اللغة السُّقم واللغة العلاج!

حجم الخط
10

في المقال السّابق تحدّثنا عن لغة من نكبوا بالجنون، وذكرنا أنّ مكامن الخلل في لغتهم ليست في النّظام، أي في عمل اللسان عند الكلام، بل في تعطّل عناصر السياق والمقام عن أن تقوم بأدوارها المألوفة. نعود في هذا المقال إلى موضوع الجنون، ولكن لنركّز على أنّ هناك هروبا من لغة يشعر المريض فيها بأنّها الداء إلى لغة يرى فيها الدواء، يهرب إلى هذه من تلك، بنوع من الترجمة عجيبة تشفي وتبرئ من الجنون.
«المجنون الأدبي» هي تسمية تطلق على كل من كتب كتابات غريبة ومغايرة وخارجة عن كلّ قياس ومقياس في الكتابة، ولهذا التحرر سميت طريقتهم «حرية التفكير والطباعة».
سنختار في هذا المقال عيّنة من هؤلاء الذين أصابت لغتهم ما أصاب عقول أصحابها من الفصام، فكرهوا لغتهم الأمّ وجنحوا إلى لغة أخرى تترجم ما يشعرون به. أبرز مثال في هذا الإطار نسوقه هو مثال الكاتب الأمريكي لويس ولفسون (ولد في الولايات المتحدة الأمريكية 1931). كان يمقت لسانه الإنكليزي الأمّ، فيميل إلى ترجمة عجيبة تجمع لغات كثيرة. عانى ولفسون منذ طفولته من الفُصام (السكيزوفرينيا) وكانت أمه تجبره على أن يتعالج علاجا شاقا بالصعقة الكهربائيّة. عام 1970 نشر أثرا بالفرنسيّة عنوانه «الفصام والألسن» قدّمه الفيلسوف الفرنسي جيل دي لوز. في دراسة أنجزها عالم النفس التحليلي الفرنسي ماكس كوهن وفريقه، حول أعمال لويس ولفسون سماها: اللغة هي الجنون فهل الجنون لغة؛ يقول كوهن إنّه قرأ كتابه الثاني الذي عنوانه: «لقد ماتت أمّي عازفة الموسيقى»، فلم يجد فيه أنّه مصاب بالفصام فقط، بل وجده أيضا يعاني من عقدة اليدّيش Yiddish في إشارة ربّما إلى الأصل اليهودي لولفسون.
اليديش هي لغة ألمانيّة محلّيّة بمعجم عبريّ وسلافي، كان يتكلمها الألمان ذوو الأصول اليهوديّة في أوروبا الوسطى والشرقية، بدءا من القرون الوسطى؛ يبدو أنّ الصراع كان قائما بين اليديش بما هي لغة أمّ قديمة والإنكليزية بما هي اللغة الأمّ الحاليّة. هو صراع قد يكون عمّق من كره الإنكليزية التي كانت لا شكّ لغة العلاج القاسي. تعلّم ولفسون لغات أخرى منها العبرية والفرنسية والألمانية والروسيّة. وجعله كرهه للإنكليزية يلجأ إلى ضرب من الترجمة للتعبير عن مقاصده، غير أنّها لم تكن ترجمة مألوفة، بل كانت ضربا من خلق لغة هجينة شبيهة بما يعرف بـ»سبير» Sabir . السبير لُغَيّة هجينة تنشأ من أكثر من لغة أو لهجة، وعادة ما تعتمد بعض القواعد النّحويّة من لغة، وتستعمل معجم لغة أخرى. ينشأ هذا الضرب من اللغيّات في المرافئ التجارية، التي تلتقي فيها الألسن المختلفة وتحتاج في التعامل إلى لهجة هجينة مشتركة.
كان ولفسون يترجم ولكن «بناء على قواعد معيّنة» كما قال دي لوز، في مقدمة «الفصام والألسن». وأضاف شارحا طريقته في الترجمة: «الإجراء العلمي الذي يتبعه هو التالي: (الانطلاق) من كلمة من اللغة الأم، ثمّ البحث عن كلمة أجنبية ذات معنى مماثل، ولكن لها أيضًا أصوات أو صواتم مشتركة (يفضل أن تكون بالفرنسية أو الألمانية أو الروسية أو العبرية، وهي اللغات الأربع التي درسها المؤلّف بشكل أساسي)».

يقول جيروم لورانس: «يبني المصاب بالفُصام قصورا في السّحاب، ويسكنها المصاب بالذُّهان، ويجمع المحلّل النفسي ثمن الإيجار»، أمّا أنا فأضيف وليس للساني إلّا أن يكون عون الإحصاء: يحصي لغى كلّ من هؤلاء حتى لغة رنين جرس القروش داخل جيب محلّل النفس.

كان المترجم هاربا من اللغة الأمّ إلى لغة أو لغات هدف وكان جهده أشدّ عسرا من أن يجد في هذه اللغة العبارة المناسبة لتلك في اللغة الأمّ؛ بل إنّه ليبحث في اللغة الهدف عن أقرب الكلم إلى المعنى في اللغة المصدر لذلك هو لا يبحث في لغة واحدة، بل في أكثر من لغة، ولا يبحث عن أقرب الكلم في تلك اللغات إلى الكلمة الأصل في اللغة الأم، بل هو يبحث عن أقربها صوتا إلى الكلمة الأصل. يقول دي لوز: نظرًا إلى أن التحويل قد يستدعي العديد من الحالات الوسيطة ، فإنّه سيكون مثمرًا إلى درجة أنّه سيؤدي إلى وضع قواعد صوتية عامة، قابلة للتطبيق على التحولات الأخرى، وبالتالي تغطي أكبر مساحة لغوية ممكنة (حتى على حساب أخطاء بناء الجملة أو أخطاء المعنى). ويضرب لذلك مثلا الجملة التالية من الإنكليزية: don’t trip over the wire! ( لا تخطئ / حرفيّا لا توسع الخطى وأنت على السلك) تصبح كالتالي: tu’nicht (ألمانية ) trébucher ( فرنسية) über ( ألمانيّة) èth hé ( عبريّة) zwirn ( ألمانيّة). كانت الترجمة تراعي إذن الأثر الصوتي للكلمة، الذي قد يغلب على معيار قرب المعنى. يعتقد المترجم بهذا الفعل أنّه يفرّ من اللغة الأمّ المريضة إلى لغة أخرى لا مرض فيها، والتحدث بهذه اللغة هو ضرب من الشفاء لذلك تحدّث Aude A. Gwendoline عن إبراء الترجمة أو الترجمة الشافية.
لم يكن ولفسون الوحيد الذي يجد في الترجمة شفاء، فالمسرحي والممثل والأديب الفرنسي أنتونان أرتو (1896 – 1948) كان كذلك. لم يكن أرتو موسوسا في البداية، بل كان يعاني من مرض الزهريّ، وكان يتعاطى دواء مخدّرا يجعله في شبه غيبوبة، وفي آخر حياته كان ينزل ببعض المصحّات ويداوى بالصعقة الكهربائية. كان أرتو يرتجل شيئا من ترجمة شعر فرنسي إلى الإنكليزية هو الذي كان لا يحبّ الترجمة، بل إنّه كان يعتقد أنّ ترجمته هي النصّ الأصل وأنّ صاحب النصّ الأصلي هو سارق لشعره.
وأخيرا تتحدّث Catherine Mavrikakis عن مريضة هستيرية من مرضى فرويد هي Anna O، «عانت من عطل لغوي جعلها تخسر في البداية لغتها الأمّ»؛ ولكنّ أنّا أصبحت تترجم ترجمة فورية إلى اللغة الإنكليزية، في جنون لغة غير مفهوم، بل هي تسرد ​​حياتها باللغة الإنكليزية. الترجمة هي ضرب من «علاج الحديث» « talking cure »أو «كناسة المداخن» « chimney sweeping ». بهذا العلاج سوف تختفي أعراض آنا بعد ذلك «مباشرة بعد هذه القصة، أعربت عن نفسها بالألمانية، وبالتالي تخلصت من المشاكل التي أثرت عليها من قبل» (فرويد 1973: 30). في نهاية مقالها تحدّثت Catherine Mavrikakis عن الإنكليزية لغة ترجمة لأنا باعتبارها «لغة عبور إلى السلامة» إنّ الترجمة تعني «العبور» من حالة مرضيّة والعودة إلى حالة فعلية من الشفاء.
المرض حالة عامّة وزجّ اللغة في براثنه هو ردّ فعل على اللسان، لا باعتباره موضوعا يمكن أن نتواصل به ونحن مرضى، بل باعتباره عنصرا في المرض نفسه. يقتضي الشفاء أن نبحث للعلل عن الأدواء، دواء علّة اللغة هو تبديل اللسان بالترجمة، سواء أكان ذلك اللسان مفردا كالإنكليزيّة، أم جمعا كما هو الحال في لسان ولفسون المتعدّد. يقول جيروم لورانس: «يبني المصاب بالفُصام قصورا في السّحاب، ويسكنها المصاب بالذُّهان، ويجمع المحلّل النفسي ثمن الإيجار»، أمّا أنا فأضيف وليس للساني إلّا أن يكون عون الإحصاء: يحصي لغى كلّ من هؤلاء حتى لغة رنين جرس القروش داخل جيب محلّل النفس.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية