الجزائر: الانتخابات الرئاسية تمر في منطقة اضطراب والحراك الشعبي يواصل معركة التغيير

كمال زايت
حجم الخط
0

الجزائرـ “القدس العربي”: تمر الأيام والأسابيع والوضع السياسي في الجزائر يراوح مكانه، ورغم أن موعد الانتخابات الرئاسية يقترب بسرعة، إلا أن الأمور لا يبدو أنها استقرت بعد، وشبح المقاطعة يكبر باستمرار، في وقت يتواصل فيه غليان الشارع، وحيرة السلطة التي لم تجد أوراقا أخرى توظفها لإقناع الجزائريين بالمشاركة في الانتخابات وبالتوقف عن التظاهر مرتين في الأسبوع، بل زادت في تعقيد الوضع من خلال طرح مشروع قانون جديد للمحروقات زاد في صب الزيت على النار، كما أن المشهد الانتخابي يبقى هو نفسه، قبل حوالي أسبوع من غلق باب الترشيحات، فلم تظهر أي ترشيحات جديدة من شأنها تغيير القطبية الموجودة حتى الآن، في وقت ما زالت بعض الأصوات تعتبر أن الوقت غير مناسب للذهاب إلى انتخابات رئاسية.

ودخل الحراك الشعبي أسبوعه الـ 35 لكن الوضع ما زال يراوح مكانه، فلا الحراك الشعبي خفت وخارت قواه، ولا السلطة ملت وكلت وتراجعت، والقبضة الحديدية متواصلة في الشارع، ورغم أن المتظاهرين ما زالوا يرفعون نفس المطالب، والنظام متمسك بخريطة الطريق التي يراها المخرج الوحيد للأزمة السياسية التي تمر بها البلاد، لكن الأمور زادت تعقيدا هذا الأسبوع بعد أن كشفت الحكومة عن مشروع قانون جديد للمحروقات، والذي جاء في أسوأ توقيت، على اعتبار أن الشارع يعيش حالة غليان، ومناخ الشك والريبة يتصاعد باستمرار، ورغم أن القانون يقدم بعض التنازلات التي قدمها القانون للشركات الأجنبية، إلا أنه لم يكن بذلك السوء الذي كان عليه قانون المحروقات لسنة 2005 وأثار جدلا واسعا، إلا أن المشكل القائم بالنسبة للمشروع الجديد، هو أن حكومة تصريف الأعمال الحالية والمرفوضة شعبيا لم يكن يفترض منها أن تقترح قانونا بهذه الأهمية، وبالسرعة التي تثير أكثر من تساؤل، كما أن وزير الطاقة الحالي زاد في تعقيد الوضع عندما قال إن دائرته الوزارية استشارت الشركات النفطية الدولية الكبرى قبل صياغة القانون، وهو الأمر الذي فجر غضبا شعبيا، أدى إلى خروج مظاهرات واحتجاجات في العاصمة ومدن أخرى رافضة للقانون الجديد، وداعية إلى سحب القانون، الذي يرهن مستقبل البلاد والأجيال المقبلة، بحسب المتظاهرين.

نداء شخصيات

وكانت حوالي 20 شخصية سياسية جزائرية قد أصدرت مبادرة سياسية، دعت من خلالها إلى إعادة النظر في موعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأبرز الموقعين على المبادرة وزير الخارجية الأسبق، أحمد طالب الإبراهيمي، ورئيس الحكومة الأسبق أحمد بن بيتور، ووزير الإعلام الأسبق عبد العزيز رحابي، والذين أكدوا على ضرورة استغلال الفرصة التاريخية لإحداث التغيير، والدخول في حوار جاد ومسؤول، قبل الذهاب إلى انتخاب رئيس جديد.

واعتبرت الشخصيات أن “السلطة لم تجد من سبيل للخروج من أزمتها المزمنة، إلا محاولة المرور بالقوة نحو الانتخابات، عن طريق التضليل باسم الشرعية الدستورية في فرض قبضتها الحديدية وتأكيد وصايتها الأبدية على الشعب من خلال تشكيل لجنة صورية للحوار لتمرير خارطة طريقها دون حوار حقيقي، وأنه من نتيجة هذا التسرع” وأن “تشكيل سلطة وطنية مستقلة للانتخابات، بدون توافق مسبق مع الفاعلين السياسيين ونخب المجتمع، حيث ضاعت الاستقلالية تحت وطأة التعيين العلني المفضوح لأعضائها، وكان من الاصوب أن يُسند أمر استدعاء الهيئة الناخبة لهذه السلطة لو كانت فعلا توافقية مستقلة”.

وأكدوا أن “المغامرة بانتخابات رئاسية، دون توافق وطني مسبق يجمع كل الأطراف، هي قفزة في المجهول ستزيد من احتقان الشارع وتعميق أزمة شرعية الحكم، وقد تفتح الباب أمام التدخلات والإملاءات الخارجية المرفوضة في كل الحالات، وعليه لا يمكن تصور اجراء انتخابات حقيقية في هذه الأجواء”.

وشددت الشخصيات على أن “أغلبية الجزائريين لا ترفض الانتخابات الرئاسية رفضًا عدميًا، بل إن موقفها مبني على قناعات راسخة بما في ذلك من تحمسوا للانتخابات في بداية الأمر” وأن “الجميع يقف على حقيقة النظام الذي لازال يحتفظ لنفسه بمبدأ الرعاية الحصرية للشأن السياسي، والتي تحمل في جوهرها عقلية وصائية تتنافى مع الدستور في تحديد مفهوم السيادة الشعبية”.

واعتبر أصحاب البيان أن “الدستور أصبح لعبة السلطة المفضلة تارة بتفسير جامد للنصوص للرد على كل طرح يؤسس للتغيير الحقيقي، وتارة أخرى بمرونة فائقة تماشيًا مع مقتضيات وحاجيات السلطة، بهذا المنطق، لا يكون الدستور أرضا مشتركة ولا سقفا يحتمي به الجميع، بل مجرد وسيلة في يد من يملك القوة وأداة لكبح ديناميكية التغيير السلمي.”

ودعا أصحاب البيان إلى “ضرورة الاستمرار في الحراك الشعبي السلمي” و”الإشادة بوعي المتظاهرين وأهمية الحفاظ على سلمية مسيراتهم، باعتبارها مكسبا حضاريا أثار إعجاب القاصي والداني” وأنه “ليس من مسؤولية الحراك الشعبي أن يعطي حلولا سياسية جاهزة للانتقال من عهد طال أمده إلى عهد تعسرت ولادته، بل يتمثل دوره الأساسي في تغيير موازين القوى ميدانيا لتمكين نخب المجتمع من أحزاب سياسية ونقابات وجمعيات وشخصيات من تقديم تصور شامل عن منظومة حكم جديدة تقوم على احترام سيادة الشعب في اختيار ممثليه لتسيير شؤون البلد”.

في المقابل ناشدت الشخصيات الموقعة على المبادرة الحراك الشعبي “التحلي بأقصى درجات اليقظة وضبط النفس، وتجنب استعمال العبارات الجارحة، أو رفع الشعارات المسيئة للأشخاص أو المؤسسات، ونبذ الفتنة وخطاب الكراهية المهدد للوحدة الوطنية”.

وشددت الشخصيات على أن محاربة هذه الآفة ضروري وإيجابي، لكن لابد أن تقترن بمحاربة الاستبداد السياسي، وضمان استقلالية القضاء واحترام حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية وتحقيق العدالة الاجتماعية، وأن من الضروري اتخاذ مجموعة من الشروط أهمها الاستجابة لمطلب رحيل رموز النظام والقضاء على منظومة الفساد بكل أشكاله، وكذا إطلاق سجناء الرأي، واحترام حق التظاهر السلمي، ورفع أي قيود على العمل السياسي، وتحرير وسائل الإعلام من الضغوط، ووقف المتابعات والتضييق على النشطاء، ودعوة كل الأطراف إلى حوار جاد ومسؤول.

وناشد أصحاب المبادرة “السلطة الفعلية إلى إعادة قراءة الواقع بحكمة وواقعية حتى لا تقع في تناقض مع المطالب المشروعة للشعب في التغيير السلمي لآليات وممارسات الحكم، وحتى لا تحرم أجيال الاستقلال المفعمة بالوطنية من ممارسة حقها في بناء دولة عصرية بروح الثورة الجامعة، التي نستحضرها اليوم، عشية حلول ذكرى ثورة أول نوفمبر العظيمة، وما تحمله من معاني النضال والتضحية وجمع الشمل، والوفاء لرسالة الشهداء الأبرار”.

على صعيد الانتخابات الرئاسية ما زالت المعادلة ثنائية القطبية، فإلى غاية كتابة هذه الأسطر، لم يظهر أي مرشح من شأنه تغيير المعطيات التي توحي أن المتنافسين الرئيسيين هما علي بن فليس رئيس الحكومة الأسبق وعبد المجيد تبون رئيس الوزراء الأسبق، في الوقت الذي كان فيه الكثير من المراقبين يتوقعون أن يكون هناك مرشح ثالث، قد يبدد الغموض الذي يلف الانتخابات الرئاسية، ونزيل قصر المرادية القادم، من دون أن تنقشع الرؤية عن الطريقة التي ستجرى بها الانتخابات الرئاسية، وأنه لم يتبق إلا حوالي أسبوع على إغلاق باب الترشيحات.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية