لماذا باتت حكومة الأقلية مطلباً إسرائيلياً؟

حجم الخط
0

كلما مر الوقت يظهر أن السياسة الإسرائيلية تطحن الماء. وبات المواطنون غير مبالين. والحسابات الائتلافية تؤدي المرة تلو الأخرى إلى طريق بلا مخرج. وفي هذه الأثناء، تدير الدولة دائرة شؤون الموظفين التي وإن كانت تحافظ على استقرارها، إلا أنها لا تستطيع اتخاذ القرارات الحاسمة الهامة. العجز ازداد، والميزانيات عالقة، والإصلاحات تذوي، والعالم من حولنا يشتعل، وقضايا جديدة وقديمة تتوق لإيجاد حل لها، ولا توجد حكومة.

في احتفال رسمي، وفر للمواطنين فرصة لتخيله كرئيس للوزراء، أخذ غانتس على عاتقه التكليف الأسبوع الماضي. السماء لم تهو، وإسرائيل لم تسقط، ولكن بالقدر ذاته لم يصبح أحد متفائلاً على نحو خاص. واضح للجميع أنه إذا واصل القيام بما كان يقوم به حتى الآن، فلن تتغير النتيجة. غانتس، الذي شهد على نفسه بأنه لن يخاف من اتخاذ قرارات صعبة، مطالب بالفعل بخطوة دراماتيكية، تحطم الأواني والمفاهيم كي يخرج إسرائيل من الطريق المسدود. إن الخطوة الوحيدة التي يمكنها أن تخرج إسرائيل من العقدة، وفي الوقت نفسه أن تثبته كزعيم شجاع، هي خطوة حكومة أقلية تضم برئاسة “أزرق أبيض” والتعاون داخل الحكومة أو بإسنادها من الخارج.. حزب العمل، والمعسكر الديمقراطي، وإسرائيل بيتنا، والقائمة المشتركة. حكومة أقلية كهذه باحتمالية عالية لن تبقى لزمن طويل، ولكن لا يعني هذا أنها لن تكون عديمة الغاية. العكس هو الصحيح. حكومة أقلية كهذه هي ذات فضائل كثيرة.

أولاً، ستقطع دابر المؤامرة التي يراها كثيرون انعقدت بين نتنياهو والحكم وتثبت بأن إسرائيل لن تضيع دون بيبي. ثانياً، لأول مرة منذ زمن بعيد، ستساهم في شرعية المواطنين العرب وتبدد الخوف الذي نجحت دوائر عديدة في اليمين بإدخالها في عقول الإسرائيليين وساهمت في شيطنة السكان العرب ومنعت التعاون السياسي معهم. ثالثاً، حكومة أقلية ستتمكن من معالجة الشؤون المدنية الهامة لعموم الإسرائيليين وتتخذ خطوات هامة في المجالات الاجتماعية مثل المواصلات، والصحة، والرفاه وبلدات المحيط. إذا عارضت كتلة الليكود من مكان جلوسها في المعارضة لمثل هذه الخطوات، فإنها ستنكشف بكل عريها وتضعف فرصها للعودة إلى الحكم. وأخيراً، فإن جدول الأعمال العلماني الذي وقف في مركز الانتخابات الأخيرة، يمكن -بمفاهيم عديدة- أن يتحقق من خلال مواصلات عامة في السبت: زواج مدني، وقانون تجنيد على سبيل البداية. إن الشرط الذي طرحه رئيسا الحزبين الأصوليين ليتسمان ودرعي على نتنياهو، في أنهما لن يدخلا الحكومة إلا إذا تمكنا من سن قانون يمنع مواصلات عامة في السبت، هو مثابة تحد لغانتس. فحيال الروح الليبرالية التي تهب الآن من السلطات المحلية، فإن حزب الليكود بكتلته الأصولية والأصولية القومية، لم يكن ليسجل هدفاً ذاتياً في ملعبه أعظم من هذا.

إن حكومة الأقلية هي الأمر السليم، وليس الجوهري فحسب، بل السياسي أيضاً. فاستطلاع أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية يبيّن أن 50 في المئة من المقترعين لـ “إسرائيل بيتنا” لن يصوتوا مرة أخرى لهذا الحزب. من ناحية غانتس أيضاً، فإن الفشل في تشكيل حكومة قد يمس بشدة في صورته. والخوف من أن تزيد حكومة أقلية تستند إلى أحزاب عربية من نزع الشرعية عن اليسار الإسرائيلي وحملة تحريض اليمين ضده ليس تخوفاً بلا أساس. إضافة إلى ذلك، من المهم أن نتذكر بأن الأيام ليست أيام أوسلو، ولا يزال الطريق طويلاً إلى المفاوضات السياسية التي يمكن لليمين أن يجري على ظهرها جولة شيطنة أخرى لليسار. في هذه المرحلة، فإن أهدافاً مثل تعزيز المعايير السلطوية وإشفاء الشروخ في الشعب، تقدم أجندة اجتماعية وجدول أعمال علمانياً وهي مهمة بما يكفي، وتحقيقها سيثبت أحزاب الوسط واليسار كأحزاب حكم للمدى البعيد.

بقلم: د. رويتل عميران
معاريف 28/10/2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية