وماذا أكلت فأنت لا تراه ولا تخبر حقيقته.
عائلة بغدادية ارستقراطية، عندها ثلاث بنات جميلات، ترفض تزويجهن لغير بغدادي، ولم تتزوج سوى واحدة، فتنتهي أسطورتها بنهاية غناها وتمزق شرف الأسرة، حيث تمتهن الكبرى البغاء ثم تقتل، وتهرب الصغرى مع محب وتختفي هي وإياه، من دون ورود أي خبر منهما، كأنهما حلم خطر وانتهى، وتنتهي الأصوات الأخرى، فالابن الضابط العثماني يتلاشى مع نياشينه وألقابه ومناصبه، والأب التاجر يموت، والابن الثاني الذي ترك الدراسة ينتحر.
مجتمعات تتهاوى وأخرى تنهض على أنقاضها، والراوي كريم متعاطف مع الضحايا، وثقافته غير محدودة، وذكرياته تاريخية، تظهر من خلال «موسيقى ورقص أفريقي وأصوات تنبعث من حيطان الأيوان، وترجع إلى زمن سحيق وشيئاً فشيئاً، تتحول حديقة الدار الوسطى إلى غابة رطبة وتتحول النخلة إلى شجرة موز، رجال يُصطادون بمفخخات حديد ويباعون في البصرة، أصوات وجلبة زعيق في جموع لا أول ولا آخر لها، يأتون للحج، فيبيعهم زعيم قبيلتهم بثمن بخس ويرجع ويتركهم، ثم ينتهون في حقول وأراض شاسعة تزرع أرزاً وقمحاً لغسل أملاحها بعد الرّي المتكرر، حتى ينهض بعد ردح من الزمن من يملأ رؤوسهم بشعارات الحرية والتحرر والانتقام، وينمي عندهم روح التمرد، فيسيطرون على كل شيء، الحقول، والأسواق، والتجارة والحقول، ويصبحون هم الكل في الكل، ليخطوا في صفحة الزمن تاريخ ثورة الزنج، لكنهم لم يستفيدوا من التاريخ قط، فيصبح عبد الماضي سيد اليوم، ويرث قسوة وظلم وتعدي وجور سيده، ويضيف إليه ويتفنن به ليخلق طبقة أخرى من الحاقدين، لتتكرر الأخطاء والمآسي، فتنمو بذور ثورة جديدة ثم أخرى حتى نصل إلى هذا العهد المؤلم نتيجة لتعقيد الماضي، في سلسة لا تنتهي حتى تبدأ من جديد.
تصف الرواية النزاع بين أفراد الشعب على ما سمي حينه «المشروطية» وهي أول دستور فيه مواد ديمقراطية يستفيد منها الشعب، وموقف المثقفين منه «الرصافي مثلاً».
من هذا التاريخ ينبلج الحاضر المتشابك، ولعل هذا المقطع يرينا كيف احتضرت طبقة العبيد في بغداد، فهو يصف كيف عمل صغيران أسودان في بيت من بيوت بغداد الارستقراطية، «لم يكن يوماً عاديا حين قدم حجي مصطاف من البصرة وهو يصطحب معه مرجان بعمر عشر سنوات، يرتدي سروالاً فضفاضاً وقميصاً مع «يلك» مذهب بألوان زاهية لم تعتد حسيبة خاتون أن ترى الأولاد في بغداد يرتدونها وبصحبته طفلة في عمر مقارب تدعى كتيكي، وهما لا يفقهان من العربية شيئاً. قال جئتك بولد وبنت هدية من آل سعدون لي، عند زيارتي لهم في الزبير سوف يساعدانك في أمور البيت. أحبت الصغيرين كأنهما ولداها، احتضنتهما، وأخذتهما للحمام، بعد أن حممت البنت أولاً ومشطت شعرها الذي كان يبدو كأنه عش لقلق وعملت منه ضفائر صغيرة، ربما جاوزت العشر، وعلقت في نهاياتها خرزا زرقاء وحمراء، ألبستها ثيابا نظيفة وقبلتها وأمرتها أن تجلس أمام مهد بدرية تهزه كلما أخذت بالبكاء، كان هذا هو عملها الأول، ثم علمتها التنظيف والطبخ والأصول، وكل شيء تحتاجه البنت البغدادية، حتى غدت أحسن من أي خاتون في بغداد، أما مرجان فتركت أمره لحجي مصطاف زوجها.
وتشاء الأقدار ان تشهد كتيتي ومرجان تطور حياة الأسرة كلها، أفراحها ومآسيها، فهي قصة الحاج مصطاف، ذلك المكافح الكريم الشهم، الذي تعلم صنعة المعجنات بصعوبة نادرة، من خلال مراقبة العمال الأتراك، وحين أتقنها افتتح محلاً مستقلاً غير بعيد، ولكرمه وتسامحه ازدادت سمعته رسوخاً وانتشاراً، وأصبح أشهر بائع حلويات في بغداد، وأثناء الحرب العالمية الأولى ازداد الغلاء واستفحل حتى أخذ البعض يخطف الأطفال، ويذبحهم لكن مصطافاً وحده كان يعطي بعض الفقراء كل يوم إلى أن أصبح واحداً منهم، حتى قتله همه وشيع ليجري وراء جنازته الفقراء الذين يعطف عليهم وحده.
يبدو واضحاً في الرواية تآخي لا المسلمين بطوائفهم حسب، بل جميع الأديان، فإحدى البنتين تحب يهودياً لكنه لا يجاريها خوف الذبح، والثانية تحب مسيحياً لا يرويها غيره، لكنهما لم يضفرا بمن يعشقانه، ليعيشا لوعة الحب والفراق إلى الأبد.
إن ذاكرة المؤلفة غنية بالأشعار الشعبية والأغاني المشهورة ويمكن اعتبارها مرجعاً محترماً، فهي تذكر الأغنية وتشرح معناها لمن سمعها ولم يفقهها، لأن فيها كلمات صعبة على المتلقي المثقف الآن.
علّو تخت حبي يا أهل الكهاوي. يالولد ويلي
واش وكّع الفنجان منك يا غاوي. يا لولد ويلي.
أو: لاركض وراهم حافي وعبيتي على جتافي
وشوفه من الأسمر كاف سواها بيّ سلمان.
أما أغنية: جلجل عليّ الرمان نومي فزعلي
فتقص كيف سقط العراق تحت احتلال العثمانيين، الذين يوصفون بالحمر أو الأحمر حسب رايتهم الحمراء، وتكنيهم الأغنية بالرمان، وكيف جاء الإنكليز «الصفر يعني الشقر» ليفزعوا «»لينجدوا الشعب» ويخلصونه من الأتراك.
تصف الرواية النزاع بين أفراد الشعب على ما سمي حينه «المشروطية» وهي أول دستور فيه مواد ديمقراطية يستفيد منها الشعب، وموقف المثقفين منه «الرصافي مثلاً».
منعطف الصابونجية بانوراما تمثل بغداد القديمة ومصائر أهلها فهذا هارب، وهذا دجال، وهذا لص، إضافة إلى العساكر والعمال والبحارة والمهنيين، وقلما تشاهد رواية صغيرة كهذه، تعج بمئات الشخصيات واللوحات مبهجة وحزينة، واستشهادات من الماضي والحاضر، وأمثال معبرة، وحكم خالدة يتناقلها الناس.
فبعد تقلص عمل الماخور أيام الحرب، وحلول الكساد جاء المخاض إحداهن، فأخذت السمسارة تدعو الله ان يكون المولود بنتاً لبيعها مستقبلاً بمئات الدنانير «سوف أعدها وأحضرها عند بلوغها الرابعة عشرة كعروس باكر لأحد البيكات»، اللهم استجب وامنح عطاياك، فترسل إلى الجدة «بنت الهندي»، من منطقة «عزات طوالات».
الولادة عسيرة، والبنات منشغلات بإعداد الماء الحار، والطشت، وعدة الولادة، بينما أخذ قسم منهن يشجعن نورية كي تدفع بالطفل بكل ما أوتيت من قوة: «انفخي وادفعي عضلاتك إلى الأسفل»، لكن نورية تتعرّق وتدخل في إغماءة بين الحين والآخر، ونزل ماء الرأس والطفل ما يزال في مكانه، يرفض الخروج إلى هذه الحياة المشرذمة والبائسة، لكنه يخرج بعد محاولات عدة، مصاحباً بصراخ وزغاريد وبكاء وعهد جديد وأمل قوي وإحباط وصرخة مشبعة بعلامات الموت، فقد انغرس الخنجر في قلب بدرية….
٭ كاتب وروائي من العراق