الدوحة – «القدس العربي»: لا شك أن الرهان الأكبر في مسألة التعامل مع ثقافة الأبناء في مجتمعاتنا العربية والإسلامية هو كيف نجعل أبناءنا يقرأون، لذلك يبدو الاتجاه إلى منعهم من القراءة وكأنه مزحة غير منطقية أو محاولة مضللة، خاصة في عصر الهواتف والألواح الذكية التي سيطرت على عقول الصغار والكبار. والأبحاث العلمية والتربوية – في حدود علمي – لم تحدد سقفا معينا لـ «مدمني القراءة»، كما لم تسجل حدا أدنى للذين لا يقرأون، لكن عندما يتعلق الأمر بالأطفال فإن الوضع يصبح مختلفا.
وهذا الذي حدث مع رانيا الصوالحي، وهي باحثة أكاديمية ودكتورة متخصصة في القيادة التربوية ولها بحث منشور حول نوادي القراءة في العالم العربي، حيث واجهت موقفا غريبا وطريفا في آن واحد مع أبنائها، عندما اضطرت إلى منعهم من القراءة والمطالعة، بعدما لاحظت أنهم لا يمارسون أي شيء آخر في اليوم إلا القراءة، خاصة وأن ذلك حدث خلال الإجازة.
أثناء دردشة مع «القدس العربي» على هامش ندوة نظمت في متحف الفن الإسلامي في الدوحة بعنوان «النساء والقيادة الثقافية»، كشفت الباحثة الأردنية رانيا الصوالحي أن تجربتها التربوية في جانبيها التدريبي والأكاديمي ورحلتها مع عالم نوادي القراءة، كانت لها بالغ الأثر الإيجابي على عائلتها، خاصة أطفالها، لكن ذلك لم يمنع من أن تتخلل هذه التجربة فترات ومواقف طريفة بقيت محفوظة في الذاكرة، لكنها اليوم لا تمانع في مشاركتها،لأول مرة، مع قراء «القدس العربي».
أغرب المواقف
ولعل أغرب هذه المواقف – تقول الصوالحي – «في فترة ما، لاحظت أن أولادي لا يقومون بأي شيء سوى أنهم يقرأون، صارت كتبهم منتشرة في كل مكان في البيت، في الصالون، في المطبخ، في غرفهم. وتحت مخداتهم. ولأن هذا كان يحدث حتى خلال الإجازة الصيفية، فقررت منعهم من المطالعة وطلبت منهم ترك كتبهم جانبا والتوقف عن القراءة». وتضيف «كنت أطلب منهم الخروج إلى الشارع للعب والاستمتاع بأوقاتهم، بل إنني اضطررت لتهديدهم. إذا لم يتركوا الكتب فإنني سأجلب أقفالا لمكتباتهم وأُغلقها نهائيا».
ويبدو أن السيدة رانيا الصوالحي أرادت من هذا «المنع المؤقت» أن تعمل على تقنين وضبط مواعيد المطالعة بالنسبة لأولادها، ونجحت في ذلك. وكانت تجربة غريبة. كما أرادت أن تقول لأبنائها من خلال هذا السلوك بأن للقراءة فوائد لا تعد ولا تحصى، ويكفي أنها أول الأوامر الإلهية في كتاب الله، وأن أنواع القراءة متنوعة، مثل قراءة المواقف والأشخاص وقراءة الكون من حولهم.
فالقارىء الحقيقي يربط بين ما يتعرف عليه في الكتب وواقعه.
وفي النهاية كان طلبها إعادة النظر في طبيعة ونوعية قراءاتهم، هذا دعوة منها لأبنائها أن يكتشفوا فرصا مختلفة في حياتهم الشخصية ويقرأوا أنفسهم وقدراتهم، وأيضا حتى لا تزيد فرص حرمانهم من الاستمتاع باللعب وكسب صداقات جديدة، وتقيهم من احتمال الإصابة بالإجهاد والإرهاق، بل وتوفر لهم – على الأقل – إمكانية التعرض للشمس والهواء. كما أن القراءة الكثيرة قد تسبب حالات من الصراع النفسي بين المثالي المقروء والواقعي غير المكتمل، لكن الدكتورة رانيا تدرك ذلك جيدا، وهي تؤكد بأنها ربت أطفالها على مبدأ «القراءة التي تنمي فيهم نزعة التفكير الناقد، وتبعدهم عن القراءة بتسليم أو استسلام».
وتُرجع الباحثة هذا الميل والإنغماس العائلي في القراءة إلى أسباب تكاد تكون وراثية، وتقول «والدتي، رحمها الله، هي التي غرست في نفسي حب القراءة، كانت من المستحيل أن يمر عليها يوم بدون أن تمسك فيه كتابا، فوالدتي، رحمها الله، كانت تتحدث 3 لغات وتحب التعلم المستمر». وتضيف «هذه العادة العائلية المستمرة والثبات على الفكرة شكل أولوية في حياتنا».
لكنها تؤكد على ضرورة أن نعرف «ميول أبنائنا ونحترم تنوعهم ونتقبل اختلافهم». وتقول «لا نريد في مجتمعاتنا وعالمنا العربي نسخا مكررة، فهناك من يقرأ نفس الكتاب بالطريقة نفسها والآلية نفسها، التي تعلمها». وتتحدث الباحثة عن ما تسميه «القراءة الفعالة»، وتشير إلى أهمية الإطلاع على بعض الكتب المرشدة للقراءة الصحيحة أو المثلى ، وتذكر كتاب «القراءة المثمرة» لعبد الكريم بكار و»كيف نقرأ» وهو كتاب مترجم.
تقول الصوالحي «أولادي، والحمد لله، كلهم يحبون القراءة، كل في مجاله طبعا وبنسب متفاوتة، وإذا أحسست أن لديهم فتورا أو عدم إقبال على القراءة، أطلب منهم تصنيف المكتبة والقيام بجرد محتوياتها، لكنهم اكتشفوا في النهاية أن الأمر لم يكن يتعلق بتصنيف المكتبة، وإنما بالتعرف على كتب جديدة وبدء الرغبة في قراءتها». وفي هذا الشأن تسرد الصوالحي حادثة أخرى وتقول «أثناء زيارة لإحدى المكتبات، اكتشف أبنائي أن صاحبها لم يصنف الكتب التي تحتويها بطريقة صحيحة أو مناسبة، فتطوعوا بأن يقوموا بذلك، وخلال يوم كامل أنهوا المهمة بنجاح. ووضعوا الكتب في أماكنها الصحيحة، حسب المؤلف وحسب عنوان الكتاب والموضوع وهكذا. فاستغرب صاحب المكتبة واندهش من معرفتهم بذلك، فأعطاهم بعض الهدايا، بعضها كان عبارة عن سلسلة قصصية».
تقول الباحثة إن معظم الدراسات تؤكد أن مجرد رؤية الطفل للكتب من حوله أمر يحسن من أدائه أكثر من ثلاث أضعاف مقارنة بالطفل الذي لا يرى كتبا حوله. كما تؤكد على ضرورة أن يشعر الطفل بأهمية ذلك في ممارسات الذين حوله بدلا من مكافأته بأجهزة إلكترونية ثم نشتكي من تعلقه بتلك الأجهزة. وتقول «طريقة تعاملنا مع القراءة يجب أن يكون منهج حياة».
ثقافة نوادي القراءة نادرة في عالمنا العربي
كما تشير إلى أن ثقافة نوادي القراءة نادرة جدا في عالمنا العربي، وقد قامت برفقة زميلتها (الدكتورة يمن شعبان) بدراسة على 18 ناديا للقراءة في ، حول «نوادي القراءة في العالم العربي»، وهي الدراسة التي فازت بجائزة الشيخ فيصل للبحث التربوي 2019 في المركز الثاني عن فئة طلاب الدراسات العليا، حيث تم رصد التحديات والفرص وطريقة قيادة هذه النوادي في 6 دول عربية، ثم أوجدتا نموذجا يمكن أن يطبق في المدارس، بحيث يسهل على المعلمين وأمناء المكتبات وعلى القادة التربويين بأن يستوحوا الأمور الإيجابية الموجودة في هذه النوادي والدراسة منشورة.
للإشارة، الباحثة والمدربة التربوية رانيا الصوالحي، من جنسية أردنية وتعيش مع عائلتها في قطر، اكتسبت منذ حوالي 20 عاما العديد من المهارات والمعارف والخبرات، سواء كباحثة أو كمديرة تخطيط استراتيجي وتطوير مشاريع تربوية تضمنت تطبيق برامج عالمية، ساهمت في تأسيس مراكز تدريبية تربوية متخصصة في قطر، وفي إنجاز عدة دراسات.
وقد ناقشت رسالتها الدكتوراه حول القيادة التربوية في جامعة «ووريك» في بريطانيا بعنوان «المعلم القائد: فرص وتحديات»، وتقوم أيضا بتدريب باحثين وتربويين على مهارات وبرامج بحثية متخصصة، وتقدم دورات في تطوير المشاريع التربوية، وساهمت في قيادة مشروع تدريب الكتروني، وهي أيضا شريك مؤسس في شركة «Eduenterprise» غير الربحية التي تقدم حلولا مبتكرة في مجال التربية والتعليم.