القاهرة ـ «القدس العربي»: كان الموضوع الرئيسي في صحف اليومين الماضيين السبت والأحد 26 و27 أكتوبر/تشرين الأول عن الامطار الغزيرة التي سقطت على البلاد، وأدت إلى تعطيل الدراسة في عدد من المحافظات وغرق كثير من الشوارع، ووفاة عدد من الأشخاص وتكدس المرور، ولم يكن الاهتمام على صورة أخبار فقط، إنما معظم المقالات والتعليقات والتحقيقات كانت عن هذا الموضوع الذي أعاد للأذهان المثل التاريخي الذي اخترعه المصريون لمثل هذه الحالات وهو، البلد غرقت في شبر مية.
وفي حقيقة الأمر فإن هذه الحالة متكررة كل عدة سنوات، وهي هطول أمطار غزيرة غير متوقعة، تؤدي إلى مثل هذه النتائج، وهي تحدث مرة أو مرتين في فصل الشتاء، وتعالجها الحكومة بدفع سيارات شفط المياه من الأماكن التي تتجمع فيها، وفي الشوارع الرئيسية، أما في الحواري والأزقة غير المرصوفة، فتتحول إلى مستنقعات طين تترك للشمس مهمة تجفيفها. وحذرت وزارة السياحة شركات السياحة من القيام برحلات للسائحين في الأماكن المعرضة للأمطار الشديدة حرصا على حياتهم.
الأمطار تعيد المثل التاريخي «البلد غرقت في شبر مية» وضبط كميات كبيرة من الأغذية غير الصالحة داخل مطاعم شهيرة
كما أبرزت الصحف الاجتماع الذي عقده الرئيس السيسي مع رئيس الوزراء، وعدد من الوزراء، واستعرض النتائج الإيجابية لخطة الإصلاح الاقتصادي والبناء عليها، لاجتذاب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، خاصة في المشروعات التي تستخدم عمالة كثيفة. كما أصدرت الحكومة بيانا أكدت فيه زيادة معدلات النمو، وتراجع في نسبة البطالة وواصلت وزارة الداخلية حملاتها لإزالة المخالفات والاعتداء على أراضي الدولة، وشن حملات لإلقاء القبض على الهاربين من تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدهم، وضد تجار المخدرات ومن يمارسون البلطجة. وانشغلت الصحف بشن حملات عنيفة ضد البرلمان الأوروبي بسبب بيانه الذي انتقد فيه عددا من الأوضاع في مصر، وكذلك هجمات ضد هيئة الإذاعة البريطانية بسبب استضافة مقدمة البرامج رشا قنديل، رجل الأعمال الهارب محمد علي وتوعده بإسقاط النظام. وكانت المقالات عن أحداث لبنان والعراق والعلاقات المصرية الروسية. وإلى ما عندنا….
التقليل من غضب الطبيعة
ونبدأ بالأهم والأكثر استحواذا على المقالات والتعليقات والتحقيقات، وهي الأمطار التي هطلت وأدت إلى وفاة عدد من الأشخاص وتعطيل الدراسة في مدارس عدد من المحافظات، وغرق الشوارع وصعوبة المواصلات والانتقالات، والغضب من تصريحات المسؤولين بانه لا توجد شبكة صرف في المدن للأمطار لأن مصر جوها دافئ وتسقط فيها الأمطار كل عام عدة مرات ويمكن معالجة الامور بشفط المياه المتراكمة، لأن إنشاء شبكة خاصة لصرف مياه الأمطار يحتاج إلى مبالغ ضخمة قد تصل إلى ثلاثمئة مليار جنيه، وهو ما قال عنه عماد الدين حسين رئيس تحرير «الشروق»: «نعذر الحكومة لعدم وجود ميزانيات بالمليارات لإنشاء شبكة صرف جديدة، رغم وجود ادعاءات بأن حكومات حسني مبارك أنجزت بناء هذه الشبكة في غالبية أحياء القاهرة الكبرى عام 1990، لكن ما لم يمكن أن نعذر الحكومة عليه أننا صرنا نغرق فعلا في «شبر ميه». ليست القضية أن يتواجد المسئولون في مكان الأمطار أو لا ينامون هذه الليلة، لكن أن يكونوا قد أدوا وأنجزوا عملهم قبل هطول الأمطار، لا نريد من المحافظ أو الوزير أو مسؤول المحليات أن يشفطوا المياه بأنفسهم، بل أن يتخذوا سياسات تقلل قدر الإمكان من غضب الطبيعة».
منظومة الإهمال والفساد
لكن في «المصري اليوم» شن محمد السيد صالح هجوما كاسحا ضد الحكومة والمحافظين والمسؤولين متهما إياهم بالفشل، وهاجم كذلك من اختاروهم لهذه المناصب، رغم انعدام كفاءتهم وقال: «ربط عقلي سريعا بين الخبر المفرح لنا جميعا بإعلان السلطات البريطانية عودة رحلاتها الجوية إلى شرم الشيخ، وصورة منتشرة على المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي لمجموعة من المسافرين في مطار القاهرة، وهم يركبون حقائب سفرهم الضخمة هروبا من مياه الأمطار، التي أغرقت صالات السفر، خاصة صالة رقم 2. ربط عقلي أيضا بين غرق الشوارع الرئيسية والراقية في مصر الجديدة ومدينة نصر، بما فيها نفق العروبة الذي يطل قصر الاتحادية عليه من الاتجاه الشرقي، وتقرير تلفزيوني مصور، يظهر فيه محافظ القاهرة وهو يختبر قدرة البلاعات على تصريف مياه الأمطار، والسيول. المضحك أن هذا التقرير تم تصويره قبل سقوط الأمطار بيوم واحد، وفي شارع ملتصق بمطار القاهرة. منظومة الإهمال والفساد اقتربت من القلب، وهذا هو الخطر الأعظم. أنا لا أتحدث هنا عن باقى المدن والطرق التي تضررت كثيرا من الأمطار، كنا ننتقد مبارك لأنه كان يتحدث طويلا عن إنجازاته في تنفيذ بنية أساسية في العاصمة والأقاليم، لكننا كنا نسلط الانتباه على أخطاء وثغرات هنا وهناك، كان يتم التفاعل معنا في الغالب وأحيانا لا يتم. الآن لدينا ما هو أخطر لا أحد يحترم دورنا في التنبيه والتحذير والمراقبة، لذلك فإن معدل الكوارث يتصاعد، لا أحد يحاسب مسؤولا عن خطئه في التصميم أو التنفيذ، هل سمعتم عن إحالة أي مسؤول عن شبكة الصرف الصحي في القاهرة الجديدة، بعد سيول العام الماضي، رغم التأكيد رسميا على أن هناك أخطاءً في تصميم مناسيب الشبكات في مدينة عصرية، فيها استثمارات عقارية ومالية بعشرات المليارات؟ لو كانت قد تمت محاسبة مسؤولي القاهرة الجديدة، لتوقعت محاسبة المسؤولين عن مطار القاهرة، خاصة إدارة صالة السفر 2، التي تم تجديدها وتطويرها بمبالغ خيالية قبل عامين. لا أتوقع أيضا محاسبة المسؤولين عن عدم إجراء الصيانة الدورية الطبيعية وليس الاستعراضية للمرافق، بما فيها شبكات الطرق والكهرباء والمياه والصرف الصحي، وأنا هنا لا ألوم المحافظين في الأساس، لأنهم واقعيا لا حول لهم ولا قوة، بعضهم يمتلك نشاطا وإقداما، وفيهم من لا يتفاعل أو يستمع، إلا لمن اختاره. المسؤولية في الأساس على الحكومة ورئيسها، على البرلمان الذي لا يراقب أوجه الإنفاق الرشيد لموازنة الدولة. زاد الاهتمام بمشروعات استعراضية وعملاقة هنا وهناك، وتم تجاهل العاصمة العريقة حتى اقترب الانسداد من مركزها القيادي».
الفساد
وحكاية الفساد التي أشار إليها صالح كررها في «الأهرام» محمد حسين بقوله: الغرق في شبر ميه، تلك العبارة الشهيرة التي تعبر عن العجز وقلة الحيلة تجاوزت معناها المباشر، ولم تعد ملائمة لواقع الحال، لأن الغرق في شبر ميه أصبح شاملا. غرق في الفوضي والزحام والبلطجة والتلوث والعشوائية والوعود التي لا تتحقق، وغياب القانون الذي يردع ولا يفرق بين المواطنين، أخطر ما في الكابوس هو دلالته، وهي دلالة مباشرة وواضحة لا تحتمل الالتباس والمراوغة، تشير بقوة إلى أن الفساد اصبح مستشريا في الجهاز الإداري للدولة، وإن منظومة المحليات السائدة فقدت صلاحياتها، وأصبحت غير ملائمة بعد أن نخرها الترهل والفساد».
الموت صعقا بالكهرباء
وفي «الأخبار» تمنى الكاتب الساخر عبد القادر محمد علي أن يموت أحد المسؤولين الكبار صعقا بالتيار الكهربائي، بعد أن يلمس سلكا مكشوفا وقال: «من المسؤول عن الإهمال الجسيم الذي يقتل الأبرياء صعقا بالكهرباء، كلما هطلت الأمطار، إنه سؤال كل شتاء الذي يتردد دائما بدون أي إجابة، رغم أن هناك بشرا آخرين مرشحين للموت في أي لحظة بالطريقة البشعة نفسها وأتصور، أنه لن يتحرك مسؤول لوقف هذه المأساة إلا إذا شاءت الأقدار وخرج السلك العريان برأسه من داخل عمود النور ليصعق واحدا من اللي بالي بالك يا مسهل».
كاريكاتير
أما الرسامة دعاء العدل فأخبرتنا في «المصري اليوم» أنها كانت تسير في أحد الشوارع التي أغرقها المطر، فشاهدت مقدمة برامج تلفزيونية غارقة تظهر يدها وهي تمسك الميكروفون، وتسأل مواطنا بائسا غارقا مثلها تحب تقول أيه للمسؤولين ؟ فرد عليها قائلا: أحب أشكرهم على البنية التحتية.
البرنامج الاقتصادي
ومن فشل الحكومة في مواجهة الأمطار وغرقها في شبر ميه، إلى نجاحها في برنامجها الاقتصادي، بفضل تحمل الشعب لمصاعبه ومطالبته برد الجميل، كما جاء في مقال حازم منير في «الوطن» وقوله: «إذا كان برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي الذي تحقق قد استند في نجاحه إلى سياسات وبرامــــــج ورؤى وأفكار اقتصــادية، فإنه ما كان سيحقق هذا النجاح من دون مساندة شعبــــية وافقت على هذه السياسات، وتحملت الكثير من التبعات الاجتماعية الناجمة عن هذه السياسات وتوابعها.
الدولة وهي تنفذ برنامج الإصلاح تنبهت مبكراً إلى الجانب السلبي لهذه السياسات، وتحديداً في مربع تلبية الاحتياجات الأساسية للحياة اليومية، إلى جانب قطاع الخدمات بكافة أنواعه وأشكاله، فكانت حزمة الإجراءات الاجتماعية التي أقرتها الدولة لاستيعاب بعض تلك التأثيرات السلبية على قدرات الناس، لكن كل تلك الإجراءات لم تمنع من تأثيرات من الصعب للغاية محاصرتها، فالدولة تتكلف عالياً من أجل محاصرة بعض هذه التداعيات ومنها مثلاً، المنافسة في الأسواق للسيطرة قدر الإمكان على الأسعار، وتشكيل قوة ضغط على أباطرة السوق، في محاولة للتأثير فيهم، أو التعاون معهم في تقديم السلع بأسعار ملائمة لقطاعات كبيرة من المجتمع، لم تعد قادرة على التعامل مع المتغيرات السريعة الحاصلة في كلفة أعباء الحياة.
النجاحات التي تحققت وشهدت بها مؤسسات عالمية، وتحولت إلى نموذج تضرب به الأمثال في العديد من الفعاليات الأممية والدولية، هذه النجاحات تفرض نفسها على أذهان الناس، باعتبارها تعكس اللحظة التي انتظرها الجميــــع للركون إلى الهدوء والراحة بعد الماراثون الطويل الذي اجتازه المصريون للخروج من مأزق اقتصادي، كان هو الأخطر في تاريخ البلاد، وربما كان مرشحاً لطريق إعلان الإفلاس العام. يجب أن نقر بأننا في زمن الاستحقاقات الاجتماعية، وأن نضع سياسات تعكس هذا المفهوم، وتدفع في اتجاه نجاحه كما فعلنا في زمن الإصلاح الاقتصادي».
مطالبات مشروعة
أمينة النقاش رئيسة مجلس إدارة جريدة الأهالي لسان حال حزب التجمع اليساري كانت صريحة في مقالها في جريدة «الوفد» لانها طالبت الرئيس بوقف حملات الاعتقال العشوائية التي يقوم بها، وإبعاد من ساندوه، والتقدم بمبادرة للمصالحة وقالت: «آن الأوان لكي يلبي الرئيس السيسى رغبة كثيرين من المخلصين لهذا الوطن ولأهله، أن يتقدم بمبادرة للم شمل كل العناصر التي شاركت في ثورة 30 يونيو/حزيران، وإعادة بناء التحالف الذي بشر بها، ودعا إليها وقادها، لكي لا يصفها أحد بأنها الثورة التي أكلت أبناءها، وهو ما يتطلب بداهة وقف حملات القبض العشوائي المستمرة، ومنع استخدام الحبس الاحتياطي كوسيلة لإطالة أمد الحبس للمقبوض عليهم، ومنع حملات التشهير والتخوين والتهديد الدعائية والإعلامية ضد المخالفين في الرأي، ونبذ أساليب الملاحقات الأمنــية التي تعتدي على كرامة الناس، استنادا إلى تقارير أمنية ووشايات ومصالح شخصية، وتحريضات الإعلام الفضائحي، وكلها أمور تتفاعل مع تراكمات المعاناة الشعبية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، لتقوض شرعية أي دولة، وتفقد القائمين على إدارة شؤونها القدرة على السيطرة على الأمور، وإعادة بناء تحالف 30 يونيو/حزيران إلا ممن ثبت فساده وانتهازيته، باتت خطوة ضرورية لتصليب الجبهة الداخلية وتقويتها في مواجهة مختلف الأخطار، وهذا لا يحدث سوى بلئم جراح من طالتهم سهام حملات فاسدة وأبعدتهم ومن أغضبتهم تجاوزات سافرة، فانسحبوا صامتين والتسامح حتى مع من أخطأ منهم، لأن علينا الاعتراف بأن المعالجات التي تمت للتعامل مع تلك الأخطاء قد حولت من فرط مبالغاتها كثيرين من معسكر الحلفاء إلى ساحات أعداء».
إعادة الاعتبار
«لا يمكن فصل الحال التي وصل إليها الإعلام في مصر خلال السنوات الفائتة عن حال الارتباك والخلل التي نعيشها في مجالات عديدة، مع الأخذ في الاعتبار، يقول الدكتور ياسر عبد العزيز في «المصري اليوم»، أن قطاع الإعلام على قدر من الخطورة والأهمية، يجعل تبعات هذا الخلل أكثر فداحة وتأثيراً.
للأسف الشديد، فإن الإعلام المصري، خلال السنوات الأخيرة، بات بائساً وعاطلاً. ستتحمل السلطات العامة مسؤولية كبيرة عن حال الخلل التي يعانيها الإعلام الآن، لأنها أخفقت في تنظيم المجال الإعلامي، ولم تلب المطالب الرامية إلى تأمين القدر المناسب من المهنية، وأظهرت الحرص الكبير على تطويع الإعلام واستخدامه كأداة دعاية، بدلاً من دوره المفترض أداة تنوير.
وسيشارك الجمهور في المسؤولية بكل تأكيد، لأنه أظهر إفراطاً في «التعاطي» مع المواد الإعلامية الرديئة، وراح يشجع الممارسات الحادة والمنفلتة، ويحتفي بها، ويروّج لها، في الوقت الذي انصرف فيه عن كثير من أنماط الأداء الرشيد. وستسهم الأكاديمية، ومنظمات المجتمع المدني المعنية، بقدر من المسؤولية عن تردي الأداء الإعلامي العام، خصوصاً أن تلك الدرجة من التدني لم يكن من السهل أبداً الوصول إليها، إلا من خلال خريجين غير مؤهلين بما يكفي.
لكن الإعلاميين والصحافيين يتحملون مسؤولية كبيرة عن هذا التدني أيضاً، ومعهم بكل تأكيد هؤلاء الذين امتلكوا وسائل الإعلام الجماهيرية لتوظيفها في خدمة مصالح سياسية أو تجارية، من دون الالتزام بالقدر المناسب من المعايير المهنية. لقد كان الإعلام المملوك للدولة، بأشكاله المختلفة، أقل صخباً ومجاراة للخطل في أنماط الأداء، لكنه لم يستطع أن يكون مصدر الاعتماد الرئيس للجمهور، وفق بيان مهمته، وقد حرم المواطنين والدولة من مليارات الجنيهات التي يتم إنفاقها عليه سنوياً، ولم يحسن استخدامها لتقديم خدمات لائقة، ولم يتركها للدولة لإنفاقها في أغراض أخرى أكثر إلحاحاً. وبشكل عام فقد أخفق الإعلام بشقيه الخاص والمملوك للدولة في مخاطبة الخارج. فلم تمتلك مصر صوتاً يوصل ذرائعها وحججها إلى العالم بطريقة فعالة في أحلك الأوقات، التي مرت بها خلال السنوات الفائتة. ليس هذا فقط، لكن بعض الصحافيين والمذيعين المصريين نجح في صناعة أزمات سياسية على أعلى مستوى، ليس لأنه يخدم تصوراً سياسياً محدداً، أو يعمل لمصلحة دولة أو تيار، ولكن فقط ليكسب عدداً أكبر من المشاهدات والتعليقات، أو لإرضاء القائمين على إدارة الوسائل، من دون أي اعتبار لأي معيار أو قيمة. الأسئلة التي يجب أن يطرحها المجال الإعلامي الوطني على نفسه الآن بوضوح هي: هل أنا قادر على التمتع بثقة الجمهور واحترامه؟ هل أنا قادر على أن أخاطب العالم؟ هل أنا قادر على أن أحظى بتقدير الإقليم؟ هل أنا قادر على أن أنظم نفسي؟ فإذا كانت الإجابات بـ«لا»، فإن سؤالاً أكثر أهمية يجب أن يُطرح بإلحاح: ما العمل؟ يجب أن تكون هناك وقفة مع قطاع الإعلام، انطلاقاً من الاقتناع بأن الوضع الراهن كارثي، ولا يمكن أن يستمر من دون تغيير جوهري. يبدأ التغيير باستراتيجية جديدة، تنطلق من التوجيه الدستوري، الذي يؤكد على ضرورة أن يتمتع الإعلام المصري بقدر مناسب من الحرية والمسؤولية والتعدد والتنوع وإخضاع الأداء للتقييم. يجب أن نعيد الاعتبار إلى القواعد المهنية، التي من دونها ستصبح ممتلكاتنا في قطاع الإعلام بلا جدوى».
الهجرة أو الفساد
«لماذا يتركنا أفضل من فينا؟ سؤال لا يبرح ذهن دينا عبد الكريم في «المصري اليوم» التي تتساءل، ماذا تفعل مؤسساتنا الطبية في مصر- وبالأخص الحكومية منها- عندما يتركها أفضل أطبائها واحدًا تلو الآخر؟ من يسأل عن النظام (الطارد) للأطباء المصريين، من يسأل عن الفرص الضائعة التي تُهدر فيها طاقات وإمكانات طبيب شاب يمكن أن يقدم خدمة طبية مميزة لوطنه؟ تحديدًا سأناقش معكم حالة واحدة لطالب طب متفوق.. قضى سنوات دراسته الست، ثم تبعها بعام الامتياز، ثم ثلاث سنوات نيابة يُفترض بعد ذلك أن يتم تعيينه مدرسا مساعدا، ثم مدرسا، ثم أستاذا مساعدا، ثم أستاذا، المعلومات تقول إنه لسنوات الآن تتكرر المأساة بأن ينهي أولئك المتفوقون سنة الامتياز فقط.. ثم يصلهم الرد.. لا توجد لدينا «درجات» شاغرة، المقصود بها درجة وظيفية «معنوية» وراتبا ماديا زهيدا لا يتعدى ثلاثة آلاف جنيه ببساطة لا يوجد للشاطر مكان في المنظومة الصحية في مصر، فجأة يجد هذا الشاب المتفوق نفسه (في الشارع) رغم أن طموحاته لم تكن في أجر عادل أو مستحق لا، فالأطباء لم يعودوا يجرؤون على تلك المطالب للأسف، لكن كان طموحه في درجة وظيفية تضمن استمراره في السلك الأكاديمي في تخصصه، وفي الوقت نفسه استمراره في التعلم والممارسة داخل المؤسسات الطبية العريقة في بلده، ومن المهم للقارئ أن يعرف أن الطبيب أثناء فترة نيابته يقدم خدمات طبية للآلاف من المترددين على المستشفيات الجامعية.. إنها وظيفة ورسالة وخدمة، وكل شيء نبيل يمكن أن تسميه لكن، وأتمنى أن يصحح لي المتخصصون، ما يحدث على أرض الواقع، هو أن الطبيب يُترك بلا فرصة للاستمرار.. وتلتقطه المؤسسات الطبية الكبرى، في إنكلترا وكندا تحديدا، بشروط بسيطة جدا وسهولة شديدة للاندماج في النظام الطبي في المؤسسات التي تعرف قيمة (طبيب- شاب- في أوج فترة التعلم والطاقة) فهو كفاءة متميزة بطبيعة الحال.. يسهل جدا أن تجد لها فرصة وسط هذا المشهد العابث يقدم – من نجح في الصمود منهم- كل يوم نماذج بطولية للأداء المشرف والعمل بأقل الإمكانات المتاحة والإنسانية، في التعامل مع المرضى، والحقيقة أنه حتى التصريحات الأخيرة حول نقص الأطباء والعجز الواضح في أعدادهم قُوبلت بحلول مهينة للأطباء.. فزيادة أعداد المقبولين في كليات الطب ليست حلا عبقريا، كما ظن من اقترحه فالمشكلة ليست في العدد.. إنما في أسلوب إدارة الكفاءات لكن سؤالي: إلى متى؟ إلى متى سنظل نعول على «مثالية المتميزين» وأن يقدموا ما هو فوق العادي وبعد الممكن والمتاح؟ إلى متى سنظل نتعلق بآمال في قصص فردية للتميز.. بدون أن يكون لدينا نظام واضح لاستيعاب المتميزين؟ الحقيقة أنه حتى المتميزون نحن بأيدينا نتركهم عرضة لضغط رهيب بين خيارين متاحين طوال الوقت.. الهجرة أو الفساد وكلاهما ثمنه فادح على مصر كلها، والمرضى المصريين بشكل خاص».
ثقافة الطمع
أحلام بعض التجار وأصحاب مطاعم الأكل في تحقيق الثراء السريع، حتى إن كان على حساب صحة المواطنين، من خلال تقديم مأكولات مجهولة المصدر وفاسدة، تصطدم بيقظة أمنية مستمرة. يتأسف محمود عبد الراضي في «اليوم السابع» لدأب بعض أصحاب المطاعم على طرح الأغذية مجهولة المصدر والفاسدة على الزبائن، بهدف تحقيق أرباح كبيرة، بدون النظر لعواقب ذلك، فقد لا يتأثر المواطن بهذه المأكولات لحظة تناولها، وإنما يشعر بعواقبها لاحقاً، حيث يجد نفسه محاصرا بسلسلة من الأمراض نتيجة تناوله لهذه الأطعمة. الغريب في الأمر، أن بيع الأغذية الفاسدة لا يقتصر على المطاعم الشعبية، التي تعرض السلع بأسعار مخفضة، لكن بعض المطاعم الشهيرة والمعروفة، التي يتردد عليها الصفوة، ويدفعون آلاف الجنيهات فيها تشارك في هذه الجريمة، حيث ضبطت شرطة التموين كميات كبيرة من هذه الأغذية داخل مطاعم شهيرة، كان آخرها ضبط أكثر من طن لحوم و560 فرد حمام في مخزن مطعم في مدينة نصر. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات الرقابية وعلى رأسها شرطة التموين، إلا أن ثقافة الطمع لدى بعض أصحاب المطاعم تقف وراء انتعاش هذه الجرائم، فضلاً عن الدور السلبي لبعض المواطنين الذين يكتشفون فساد الأغذية ولا يحركون ساكناً، حتى بات البحث عن أطعمة مضمونة في الشارع أمراً ليس بالسهل، وعناء كبيرا يتكبده المواطنون الذين تضطرهم ظروف عملهم إلى البقاء ساعات طويلة خارج المنزل، فيضطرون لتناول الأغذية من الشارع. خلاصة الأمر، «بيزنس الأغذية الفاسدة» سينتهى حتماً عندما نمارس دورنا الإيجابي في الإبلاغ عن أصحاب المطاعم والمحال التي تعرض مأكولات فاسدة، أو منتهية الصلاحية وفيها تغيرات في خواصها، عندما يستيقظ «ضمير» صاحب المطعم، ويتخيل أن الضحية القادمة ربما يكون ابنه أو زوجته أو أحد أقاربه، وأن الأموال التي جمعها من حرام، لن تستطيع إنقاذه من الموت، عندما يعلم أن ما جمعه من أموال لن يعفيه من الحساب يوم العرض الأكبر، وقتها ستنتهى الأزمة برمتها».
في بلاد «الخواجات»
وإلى الهجوم الذي شنه الكاتب الساخر عاصم حنفي في مجلة «روز اليوسف» ضد الحكومة لعدم اهتمامها بتكريم الكتاب والمبدعين، وذلك بمناسبة اقتراب ذكرى ميلاد الدكتور طه حسين في الشهر المقبل وقال: «أخشى أن أطالب بتكريم المبدعين عندنا من عينة طه حسين ويحيى حقي ونجيب محفوظ، بوضع صورهم على العملات التذكارية وطوابع البريد، فيقوم السادة بوضع صورة المبدعين الوزراء، ولنا في ذلك سوابق في الطبل والزمر وتكريم الحكام، وفي بلاد الخواجات الأدباء والمبدعون حاجة تانية، وصورة الأديب الإنكليزي الأشهر تشارلز ديكنز تزين العملة الإنكليزية جنبا إلى جنب صورة الملكة اليزابيث، تعبيرا عن تقدير الدولة والمجتمع والملكة شخصيا للأديب، الذي أثري الوجدان، وعبّر عن هموم ومتاعب المواطن الإنكليزي الغلبان والمطحون. عندنا لا نكرم المبدعين بما يليق وهذا الاسبوع تحديدا تحل ذكرى رحيل طه حسين، الذي اختار يوم 28 أكتوبر/تشرين الأول 1973 للرحيل عن الدنيا الفانية. توقيت غريب كانت مصر مشغولة فيه بحرب أكتوبر فلم نلتفت جديا لرحيل عميد الأدب العربي، ومرت السنوات السنة تلو الأخرى، ولم تحتفل مصر أبدا بالأديب الكبير الذي تحل بعد أيام ذكرى ميلاده في 15 نوفمبر/تشرين الثاني 1889 مع أن طه حسين بالذات رائد من رواد التنوير الذين تصدوا للجهل والإرهاب الفكري والديني».
البرلمان الأوروبي
وإلى جريدة «المصري اليوم» التي نشرت بيان مجلس النواب ضد الهجوم الذي شنه البرلمان الأوروبي ضد مصر وقالت بعد أن نشرت النص الكامل لرد المجلس: «كان البرلمان الأوروبي قد أدان في اجتماعه قبل يومين في فرنسا ما وصفه بانتهاكات حقوق الإنسان في مصر، منددا في تقرير له بمقتل ثلاثة آلاف شخص من دون محاكمات حقيقية، بينهم أطفال ونساء منذ بدء حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، وطالب النواب الأوروبيون بضرورة تسليط الضوء على حقيقة مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، الذي عذب وقتل في مصر بداية عام 2016، حسب التقرير. ودعا النواب الأوروبيون، كما جاء البيان السلطات المصرية إلى وضع حد لجميع أعمال التعذيب والعنف والترهيب والتحريض ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والناشطين والصحافيين، والإفراج عن المعتقلين منهم، ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، إلى جانب رفع القيود المستمرة على الحقوق الأساسية في البلاد».
إيضاح الحقائق
ويوم أمس الأحد قال السيد البابلي في «الجمهورية»: «من حقنا أن نرفض تماما هذه التقارير التي تحاول فرض الوصاية والهيمنة علينا، وعلى سياساتنا وأمننا القومي، ولكننا في الوقت نفسه علينا مهمة الشرح والتوضيح وإرسال صوتنا إلى مختلف هذه الهيئات الدولية، بالمعلومة والبيانات الصحيحة، وعدم تجاهل ما يصلنا من استفسارات حول الكثير من الوقائع والأحداث ولقد تحدثنا في ذلك مرار وتكرارا إلى جهاز ومنظومة إعلامية خارجية تساعد سفارتنا في مهامها، وتتولي مهمة ايضاح الحقائق والرد على المنظمات والهيئات الدولية، بلغة عقلانية وفي إطار من بناء جسور الثقة والاحترام».
بيان حزب الوفد
كما أصدر رئيس حزب الوفد ورئيس اللجنة التشريعية في مجلس النواب المستشار بهاء الدين أبو شقة بيانا هاجم فيه البرلمان الأوروبي واتهمه بتنفيذ خطط ضد الدولة المصرية، ومما جاء في بيانه قوله: «ليست هذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها البرلمان الأوروبي قرارات سافرة ومشبوهة ضد مصر. كما أنه ليس مختصاً في هذا الشأن، وهذا التصرف يعني بالدرجة الأولى أن هناك أيادي عابثة تتعمد الإساءة إلى مصر وشعبها، وتشويه صورة مصر الجديدة التي تؤسس لدولة عصرية حديثة، كما أن الشعب المصري بتاريخه الطويل وخبرته السياسية الواسعة، هو القادر على أن يدافع عن نفسه، وليس في حاجة لمن يتحدث باسمه، فهذا هو الشعب الواعي العظيم، الذي انتفض مرتين في السنوات الأخيرة مرة في 25 يناير/كانون الثاني، وأخرى في 30 يونيو/حزيران، ما يعني أنه ليس في حاجة على الإطلاق لمن يتدخل في شؤونه ولا يعلم هؤلاء الذين يريدون تشويه صورة مصر الجديدة أن الشعب المصري قادر على أن تتحطم على صخرة إرادته كل هذه المؤامرات الدنيئة، التي تسعى إلى النيل من مصر وشعبها العظيم. التدخل السافر من البرلمان الأوروبي في الشأن المصري يكشف عن وجود مخطط حقيقي يسعى إلى النيل من مصر، ويهدف إلى تشويه الحقائق وبث الأكاذيب والادعاءات لصالح أطراف أخرى مغرضة، خاصة أن كل ما جاء في بيان البرلمان الأوروبي، عبارة عن مغالطات وأكاذيب وافتراءات وكلام مرسل عار من الدليل والإثبات، ويأسف حزب الوفد أن يكون البرلمان الأوروبي بمثابة «بوق» لأطراف ومنظمات غير حكومية، ذات أهداف مشبوهة، ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتنظيمات إرهابية يعرفها العالم أجمع تناصب مصر العداء الشديد، لأنها الدولة الوحيدة التي تحارب الإرهاب نيابة عن العالم».
حقوق الإنسان
أما عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان ورئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان حافظ أبو سعدة فقد أصدر بيانا قال فيه نقلا عن «المساء»: «البيان الصادر من البرلمان الأوروبي عن أوضاع حقوق الإنسان في مصر، كان يجب أن يتم التواصل بين البرلمان الأوروبي والبرلمان المصري للتأكد من صحة المعلومات، التي تلقاها من عدد من المنظمات غير الحكومية، لاسيما أن البيان تضمن عددا من الأرقام والإحصائيات غير موثقة وغير دقيقة مثل، أعداد المحتجزين على خلفيه أحداث يوم 20 سبتمبر/أيلول، وكذلك إحصائيات عدد الأحكام الصادرة بعقوبة الأعدام، الأمر الذي يضرب مصداقية ما جاء في القرار. إن البيان استخدم لغة استعلائية ضد الدولة المصرية، وهو أمر ليس معتادا في العلاقات الدولية، التي تقوم على الاحترام بين الدول والتعامل على أساس احترام السيادة للدولة. ومع كل التقدير للبرلمان الأوروبي فيجب أن يحرص على العلاقات المصرية الأوروبية، كدولة مهمة في المنطقة تلعب أدوارا إقليمية مهمة وتواجه تحديات كبيره من قبل منظمات إرهابية تسعى إلى تقويض الأمن والنظام. وأوضح أبو سعدة أن البيان تجاهل إجراءات اتخذتها الحكومة المصرية في مجال حقوق الإنسان، وتتعلق بقانون جديد هو القانون 149 الخاص بتنظيم العمل الأهلي وكذلك إفراج النيابة العامة عن مئات من المحتجزين».