يودّع المخرج اللبناني بهيج حجيج موضوعات الحرب اللبنانية في فيلمه الروائي الثالث «صباح الخير» بعد أن استغورها في فيلميه الروائيين السابقين «زنّار النّار» و«شتّي يا دني» كما استنطقها في أفلامه الوثائقية الثلاثة وهي «الخط الأخضر» و«بيروت، حوار الأنقاض» و«المخطوفون» ونال عنها جوائز عديدة في مهرجانات عربية وعالمية في وهران وأبو ظبي ومالمو.
يتمحور فيلم «صباح الخير» على شخصين مُسنَّينْ وهما، الجنرال مشرومي «عادل شاهين» الذي يبلغ من العمر ثمانين عامًا، والدكتور غبريال يمين الذي يكبره بثلاث سنوات. وإذا شئنا الدقّة فإن شخصيات الفيلم برمتها تتألف من ثلاثة أجيال تبدأ بالنادلة العشرينية غنوة «مايا داغر»، والصحافي سليم «رودريغ سليمان» الذي يبدو في منتصف الثلاثينات، والمُسنَّين الثمانينيين اللذين بلغا مرحلة «العمر الثالث»، وبدآ يخشيان من مرض الزهايمر أو «الخرف الكهلي»، كما يصفه أهل الاختصاص العلمي.
لا تتوقف ثيمة الفيلم عند مرحلة الشيخوخة، وإنما تتعداها إلى الذاكرتين الفردية والجماعية، الأمر الذي يجعل المُسنَّين حلقة وصل تربط الماضي بالحاضر، وهما يتأملان تحولات الناس والمدينة، ويحاولان قدر الإمكان التفاعل مع الآخرين، كالنادلة والصحافي وبعض روّاد المقهى من كلا الجنسين.
على الرغم من وجود قصة كتبها الروائي رشيد الضعيف بلغة سينمائية، لكي تتحول لاحقًا إلى فيلم روائي، إلاّ أنّ واقع الحال في هذا الفيلم يقول غير ذلك، فليس هناك سوى يوميات وأحداث متفرقة، تكاد تشبه لُعبة «الكلمات المتقاطعة» التي تهيمن على مساحة واسعة من الفيلم، وتغذّيه بالمعطيات الثقافية والفكرية والسياسية، وأكثر من ذلك فإنها تحرّض المتلقي على المُشاركة في الفيلم، وكأنه شخصية فاعلة ينبغي أن تؤدي دورها ولا تكتفي بالتلّقي السلبي. ولو تأملنا النسق السردي لهذا الفيلم لوجدنا فيه تطورًا دراميًا خفيًّا لا يلتقطه إلاّ المتلقي مرهف الإحساس، الذي يفهم دلالات الفيلم ورسائله المتوارية وراء الأغاني والقصائد والنُكَت والكلمات المتقاطعة.

لابد للمتلقي في هذا الفيلم الدرامي والكوميدي أن يُحيط بكل دلالات المُلَح وإشاراتها الخفيّة ولو أخذنا ثلاثة نماذج من النُكت العشر التي وردت في سياق الفيلم، فسوف نكتشف طرافتها وعذوبتها، وخفة ظل راويها. ففي نُكتة أبو العبد الذي ذهب مع ابنه الصغير إلى المخفر، وأخبرهم أنّ زوجته ذهبت إلى المسبح منذ يومين ولم تعد لحد الآن. وحينما طلبوا منه أن يصفها قال: «إنها طويلة، شقراء، ذات عينين خضراوين» فردّ عليه ابنه: «بابا هاي مش ماما» فقال له الأب: «سد بوزك ولك بركي بيجيبونا واحدة غيرها». تبدو إجابة الأب الأخيرة مثل الضربة أو اللحظة التنويرية في قصائد الهايكو اليابانية. وهذا الأمر ينطبق على نُكتة «ممنوع الوقوف» حيث «قال الأول للتاني ممنوع الوقوف هون، قام التاني انبطح». أما النُكتة الثالثة فتقول: «مَرَة سافرت بدْها تعمل ريجيم، بعد أسبوعين اتصلت بزوجها وقالت له صار لي أسبوعين بكلينك الريجيم وفقدتُ نصف وزني، فقال لها: حبيبتي خليلكي بعد أسبوعين». هذه النُكات الطريفة وغيرها تكشف لنا عن شخصية الجنرال المتقاعد، الذي لا يجد حرجًا في القول:»أنا تعذّبت كتير بحياتي من شان هيك بخبِّر نكت»، فالنُكتة بالنسبة إليه وسيلة للتنفيس عن همومه وعذاباته الشخصية، ولا غرابة في أن يستلطفها البعض ويضحك عليها من كل قلبه، بينما يرفضها البعض الآخر أو يستقبلها ببرود.
تتكئ بنية الفيلم على 11 أغنية عربية من بينها أغنية «الحياة الوردية» لإديث بياف، و10 نكات، و5 قصائد، إضافة إلى حلّ عدد كبير من الكلمات المتقاطعة على مدى 16 يومًا، بينها فواصل زمنية لم يُشِر إليها الفيلم. يعتمد النسق السردي للفيلم على ثلاثة مستويات أو مساحات مكانية، حسب توصيف المخرج نفسه، وهي المقهى بوصفه مكانًا داخليًا، والشارع كمكانٍ خارجي، والتلفاز كفضاء ثالث ينفتح على الأحداث المحلية والعربية والعالمية. أما الشخصيات التي سنتعرّف عليها تباعا فتبدأ بالجنرال والدكتور، وتمرّ بالصحافي، والنادلة، وزبائن المقهى الذين بلغ عددهم 26 زبونا، وتنتهي بالكاميرا التي يعُدّها المخرج ضمن شخصيات العمل لأنها ترصد كل شيء وتجعلنا نتفاعل مع أحداث الفيلم ووقائعه المتشعبة.
تتكئ بنية الفيلم على 11 أغنية عربية من بينها أغنية «الحياة الوردية» لإديث بياف، و10 نكات، و5 قصائد، إضافة إلى حلّ عدد كبير من الكلمات المتقاطعة على مدى 16 يومًا، بينها فواصل زمنية لم يُشِر إليها الفيلم.
تقنيًا قطّع المخرج فيلمه إلى 16 مقطعًا على عدد أيام الفيلم غير المتتالية، وقد ظهرت حروف المقاطع متفرقة، ثم سرعان ما تنتظم في كلمات وجمل مُعبّرة، توحي بالمشهد وتدلّ عليه مثل «نحن زَمطنا» التي تعني نجونا أو نفذنا بجلدِنا، و«ليت الشبابَ يعود يومًا»، و«المهم نشغّل ذاكرتنا»، و«ضمير الكون مانو مرتاح»، و«يا ريت كل شي بها الدِني نزلة» وما إلى ذلك من عناوين مدروسة يشكِّل فحواها ثيمة القصة التي تنطوي على تصعيد درامي، إذا ما تتبعنا الخيط الدرامي الخفي، الذي يتوارى خلف الأحداث التي يتذكّرها الشخصان المُسنّان، أو يَريَانها رؤية العين أو يعيشان بعضًا منها، فسقوط الدكتور على أرضية المقهى، هي مرحلة من مراحل التصعيد الدرامي، الذي يبلغ ذروته حينما يتعرض الجنرال لأزمة صحية وهو جالس في المقهى، يرتجف ويهتز ويتعرّق، ثم نُفاجأ برحيله في اليوم الثاني، ليضعنا المخرج أمام سؤال الموت وجدوى الحياة التي يحياها الإنسان قبل أن يرحل إلى الأبدية المغلّفة بالضبابية والغموض.
يؤكد بهيج حجيج على أنَّ فيلمه «صباح الخير» ليس نخبويًا ولا يستهدف الشريحة المثقفة في المجتمع اللبناني، وإنما هو فيلم «عادي» أنجزه لعامة الناس، والدليل أنّ السيناريو مكتوب بالمحكيّة اللبنانية، وهذا صحيح لكن لو تأملنا الفيلم بكل مستوياته وتفاصيله الدقيقة لوجدناه يقول العكس تمامًا، فالأغاني تذكّرنا بالزمن الجميل لنجاة الصغيرة، وصباح، ونجاح سلام، وفريد الأطرش، وألحان سيد درويش، ومحمد عبدالوهاب، وفيلمون وهبة، ومحمد فوزي، فيما تُرجعنا قصيدة «ألا ليتَ الشبابَ يعود يومًا» لأبي العتاهية إلى العصر العباسي، وتأخذنا قصيدة «بيروت» لمحمود درويش التي يصفها بالخيمة الأخيرة، ويطرّزها بأحلى الكلام حين يقول: «بيروت من تعبٍ ومن ذهبٍ، ومن أندلسٍ وشام». وثمة قصيدة للجنرال نفسه كتبها رثاء لصديق وافاه الأجل قبل خمس سنوات يقول في مستهلها: «جفّ دمعي من الألم/ جفّ حبري من القلم»، ويبدو أن الجنرال رثى عددًا من أصدقائه، لكنه لا يعرف أيًّا مِن أصدقائه الشعراء سوف يُرثيه إذا ما فارق الحياة قريبا؟ حتى أسئلة الكلمات المتقاطعة تندرج في الجانب الثقافي لأنها تتمحور حول الموسيقار زرياب، والأخوة لوميير، والشاعر رامبو، وبعض العواصم العالمية مثل، كانبيرا التي يعرفها الصحافي سليم، في ما ظلت «هراري» تُحفِّز» المُشاهدين للبحث عنها في غوغل ومعرفة اسمها، الذي لا يطرق الأسماع إلاّ ما ندر.
يُعدّ الفيلم برمته مرثية للماضي، وللذاكرتين الفردية والجماعية، وللزمن الذي يتغيّر كثيرًا حيث تتقوض البيوت التراثية، وترتفع بدلها الأبراج الخالية من البشر، بتعبير الدكتور الذي ينشّط ذاكرته مع صديقه الجنرال خوفًا من الزهايمر، الذي دهِم زوجته ولم يعد يتركها لوحدها في البيت، خشية عليها من تداعيات هذا المرض. أما زوجة الجنرال التي تعيش في قطر فهي غيورة جدًا، ولا تجد حرجًا في ملاحقته كلما عادت من الدوحة إلى بيروت، لتكتشف أنه «يخبّر الآخرين نُكتًا» فتوبّخه كي يعود إلى رُشده.
لم يشأ المخرج أن ينتقي مقهى تقليديًا يكتظ بالأراجيل وطاولات النرد، وإنما وقع اختياره على مقهىً يرتاده المثقفون والإعلاميون مثل نديم جرجورة، وريم خوري، وماري تيريزا معلوف، وغيدا مجذوب، وعبيدو باشا، وحتى المخرج نفسه، إضافة إلى بعض المتقاعدين مثل الجنرال والدكتور، اللذين قدّمهما المخرج بطريقة راقية تليق بمنزلتهما الاجتماعية، فكل واحد منهما لديه سائقه الخاص، وراتبه التقاعدي الكافي الذي يؤمِّن له عيشًا كريمًا لما تبقّى له من سنوات العمر الثالث الذي يهدده الزهايمر، وتؤرقة السيارات المفخخة التي تتفجر في بيروت وبعض العواصم الأوروبية.
على الرغم من سلاسة الفيلم، وعفوية أداء الممثلين، إلاّ أن قصة الحُب التي نشأت بين غنوة، النادلة المسلمة وسليم، الصحافي المسيحي قد كسرت الإيقاع المتشابه للسردية البصرية، ومنحته فسحة من الفضاء العاطفي الذي يريح المتلقين. إنه فيلم كوميدي بامتياز رغم نهايته المفجعة التي صدمت روّاد المقهى ومُشاهديه في آنٍ.
جدير ذكره أن هذا الفيلم حاز جائزة أفضل إخراج في الدورة التاسعة لمهرجان مالمو للسينما العربية.