الاقتصاد الإسرائيلي… بين العزوف الأمريكي واستيراد الفساد الروسي!

حجم الخط
0

“روز نفط”، شركة نفط لميخائيل غوتيس رايف، تقدمت في العام 2006 لمناقصة دولية لخصخصة مصفاة البترول في أسدود. تقديم العرض الروسي في المناقصة أثار عاصفة. دخل الشاباك إلى الصورة حتى قبل رفع الستار. ووصل الفحص إلى أعلى خيط شركات الصيانة وقوائم أصحابها، كما يبدو، ووصل إلى حيث وصل. فرض الشاباك الفيتو، فغضب الروس وهددوا بمحكمة العدل العليا. وفي النهاية تراجعوا. وبعد مرور سنة، دعا غوتيس رايف أن الكرملين ابتزه لبيع السيطرة على “روز نفط” لرجل بوتين المحلي، اولغ دريفسكا. الإعلان الذي نشره حول ذلك في موقع الإنترنت للشركة اختفى بعد بضع ساعات، وهرب غوتيس رايف إلى لندن و”روز نفط” تم تأميمها.

التصادم الثاني مع المصالح الروسية حدث بعد أربع سنوات، ففي حينه اكتشفت على شواطئ إسرائيل حقول الغاز تمار ولفيتان. خاف الروس من صعود المنافس في تصدير الغاز الاحتكاري لديهم إلى أوروبا. شخصيات كبيرة من غاز بروم تم إرسالهم إلى هنا لتحسس الأمر، وأجروا مفاوضات لشراء غاز تمار. ومن وراء الكواليس حاولوا الحصول على تراخيص تنقيب في المياه الاقتصادية الإسرائيلية. وثمة من وقف ضدهم. “الخوف كان من استيراد فساد، بشكل صريح، لا أكثر من ذلك”، اعترف مصدر حكومي كبير سابق. “لم نرغب في وجودهم هنا، وقد تم منع ذلك”.

في خلفية التطورات الجيواستراتيجية الأخيرة في الشرق الأوسط –تخلي الولايات المتحدة عن الأكراد – والتفسيرات العلنية على التخلي، فإن الأمر يقتضي إجراء نقاش حول ما سيحدث في الاختبار القادم الذي ستقف فيه إسرائيل في طريق المصالح الاقتصادية الروسية.

بكلمات أخرى، ثمة نقاش حوّل احتمالات سيناريو خيالي قد تنسحب أمريكا في إطاره من تدخلها في الشرق الأوسط وتخلي الساحة لصالح هيمنة روسية.. وحينئذ سيتم النقاش حول تأثير هذا الواقع الجديد على الاقتصاد الإسرائيلي.

اسم اللعبة: المال

حدثان وثقا، الإثنين الماضي، عززا الحاجة إلى إجراء هذا النقاش. في مؤتمر صحافي، سئل ترامب كيف يتوافق إعلانه عن عدم الاهتمام العسكري الأمريكي بالشرق الأوسط مع قراره إرسال 2800 جندي أمريكي آخر إلى السعودية. فأجاب: “بناء على طلبي، وافقت السعودية على أن تدفع لنا مقابل كل ما نفعله من أجلها، ونحن نقدر ذلك”.

التطور الهام الثاني حدث في اليوم نفسه بالرياض، هناك هبط بوتين في زيارة لدى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

زعيم العالم الحر حوّل، الإثنين، جيشه إلى جيش مرتزقة، وهذه النغمة لن تتغير في المدى المنظور. مكانة ترامب الشعبية ما زالت قوية. خصومه السياسيون من أوساط الديمقراطيين يشمئزون من الشرق الأوسط أكثر منه، وعدد منهم حتى يكره إسرائيل. المعنى واضح، وقف المساعدات الأمريكية مسألة وقت. ومقابل أي مساعدة عسكرية سيتم من الآن فصاعداً جباية ثمن (سياسي أو اقتصادي). وإذا شئتم، ضريبة الحماية التاريخية التي تفرضها إسرائيل على استيراد المنتوجات الزراعية من الولايات المتحدة ستختفي قريباً بين صفحات التاريخ.

صحيح أن الملك الجديد بوتين يتحرك أكثر بدوافع أيديولوجية واستراتيجية، لكن هدفه في الشرق الأوسط كان وما زال اقتصادياً. يريد بوتين بيع السلاح والمفاعلات النووية، وعليه أن يكون مشاركاً في ترتيب سوق النفط والغاز العالمي. باختصار، حتى إذا كان مغرياً التملص من ذلك، فهذا هو سبب حضوره هنا.

يوجد سؤالان موضوعان على الطاولة: ما الذي يريده بوتين من إسرائيل، وهل يمكنه الحصول على كل ما يريد. والإجابة عنهما بعيدة عن أن تكون غبية أو قاطعة.

هنا يسرقون مثل المجانين

الخطر الذي يهدد إسرائيل نتيجة سيطرة أجنبية على نشاطات اقتصادية استراتيجية لا ينبع من السيطرة على الأصول المحلية. الصينيون لا يمكنهم أن يهرّبوا من هنا أبقار تنوفا، والروس لن يملأوا الجيوب بالغاز الطبيعي. الخطر يكمن في استخدام الملكية، والتواجد المادي النابع عن ذلك. ومن أجل تحقيق هذين الهدفين الأساسيين: التجسس (تجاري أو سياسي – أمني)، وضعضعة نظام الحكم.

الهدف الثاني وصل إلى العناوين في أعقاب تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وفي أعقاب التحذير الذي نشره رئيس الشاباك، نداف ارغمان، عشية الانتخابات السابقة للكنيست. في حينه، أشار بشكل علني إلى العثور على محاولات “من جانب دولة أجنبية” للمس بالعملية الديمقراطية في إسرائيل. السهم الشفاف تم إرساله نحو روسيا.

الروس يستخدمون مجموعات سايبر مدنية وشبه مخالفة للقانون لأغراض تنفيذ مهمات سياسية ووطنية بدون ترك آثار حكومية. هكذا، حسب التقديرات، يتم اتهام اليكسي بوركوف المسجون في إسرائيل بسرقة تفاصيل بطاقات اعتماد لـ 50 مليون أمريكي، وليس بترجيح كفة الانتخابات كمبعوث من الكرملين.

“الروس يعملون في مجال التقويض السياسي السري في أرجاء العالم. ويعتبرون ذلك تدخلا ًمشروعاً، وإسرائيل ليست استثناء”، قال مصدر رفيع سابق في جهاز الدولة. “مثل الصينيين، فإن الروس يريدون الإظهار بأن الطريقة الديمقراطية لا تنجح في أي مكان –من أجل أن يوقفوا تشويش دماغهم في البيت. هم يفضلون العمل مقابل زعماء وأنظمة سياسية تراتبية واضحة– من دون مؤسسات وموازنة وكابحة. لذلك، هم يتحدون الهيكل الديمقراطي في كل مكان، ويتدخلون في كل حملة انتخابات، ويخلقون أدوات ضغط اقتصادية بواسطة استثمارات الأقلية الحاكمة التي تعمل بإرسالية من الكرملين”.

هدف الروس الثاني هو الحصول على المعلومات والمعرفة. فالحديث لا يدور فقط عن الخوف من إنشاء بنى تحتية استخبارية أو مراكز تنصت، بل من سرقة معلومات تكنولوجية. “الروس يعترفون بنجاعة التكنولوجيا الإسرائيلية، ويحصلون منا على قدر كبير من الأبحاث والتطوير، ومن الطبيعي أنك لا تريد رؤية شخصيات معينة، روسية أو صينية، تتراكض بين أقدامك.

دولة تتحدث الروسية

رغم هذه النوايا، يجب ألا ننجر إلى خطاب “كازانوفي” هستيري (كاره للأجانب). أي أنه من المهم أن نكون حذرين، لكن علينا أن نذكر أن الطموحات والقدرات في الشرق الأوسط تقف كل منهما على حدة.

“الروس يخضعون لنظام عقوبات شديد منذ غزو أوكرانيا”، قال تسفي ميغن، السفير الإسرائيلي السابق في روسيا وأوكرانيا، ورئيس نتيف والآن هو باحث في معهد بحوث الأمن القومي. هم أرادوا تحسين مكانتهم والحصول على الاعتراف بهم كدولة عظمى، لكنهم بعيدون عن ذلك. لقد كانوا يطمحون إلى استغلال إنجازاتهم في سوريا، لكنهم حتى الآن لم يحصلوا على أي شيء مهم. فلا أحد يشتري البضاعة، وحتى لو قاموا ببيع أنظمة سلاح أو مفاعل فهذا لا يجدي هنا.

“لقد مرت أربع سنوات على وجودهم في سوريا ولم يحققوا أي نتائج. في نهاية المطاف، هم عالقون في الوحل السوري بين أربع دول عظمى، كل واحدة منها تسبب لهم وجع الرأس: إيران لا تريدهم، السعودية غير مخلصة لهم، تركيا التي بدأت بالانقضاض، وإسرائيل”.

“إن 36 في المئة من مداخيل روسيا هي من تصدير الموارد الطبيعية. وهم غير مشاركين الآن في اقتصاد إسرائيل، سواء في البنى التحتية أو في شيء آخر، وهم هامشيون بالنسبة للاعبين خارجيين آخرين مثل الصين والولايات المتحدة”، قال د. افينوعام عيدان، من مركز حايكن للجيواستراتيجية في جامعة حيفا. وإلى هذه الأقوال ينضم عوزي اراد الذي كان في السابق رئيس مجلس الأمن القومي، ومستشار رئيس الحكومة للأمن القومي. “من ناحية تاريخية، لا تقف روسيا الآن في مكانة جيدة. رئيسها فعلاً نشط، لكنه يعزف على أنغام قومية ويعمل بالقوة – لكن هذا لم يحول روسيا إلى قوة صاعدة”.

الروس يلعبون لعبة مزدوجة، هم يريدون أن يكونوا الشرطي، لكنهم يهربون من المسؤولية، يريدون الاحترام وأحياناً يكتفون بذلك. هذا السلوك يجر تشويشاً بخصوص تحليل سلوك روسيا في المنطقة، والتحفظ من مقولات قاطعة، هذا أيضاً هو سبب الرسائل الغامضة القادمة من القدس، التي مصدرها أيضاً عدم القدرة على قراءة الخريطة بوضوح.

سبب آخر محتمل للتحليل ذي الاتجاهين يكمن في أنه لا يوجد في الواقع روسيا واحدة، أي أننا لا نقف أمام كيان متجانس.

السياسة الخارجية الروسية نتاج صراع غير متوقف بين قوتين متعارضتين في الداخل، الكرملين والجيش. انظروا مثلاً إلى العلاقة الروسية المتشددة تجاه إسرائيل في أعقاب إسقاط الطائرة الروسية في سماء روسيا قبل سنة. الرد الفوري كان في حينه هجوماً جامحاً ضد إسرائيل إلى درجة إظهار العداء العلني من قبل قادة الجيش. “في صباح ما اختفى ذلك بدون أي تفسير”، قال مغين، “ولكنني لا أستبعد احتمال أن تدخل إسرائيل إلى دورة تعليمية هادئة، تعاقب في إطارها أيضاً الفتاة الإسرائيلية نوعاما يسسخار بصورة مبالغ فيها (حكم عليها سبع سنوات سجناً بسبب حيازة المخدرات).

وحسب أقوال مغين، جهاز الأمن الروسي عدائي وهجومي تجاه الغرب، وله طموحات إمبريالية ومبني على المواجهات. ومقابله، تقف نخبة اقتصادية تفضل الهدوء والفرص التجارية.
بوتين الذي استدعي لإلقاء خطاب في اللقاء، بالغ في مدح العلاقات بين روسيا وإسرائيل، التي وصفها من فوق المنصة بـ “دولة تتحدث الروسية”، لا أقل من ذلك.

ما العمل إذاً؟ حتى لو لم تتحول روسيا إلى سيدة إقليمية أحادية الجانب ومعادية، فلن تكون وسيطة محايدة. “الروس يحترمون إسرائيل؛ فلهم وهمٌ مبالغ فيه عن النفوذ اليهودي في العالم، ويعتبرون الطوائف اليهودية أصحاب قوة عالمية مهمة”، قال أراد، لكنه زعم أن مصلحة روسيا في إيران أقوى مما هي في إسرائيل. “هم سيقفون إلى جانب الإيرانيين وسوريا في حالة التصادم، لأن مصالحهم تكمن في الدول الأساسية وتتأثر بصفقات الطاقة والسلاح”. بالنسبة للولايات المتحدة ستنتظر، حسب قول أراد، جيلاً جديداً من الزعماء. “الأمريكيون لا يريدون أن يكونوا شرطياً، لقد خسروا في كل تدخل من تدخلاتهم هنا، لم يعودوا بحاجة إلى النفط ويؤيدون الانفصال. ولا مناص من انتظار جيل جديد لم يعرف العراق. أو جيل سيعود إلى التبشير بنشر الديمقراطية أو الحفاظ على سلامة العالم”. وماذا عن اقتصاد إسرائيل؟

يمكننا أن نقترح الآن ثلاث عمليات معينة ومتواضعة، قابلة للتنفيذ الفوري، ويمكنها أن توفر علينا وجع الرأس الكبير مستقبلاً:

1- إقامة جسم تنظيمي لفحص الاستثمارات الأجنبية في إسرائيل، لا سيما رفضها بصورة رسمية. في الواقع الذي يريد فيه الأمريكيون حرباً تجارية، فإن الصينيين يسكبون المال، ويقف الروس على الجدار، وكل محاولة لعقد صفقة بهدوء تستدعي ضغطاً زائداً، حلول خطيرة ورشوة. سيكون من الأفضل للجميع تشكيل جهاز رسمي، يمكّن المستوى السياسي من إلقاء المسؤولية عن قرارات “غير مريحة” على مستوى موظفين مهنيين.

المجلس القومي للاقتصاد ووزارة المالية يعملون على هذه القضية منذ سنة، إلى أن وضعوا خطة متفقاً عليها على طاولة نتنياهو. وهناك تم وقفها. نتنياهو كعادته في مسائل حساسة، يفضل اتخاذ قرار بعدم التقرير طالما أنه غير ملزم باتخاذه.

2- صيغة سابقة للقيود في عطاءات الخصخصة والعطاءات الدولية التي يتوقع نشرها قريباً (خصخصة محطات طاقة شركة الكهرباء وعطاء القطارات الخفيفة وتحلية المياه).

3- إيجاد بدائل عن الأربعة مليارات دولار من المساعدات الأمريكية، وإعداد الصناعات الأمنية لإلغاء طلبات، ومنافسة متزايدة مع الشركات الأمريكية في الأسواق العالمية. بكلمات أخرى، الدفع قدماً وبسرعة لبرامج تجارية جديدة من خلال تنفيذ عمليات إغلاق وزيادة نجاعة حادة وسريعة.

بقلم: آفي بار – ايلي
هآرتس 18/10/2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية