القاهرة ـ «القدس العربي»: كان الموضوع والخبر الأبرز في الصحف المصرية الصادرة أمس الاثنين 21 أكتوبر/تشرين الأول عن الحضور المفاجئ وغير المتوقع للرئيس عبد الفتاح السيسي، أثناء اختبارات كشف الهيئة لطلاب الثانوية العامة المتقدمين للالتحاق بالكلية الحربية، بعد أن اجتازوا اختبارات اللياقة البدنية بنجاح، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها أمر كهذا في تاريخ الكلية، لأن الذي يحضر اختبارات كشف الهيئة، لجنة من الضباط برئاسة ضابط برتبة كبيرة، أو مدير الكلية، مثلما يحدث في اختبار كشف الهيئة لكلية الشرطة، أي لجنة الضباط برئاسة أحد مساعدي الوزير.
الحملة مستمرة للانتقام من قتلة «شهيد الشهامة» محمود البنا وبيان للنيابة العامة يؤكد التطبيق الحازم للقانون
وأفردت الصحف مساحات واسعة لاحتفال القوات البحرية بعيدها الذي يوافق الواحد والعشرين من أكتوبر. وزادت المساحات التي خصصتها الصحف لتغطية المظاهرات الكبيرة المتواصلة في لبنان والمقالات عنها، وكلها تعاطف شديد مع الشعب اللبناني. بينما استمر التراجع في الاهتمام بالهجوم التركي على الأكراد في شمال سوريا. وواصلت الصحف الاهتمام بقضية الطالب الشهم محمود البنا أو «شهيد الشهامة» كما أصبح لقبه، والتحذير من الانهيار الذي عكسه الحادث الذي يتعرض له المجتمع المصري. والاهتمام كذلك بتصريحات رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي عن استمرار إثيوبيا في تعنتها ورفض أي محاولة للوصول إلى نقطة تفاهم مع مصر، حول شروط ملء خزان النهضة، بما لا يلحق ضررا كبيرا بمصر، وهي المشكلة الحقيقية والوحيدة تقريبا التي تتعرض لها مصر، لأنه حتى وإن تم الاتفاق مع إثيوبيا فإن الخبراء يقدرون انخفاض كميات المياه الواردة إلى مصر بنسبة الثلث، بما سيؤثر على مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، ومن مياه الشرب. وإلى ما عندنا..
الرئيس وطلبة الحربية
ونبدأ بأبرز ما نشر عن حضور الرئيس اختبارات كشف الهيئة على طلاب الكلية الحربية وقول السفير بسام راضي المتحدث باسم الرئاسة، نقلا عن محمد الجالي في جريدة «اليوم السابع»: «زار الرئيس عبد الفتاح السيسي (صباح أمس) الكلية الحربية، وتابع خلال الزيارة إجراءات اختبار الهيئة للطلبة المتقدمين للالتحاق بالكليات والمعاهد العسكرية، حيث يتم اختيار أفضل العناصر لنيل شرف الالتحاق بالقوات المسلحة، وذلك بحضور الفريق محمد فريد رئيس أركان حرب القوات المسلحة ومديري الكليات والمعاهد العسكرية، إضافة إلى مناقشة خلال متابعته لإجراءات اختبار الهيئة عدداً من الطلبة المتقدمين في بعض القضايا والموضوعات التي تدور على الساحتين الداخلية والخارجية، بالإضافة لبعض المعلومات العامة عن تاريخ مصر، وما شهدته من نهضة تنموية في مختلف المجالات.
وأعرب الرئيس عن سعادته لما لمسه من فهم ووعي وإدراك صحيح من جانب شباب مصر لكل ما يدور من أحداث ومتغيرات قد تؤثر على أمن مصر القومي. وأكد الرئيس أن ما تشهده القوات المسلحة من تطور شامل في كافة الفروع والتخصصات ونظم التسليح، التي تواكب بها أحدث النظم في العالم، يتطلب انتقاء فرد مقاتل محترف قادر على تنفيذ كافة المهام تحت مختلف الظروف».
معايير القبول
وفي «الوفد» طالب محمد أمين بتطبيق هذه المعايير نفسها على الوزراء وكبار المسؤولين وقال: «ما حدث من الرئيس له دلالة كبرى، فهو لا يختار أي أحد ولا يختار أبناء الوزراء والمحافظين والنواب، الاعتبار كان للكفاءة فقط، بغض النظر عن أي اعتبار آخر، فالالتحاق بالقوات المسلحة شرف والاعتبار هنا للوعي والثقافة وفهم تاريخ مصر وحدود الأمن القومي والقدرة، ولذلك قال الرئيس: إن تطوير القوات المسلحة يتطلب انتقاء مقاتل محترف، ونأتي للنقطة الأهم هل يختار الرئيس الوزراء والمحافظين بمعايير اختبارات الكليات العسكرية نفسها؟ هل يختارهم لاعتبارات الكفاءة وحدها بغض النظر عن أي اعتبار آخر؟ هل نستبشر خيراً بأن نرى اختيارات تفتح باب الأمل؟ هل نختار من يملك القدرة وليس الولاء؟ هل نختار من يتمتعون بالاحترافية وروح القتال مثل أبناء الكليات العسكرية؟ هل نبدأ الآن؟ الرئيس قال إن الأفضلية للالتحاق بالكليات العسكرية لمن يجتاز الاختبارات الطبية والنفسية والرياضية والعلمية، فهل يمكن إخضاع الوزراء والمحافظين لاختبارات طبية ونفسية للتأكد من سلامة اتخاذ القرارات الخاصة بالمواطنين؟ هل نخضعهم لهذه الاختبارات على غرار الاختبارات الرئاسية؟ التجربة أثبتت أننا في حاجة إلى هذه الاختبارات النفسية فعلاً، فلا مانع من خضوع الوزراء والمحافظين والنواب لهذه الاختبارات الطبية والنفسية، ولا مانع من توقيع الكشف الطبي عليهم نريد مسؤولين أصحاء عقلياً وبدنياً».
طيور الظلام
وإلى الحكومة وكثرة الشكاوى من تدني خدماتها لدرجة أن أحمد عبد الحكم في «الأهرام» وصف موظفيها ومسؤوليها بأنهم طيور الظلام وهو اسم الفيلم السينمائي الذي كتبه وحيد حامد وأدى دور البطولة فيه عادل إمام وجميل راتب ويسرا وأحمد راتب وعبد الحفيظ التطاوي ونظيم شعراوي ورياض الخولي وقال: «من منا يرضى عن أداء مرفق الكهرباء من ناحية احتساب الاستهلاك وتراكماته، وأسلوب تعامل الموظفين في هذا القطاع مع الجمهور.
إذهب إلى مرفق المياه واشتكِ من الاستهلاك، وطريقة الحساب وانتظر ماذا سيفعلون معك، لا يفعلون شيئا إلا كل ما يزيد حنقك ومعاناتك وسخطك، وبالتأكيد هناك عناصر في هذا المرفق تدفعك للصدام مع الدولة.
المستشفيات العامة أو الخاصة المنطق نفسه، أما الإهمال، أو عدم الاكتراث أو المغالاة في تكلفة العلاج، وكلها أيضا تؤدي إلى نتيجة واحدة وهي السخط العام.
إذهب إلى التعليم بقطاعاته فستجد أن الذين يتقاضون أجورا مضاعفة يتركون المدارس ويتفرغون للسناتر والدورس الخصوصية، والمواطن هو الذي يدفع الثمن.
أنظر إلى قطاعات التموين إنها المعاناة بكل ما تحمله الكلمة من معان، الغريب في الأمر أن القطاعات التي تنفق عليها الدولة أموالا طائلة لتقديم خدمة أفضل ومستوى يليق بالمصريين هي نفسها القطاعات التي يواجه فيها المواطن أشد الصعوبات، واردأ الخدمات، نعم هناك في أجهزة الدولة طيور ظلام يسيئون للناس وللنظام هؤلاء خونة يجب تنقية المصالح منهم فورا حتى لا يقع المحظور».
مرحلة الاستثمار
أما في الملحق الاقتصادي في جريدة «الوطن» الذي تشرف عليه دينا عبد الفتاح، فقد أشادت بما تحقق من مشروعات قامت بها الدولة، إلا أنها طالبتها الآن بإفساح المجال أمام القطاع الخاص وقالت: «أنجزت الدولة المصرية على مدار السنوات الخمس الماضية كل ما يحتاج إليه الاستثمار، سواء كان محلياً أو أجنبياً، صغيراً أو ضخماً، صناعياً أو خدمياً، أو مالياً، ويبقى الآن تحصيل عوائد هذه الإنجازات معبراً عن ذلك بنمو مطرد في حركة الاستثمارات المنفذة في السوق المصري، سواء كانت استثمارات محلية أو وافدة من الخارج. وتقول الكاتبة، في تقديري أن السنوات الخمس الماضية كانت مرحلة بحد ذاتها، تعبر عن تجهيز الاقتصاد لاستقبال الاستثمار، من خلال ضخ استثمارات ضخمة بمليارات الدولارات في البنية التحتية من طرق ومرافق وطاقة وغيرها، وتشييد مدن جديدة لتتوافق مع الانطلاقة التنموية للدولة، على غرار العاصمة الإدارية الجديدة، ومدينة العلمين الجديدة وغيرهما. أما السنوات المقبلة وبالتحديد حتى 2021 فتمثل مرحلة جديدة يمكن أن نطلق عليها مرحلة الاستثمار الكثيف، والإنتاج الضخم، وبالتالي فكل أجهزة الدولة مطالبة بالتخطيط لهذا الاستثمار، بشكل متناغم ومتكامل، بمعنى تحقيق التكامل في كافة السياسات الاقتصادية المطبقة في الدولة من سياسات استثمار وسياسات مالية ونقدية وسياسات تجارية نحو تحقيق هدف واحد فقط هو الاستثمار الكثيف».
كاريكاتير
لكن الرسام أنور في «المصري اليوم» كذّب دينا وما قالته عن الحكومة بأن أخبرنا أنه ذهب لزيارة صديق له من الطبقة الوسطى فوجده يضع ابنه على حجره ويقول له وهو يقدم له صورة بيضاء له وقد تلاشى: عايزك لما تكبر تبقى تبص على الصورة دي، وتبقى تفتكر أن أبوك عمل كل حاجة عشان تفضل في الطبقة المتوسطة وفشلت والحمد لله.
السيطرة على الأسعار
«تستنهض الحكومة حالياً كل قواها من أجل السيطرة على الأسعار، وضبط الأسواق، وإنهاء حالة الفوضى بها، فلا يوجد مواطن إلا ولديه شكوى، وهذا ما تقوم به الحكومة حالياً للحد من ارتفاع الأسعار في كل شيء، ابتداءً من سوق الخضار وانتهاء بأثاث المنزل واحتياجاته. ومؤخراً يقول وجدي زين الدين في «الوفد»، نشطت الحكومة للتصدي للارتفاع الحاد في أسعار السلع. الملاحظ أن الحكومة تواجه جشع التجار، ودخلت حلبة المواجهة مع التجار الجشعين الذين يرفعون الأسعار بشكل مستمر، ويتسببون في حالات احتقان شديدة بين المواطنين لقلة ذات اليد، وعدم القدرة على التعامل مع هذا الجشع الذي يسود يومياً، بشكل يدعو إلى الحسرة والقرف، اقتحمت الحكومة الأسواق وبدأت السيطرة عليها للقضاء على الفوضى فيها، خاصة أنها تزايدت بشكل مخيف. التجار لا يجدون من يردعهم ويوقفهم عند حدودهم ويرتكبون يومياً حماقات شديدة ضد الناس. وهناك أجهزة رقابية كثيرة مختصة بضبط الأسواق والقضاء على الفوضى فيها ومعظمها تابع لوزارة التموين، فلماذا لا تتحرك هذه الأجهزة بشكل أفضل وتتدخل لنصرة المواطن الذي يواجه جشعاً بشعاً من التجار؟ الحكومة مطالبة بأن تشعر المواطن بأنه على رأس اهتماماتها وهنا يختلف الوضع تماماً، وأول هذه الاهتمامات هو الحد من الارتفاع الخطير في الأسعار وضبط الفوضى في الأسواق. ولن يكلف هذا الحكومة شيئاً. فكل ما يجب أن تفعله هو قيامها بتفعيل القوانين المتعلقة بضبط الأسواق والتصدي لعمليات الجشع التي يقوم بها التجار، أمل المواطن الذي ينتظره بفارغ الصبر هو إحداث تغيير ملموس في مستوى معيشته، الذي تدهور بشكل بشع. من حق المواطن أن يرى تحسناً ملحوظاً في حياته وتحقيق شعار «عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية ـ كرامة إنسانية». من حق المواطن أن تشعره الحكومة بأنه على رأس اهتماماتها في ما يتعلق بتوفير احتياجاته بسعر مناسب، وتبث في نفسه الأمل في تحقيق العدالة، ويكون ذلك عملاً وقولاً على أرض الواقع، من حق المواطن أن يطلب من الحكومة أن تقتحم الأسواق وتضبط الأسعار، وتقضي على كل أنواع الجشع الذي يمارس ضده، وهذا ليس شيئا مستحيلا».
تحديد هامش الأرباح
أما مجدي سرحان فتناول في مقاله في «الوفد» موضوع الأسعار أيضا يقول: «نلاحظ مثلما يلاحظ كثيرون غيرنا أن هناك شيئا ما يحدث في أسواق السلع الآن، هذا الشيء ترتب عليه انخفاض أسعار الكثير من السلع، خاصة اللحوم الحمراء والبيضاء والخضروات والفاكهة، والسكر والأرز والدقيق والبقوليات والزيوت ومنتجات الألبان، والأسماك في المدن الساحلية، وأيضا بعض مواد وخامات البناء وعلى رأسها حديد التسليح. فماذا يحدث؟ البعض يرجعون انخفاض أسعار اللحوم إلى انخفاض أسعار الأعلاف، خاصة المستوردة منها بسبب هبوط الدولار مقابل الجنيه المصري، وكذلك يربطون بين انخفاض أسعار مواد البناء والتغير الإيجابي في أسعار الصرف، بالإضافة إلى انخفاض الطلب بسبب ضعف القوة الشرائية لدى المستهلكين، وكل هذه أسباب منطقية وصحيحة من الناحية العلمية، لإحداث هذا التغيير. لكن في اعتقادنا، أن هناك عاملا مهما يضاف إلى ما سبق من أسباب أدت إلى بدء الاتجاه الهبوطي للأسعار بعد أن كانت تسير دائما في اتجاه الصعود، وهو اتجاه الدولة إلى تشديد قبضة الأجهزة الرقابية على الأسواق، وتفعيل سلطات هذه الأجهزة المتعددة في مواجهة المحتكرين ولوبي التجار غير الشرفاء. من قبل قلنا: إنه لا يمكن التعويل على دور الدولة في القضاء على فوضى الأسعار المستشرية في أسواق السلع منذ بدء تعويم الجنيه، طالما ظلت أيادي أجهزة الرقابة مكبلة بترسانة من القوانين العرجاء الخاصة بتنظيم حركة التجارة والرقابة على الأسواق، التي لا تتيح للدولة حق التدخل في حركة الأسعار لحماية المستهلكين من «مافيا الاحتكارات»، وبدون أن تكون لديها القدرة على مراقبة هوامش الربح المهولة التي يجنيها التجار المحتكرون، والتي لا علاقة لها مطلقا بـ«آليات العرض والطلب» التي تحكم الأسواق في الاقتصاد الحر. وما زلنا نكرر: إنه في الاقتصاد الحر لا أسعار إجبارية، ولا رقابة رسمية على الأسعار، لكن ذلك لا يحول دون أن تبتكر الدولة «أساليب» في حدود الضوابط القانونية المتاحة، لضبط الأسواق وترويض الأسعار ومواجهة الاحتكارات التجارية، وهذا ما حاولته الحكومة بالفعل، عندما تقدمت قبل سنوات بمشروع قانون لتحديد هامش ربح للتجار، يمثل الفارق الذي يكسبه التاجر بين سعر شرائه للسلعة بالجملة وبيعه لها بالقطاعي، لكن تمكن «لوبي الاتحادات الصناعية والتجارية» من إجهاض هذا المشروع، وللأسف أن هذا «اللوبي» صار يشكل قوة عظمى واحدة غاشمة، في نظام تجاري أحادي القطبية، حيث يحكم الأسواق هذا القطب الواحد المهيمن المسيطر، الذي لا تحركه إلا مصلحته الذاتية ومصلحة أعضائه، بينما يفتقد السوق قطبا ثانيا أو أقطابا متعددة تعيد إليه التوازن المفقود بين «قوة التجار» وقوة المستهلكين، بينما اكتفت الدولة بالحشد الإعلامي لـ«جماعة المستهلكين» وتعبئتهم لتنظيم قدرتهم باعتبارهم القوة الحقيقية المحركة للسوق، في مواجهة التجار المحتكرين وشل قدراتهم عن طريق «المقاطعة» أو الامتناع عن شراء السلع، لكن التجربة أثبتت أن سلاح المقاطعة لم يكن فاعلا في ضبط أسواق السلع الغذائية الأساسية بالذات، نظرا لضعف قدرة المستهلكين على الاستغناء عنها، وكذلك لنجاح مافيا الاحتكارات في ابتكار أساليب مضادة، كالتخزين والتعطيش والحرق، لدرجة أن بعضهم استغل هذه الظروف في تحقيق المزيد من المكاسب، على عكس ما كان متوقعا. أيضا أقدمت الدولة على الدخول كطرف في عمليات إنتاج السلع وتسويقها بأسعار تنافسية، وقد يكون هذا حلا معقولا لضبط الأسواق وإعادة التوازن إليها».
القضاء على الفقر
«المفاجأة في جائزة نوبل للاقتصاد هذا العام، ليست في أنها ذهبت إلى ثلاثة من خبراء الاقتصاد الأمريكيين معاً، ولكن المفاجأة التي يراها سليمان جودة في «المصري اليوم»، أن بين الثلاثة خبيرة اقتصادية، هي ثاني امرأة تحصل على نوبل في الاقتصاد، منذ نشأ هذا الفرع من الجائزة قبل 50 سنة، وهي أيضاً الأصغر في تاريخ نوبل، فعمرها 46 عاماً ولكن هذه المفاجأة تبقى شكلية رغم كل شيء، فالمفاجأة الحقيقية تظل في أن الثلاثة قاموا بدراسات نظرية واسعة، وزاروا عدداً من الدول في أكثر من قارة، وكانوا في الحالتين يبحثون نظرياً وعملياً، عن الطريقة الأنجح للقضاء على الفقر وقد رأت هيئة الجائزة في مقرها في السويد، أن الثلاثة توصلوا إلى طريقة لمحاصرة الفقر تماماً على المدى الطويل، تختلف عن كل طريقة سابقة فماذا فعلوا؟ زاروا الهند في آسيا، وزاروا دولاً في افريقيا، ولاحظوا حياة الناس، واكتشفوا أن مكافحة الفقر ليست في أن تعطي الفقير مالاً في يده، لأنه سرعان ما سوف ينفقه، ثم يطلب مالاً آخر، ومالاً ثالثاً، وهكذا وهكذا بلا نهاية للطلب، ولا للفقر طبعاً ولا مطاردة الفقر تكون بالمساعدات العينية أياً كان حجمها وشكلها، فبسرعة سوف يستهلك الفقير كل مساعدة تقع في يده، وسوف يكون في حاجة متجددة إلى مساعدات لا تتوقف، وسوف يبقى فقره كما هو، وربما تزداد حدته مع مرور الأيام فما العمل؟ هكذا أتخيل أن الخبراء الثلاثة سألوا أنفسهم في حيرة بالغة، ثم راحوا يبحثون عن إجابة تكون شافية. وكانت الإجابة أنه لا شيء يلاحق الفقر ليقضي عليه في كل مكان سوى شيئين اثنين، أما أولهما فهو إتاحة نظام تعليمي صحيح للتلاميذ، وقد جربوا الفكرة على 60 مليون تلميذ هندي، وكانت ناجحة للغاية، والفكرة هي أن تعليم التلميذ الفقير جيداً يضمن له فرصة عمل، ويضمن بالتالي معيشة أفضل، ويضمن كذلك صعوده من طبقة اجتماعية يعاني من وجوده فيها إلى طبقة اجتماعية أعلى. والشيء الثاني، هو إقناع الدول بأن أفضل ما يمكن أن تقدمه لفقرائها أن تزيد من الإنفاق العام المخصص للخدمات العلاجية، التي تقدمها لهم وربما لا تبدو الفكرة التي جاء بها الثلاثة جديدة من أول وهلة، ولكن الجديد فيها أنهم نقلوا أفكارهم من الكتب إلى الواقع بأنفسهم، وأثبتوا نجاحها، وبشروا بها، وراهنوا عليها، واعتبروها هدية لكل فقير».
البلطجة
وإلى قضية مقتل الطالب محمود البنا على أيدي طلبة آخرين لأنه منع أحدهم من معاكسة فتاة في مدينة تلا في محافظة المنوفية، فكانت مناسبة للتحذير من الانهيار الذي تتعرض له أخلاقيا بعض فئات الشعب، وقال عن ذلك في «الأهرام» أحمد فرغلي: «هناك عائلات تفتخر بالابن البلطجي، وهناك آباء لا يكترثون بنتائج تدليلهم، ويتوهم بعضهم أن ابنه فوق البشر، وأنه مهما يفعل فهو ابن فلان ويتركونه بمنتهي الجهل يعبث بما حوله. وهناك من يتحرش بهذه ويضايق هذه ولا يجد من يردعه. هناك آباء وأمهات لا يعرفون شيئا عن مدارس أولادهم، ظنا منهم أنهم ملتزمون ويستيقظون أحيانا على مصيبة. نماذج البلطجة، ليست قليلة أمام المدارس، خاصة الفنية، والأهالي يضعون أياديهم على قلوبهم خوفا من تورط أبنائهم في أي مشكلة قد تودي بحياتهم، فهل تتحرك الحكومة؟ وهل يعطي الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء توجيهاته بالتصرف حيال كل من يثبت تورطه في مثل هذه الأفعال القبيحة».
لم تمت الشهامة
لكن زميله في «الأخبار» عبد القادر محمد علي لفت انتباهه إلى ردة الفعل العنيفة التي أثبتت أن المجتمع بخير وقال: «ليس صحيحا أن القيم ماتت والشهامة تتراجع إلى الخلف والدليل الانتفاضة الأخلاقية التي تغطي مصر حاليا، وتطالب بالقصاص من أشرف راجح قاتل الطفل محمود البنا «شهيد الشهامة» في المنوفية مع 3 بلطجية اشتركوا معه في الجريمة. انتفاضة أهل مصر ضد قتلة محمود انتصار للأخلاق والقيم والضمير».
بيان النيابة العامة
وأصدرت النيابة العامة بيانا ردت فيه على بعض من قالوا إن هناك وساطات للنزول بعمر الطلاب الذين شاركوا في الجريمة إلى سن الحدث حتي لا تتم محاكمتهم جنائيا، وقالت النيابة في بيانها الذي نشرته معظم الصحف المصرية ومنها «اليوم السابع»: «ندبت النيابة العامة خلال تلك التحقيقات أطباء مصلحة الطب الشرعي وخبراء الأصوات في الهيئة الوطنية للإعلام؛ للوقوف على حقيقة الواقعة، بأدلة فنية دامغة تطابقت وجميع الأدلة القولية التي حصلتها التحقيقات؛ وقدمت المتهمين جميعاً محبوسين إلى المحاكمة الجنائية بعد وقوع الجريمة بأيام معدودات». وإذا توقر النيابة العامة القانون وإجراءاته، فإنها تؤكد بداية أن للمحاكمة الجنائية إجراءات استقرت في ضمير المجتمع، حتى لا يضار خصم من خصوم الدعوى، وتلك الإجراءات هي من النظام العام، فلا يجوز الخروج عليها أو اختزالها، فإن العدالة لا تقوم إلا باتباع تلك الإجراءات، وكما أن النيابة العامة حرصت على إنجاز التحقيقات وإحالة المتهمين في أيام معدودات دونما إخلال بما توجبه التحقيقات، لكشف الحقيقة، وبدون تمييز بين خصوم الدعوى، فهي أشد حرصا على احترام إجراءات القانون للوصول إلى محاكمة عادلة ينال فيها كل جان جزاءه وفقا لأحكام القانون، وتؤكد أنه لا مجال لأي تدخلات من أي طرف كان، فالجميع أمام القانون سواء، فعليكم بالتحقق من الأخبار قبل نشرها وتداولها، واعلموا يقينا أن المساواة جوهر العدل وأن العدل أساس الملك».
فيلم «الممر»
وإلى المعارك والردود، وقيام الكاتب وجيه وهبة في مقاله في «المصري اليوم» بمهاجمة الرئيس السيسي بسبب طلبه إنتاج فيلم سينمائي كل ستة شهور، مثل فيلم «الممر» عن بطولات حربي الاستنزاف وأكتوبر/تشرين الأول ليعرف الشباب الذين ولدوا بعدها تضحيات الجيش، لأن الرئيس لا يملك مرجعية سينمائية، وأن عملا كهذا سيؤثر على علاقة مصر بإسرائيل ويعيد النزعة العدائية والحربية للمصريين نحوها، وقارن بين فيلم «الممر» الحالي وفيلم «أغنية على الممر» ومما قاله: «في الفترة ما بين هزيمة يونيو/حزيران 67 وانتصار أكتوبر/تشرين الأول المجيد 73 كتب المبدع علي سالم بمهارة حرفية عالية مسرحية من فصل واحد باسم «أغنية على الممر» تتناول المسرحية قصة بطولة «أربعة جنود وشاويش» أثناء حرب يونيو 67 هم مَن تبقى من «فصيلة» كانت مُكلَّفة بالدفاع عن أحد ممرات سيناء الحيوية، وانقطع الاتصال بينهم وبين مركز القيادة، لتعطل جهاز الاتصال، بعد أن نجحت المسرحية على خشبة مسرح المحترفين، وقدمها الهواة في الجامعات. تم تحويل المسرحية إلى فيلم فشاهدنا الفيلم الرائع «أغنية على الممر» عام 1972 بطولة محمود مرسي ومحمود ياسين وصلاح قابيل وصلاح السعدني وأحمد مرعي، سيناريو وحوار مصطفى محرم وكلمات أغنية الفيلم للأبنودي والإخراج لعلي عبدالخالق. كان فيلم «أغنية على الممر» فنًا وطنيًا رفيع المستوى، يعزز روح المقاومة ويؤكد بطولة جنود الجيش المصري البواسل ذلك الجيش الذي ظلمه الطيش السياسي وسوء الإدارة وغوغائية إعلام ما قبل يونيو 67، حينما يُعبر الرئيس عن إعجابه بالفيلم الجديد «الممر»- «ولا علاقة له بفيلم «أغنية على الممر» سوى بعض الاقتباسات) ـ فهذا هو رأيه الشخصي كمشاهد- وهذا حقه تمامًا- ولكن الرئيس ليس بمرجعية سينمائية، من الممكن أن نأخذ في الاعتبار رأي الرئيس في بعض الجوانب السياسية المطروحة في الفيلم، من خلال بعض العبارات الواردة في الحوار- التي ربما نراها غير متوائمة مع التوجهات المصرية المعلنة للعالم – ولكن وبصفة عامة ليس من المناسب أن يتحول رأي الرئيس في فيلم إلى توجيهات رئاسية للعاملين في عموم الحقل السينمائي. البون شاسع بين الأفلام الوطنية التي ترتدي رداء أفلام «الأكشن» وأفلام «الأكشن» التي ترتدي رداء الوطنية الزاعق. أتركوا المهن لصُناعها المحترفين وليلتزم كلٌّ بحرفته التي يجيدها، المنتج منتج.. الكاتب كاتب.. والمخرج مخرج.. والممثل ممثل. في أزمنة السلم والتنمية ندعم روح الانتماء للوطن بجرعات حماس بنَّاء منضبط غير منفلت وليس بإيقاظ غرائز الحرب العبثية من سياق مضى كتكأة للالتفاف الوطني وقديمًا قالوا: الشيء اللي يزيد عن حده ينقلب ضده».
الخلطة السحرية
«انفجر الناس في لبنان، ليس احتجاجاً على قضية بعينها، ولكن رفضاً للنظام بأكمله بدون استثناء في لبنان مربع الطائفية: الفساد، الاختراق الإقليمي والدولي، المحاصصة في الحكم والسياسة، والفساد، هو الخلطة السحرية المؤدية – حكماً- إلى الغضب العارم المؤدي للانفجار، كما يرى ذلك عماد الدين أديب في «الوطن». ما يحدث في لبنان – حتى الآن- هو حركة مطلبية تلقائية من جماهير «كفرت من استحالة الحياة، فكفرت بكل، وأكرر كل، النخبة والطبقة السياسية في البلاد». نادى الـ5 آلاف سياسي لبناني العائلي الطائفي الذي يزاوج بين البيزنس والسياسة، والذي يتعيّش على كل أعمال السمسرة غير المشروعة، هو الذي يتداول الحكم والإدارة العليا والمناصب الأساسية في كافة المؤسسات التنفيذية والأمنية، منذ عام 1943. انتقل لبنان من بيزنس الخدمات والسياحة إلى بيزنس الحرب الأهلية (سلاح، مخدرات، أتاوات، ميليشيات) لمدة 17 عاماً، إلى بيزنس توزيع المصالح على لوردات الحرب الأهلية اللبنانية. كانت الصفقة التي أقنعت لوردات الحرب الأهلية أن يتم استبدال بيزنس الحرب ببيزنس جديد يقوم على «بيزنس السلم الأهلي» (الأراضي، أملاك بحرية، مولدات كهرباء، غسيل أموال، تهريب بضائع، زراعة مخدرات، فساد وسمسرة حكومية). تم اغتصاب المال العام في حكومات متعاقبة، وأصبح المنصب الحكومي الرفيع هو مقدمة للانتفاع الشخصي، عبر فساد عميق لا ضمير له امتص دماء الطبقات الكادحة. ومع انخفاض تحويلات المغتربين اللبنانيين في العالم العربي وافريقيا بسبب سياسات توطين الوظائف، ومع هبوط السياحة في لبنان، ومع زيادة الدين العام إلى 120 مليار دولار، استحالت الحياة اليومية، وحدث تهديد وجودي للطبقات الكادحة، وتآكلت كافة شرائح الطبقة المتوسطة النشيطة في لبنان. ارتفع عدد العاطلين عن العمل إلى 40٪ من قوة العمل في البلاد، وأصبح الحديث عن ارتباط العجز الحكومي بمصالح شخصية لأساطيل المافيا السياسية في لبنان. أصبح معروفاً أن قضايا النقابات والكهرباء والأملاك البحرية والغاز ترجع إلى فساد مخيف تم فيه توزيع المغانم على الطبقة السياسية الحاكمة. أصبح التوريث السياسي العائلي داخل الأحزاب التقليدية أمراً مفروغاً منه، وأصبح الإقطاع السياسي متزاوجاً مع الفساد. وأصبح كل فريق يستقوي بفريق في الخارج، وتحول الصراع الداخلي إلى تعبير حقيقي عن الصراع الإقليمي في المنطقة. أصبح المال السياسي شريان الحياة للأحزاب الرئيسية في البلاد، وتحول رؤساء هذه الأحزاب وكلاء، بل عملاء، للقوى التي تمولهم. إنها مقادير – لا شك- لكعكة التدهور والانهيار المؤدي إلى الفوضى. ثار الناس وانفجروا بعدما أصبحت فاتورة الكهرباء والغاز والماء والموبايل وحدها أضعاف مرتبهم. ثار الناس لأن سعر ربطة الخبز وجالون البنزين وجالون المياه غير متوفر لدى الملايين. أصبح «الزي المدرسي» وفاتورة الدواء أموراً شبه مستحيلة، تكسر النفوس وتقهر أرواح الطبقات المقهورة اجتماعياً، المهمشة سياسياً، المحبطة إنسانياً. نفد صبر الناس، وأصبحت ثورتهم ضد الجميع، وأصبح كفرهم مطلقاً بكل، وأكرر كل، الطبقة السياسية. ضاعت الثقة تماماً لدى الجماهير بالعائلات والأحزاب والطوائف والرموز التقليدية، والقيادات الروحية كلها، وأكرر كلها. هذه الحركة ليست حركة تيار ضد آخر، أو طبقة ضد أخرى، أو حزب ضد آخر. هذه الحركة ليست جزءاً من مؤامرة محلية أو إقليمية أو دولية، بل حركة جذرية تلقائية معبرة عن نفاد صبر الملايين الموجوعة الغاضبة.
الصراع الآن يتخذ هذه المرة طرفي صراع جديدين هما: الطبقة التقليدية السياسية ورموزها التي تدير النظام السياسي منذ 1943، مقابل جماهير الشعب التي تعيش على أرض لبنان منذ العصر الحجري حتى الآن. إنه صراع بين انهيار عهد ودولة ونظام وطبقة حاكمة، أو انهيار تماسك شعب ودولة، وتحويلها -لا قدّر الله- إلى دويلات وفوضى ودماء. هناك شيء جذري تغير في عقول الناس ونفوسهم ووعيهم، وهو أمر لم تفهمه ولم تستوعبه الطبقة السياسية التقليدية حتى الآن. انهيار طبقة أم انهيار شعب، تلك هي المسألة. ولعل ما قاله المفكر العظيم جمال الدين الأفغاني كان صادقاً حينما قال: «تنهار الدول – أولاً- من داخلها، قبل أن يغزوها غازٍ من الخارج». من سيُقصي الآخر: الشعب سيدفع النظام – كل النظام- للرحيل، أم أن النظام القديم برجاله وطوائفه وأحزابه وميليشياته سيدفع الشعب إلى الرحيل؟».