لا يمكن أن ينسى الطفل وعداً من والده مهما كبر أو صغر حجم هذا الوعد، فعندما تتحول الوعود إلى فقاعات بالون تتلاشى بمجرد الاقتراب منها، تصبح علاقة الطفل بوالده كطائرة هواء تطير في سماء عدم الثقة، وتصبح معاني الحياة بالنسبة له غير مفهومة ومشوشة، ومن الجدير ذكره أن رمي الطفل في متاهة الأكاذيب تتعارض مع عالم الصدق الحقيقي الذي يعيشه، من دون معرفة الأهل بخطورة الغرق في عالم الوهم الذي أصبح داخل الطفل.
رنا درويش أم لأربعة أبناء، تقول لـ”القدس العربي” إن أحد أبنائها الذي لم يتجاوز سن الثامنة من عمره، أصبح يتحدث بخيبة أمل وضعف ثقة بوعود والده، وأنه أصبح لا يعير وعودهما أي اهتمام.
وأضافت أن ابنها أصبح يطلق وعوداً لا يستطيع من في سنه تحقيقها، وأنها تخشى أن تظل هذه العادة ملازمة له في حياته، تجنبه الصراحة والصدق التي ينشدها أولياء الأمور في التعامل مع فلذات أكبادهم.
وأشارت إلى أنها تواجه نتائج سلبية على طفلها الذي يتذمر دائماً من الوعود المتراكمة، التي لم يحققها له والده، وأنها أصبحت تعاني من مردود تلك الوعود السلبية على طفلها.
ونبه اختصاصي علم النفس وائل الشوربجي، إلى الحذر عند استخدام أسلوب التهديد وتقديم الوعود الكاذبة في تربية الأطفال، بهدف تشجيعهم أو نهيهم عن أمر معين، إذ يمكن أن يتسبب ذلك في الإضرار بالأبناء وشخصياتهم، ويربيهم بلا قصد على الكذب والنفاق.
وأوضح لـ”القدس العربي” قائلاً، إن التربية قصيدة متناغمة بين الآباء والأبناء، وهي جوهرة نادرة من أجل صناعة أجيال واعية الفكر ناضجة الإدراك مشرقة بالتميز والخلق والنجاح، وحديثنا مع الآباء في تربيتهم للأبناء له أبعاد واتجاهات، تساهم في فهم الواقع وتحليل السلوك وتعليل الدوافع، مشبهاً الأبناء كالعجينة التي تتشكل من خلال سلوكيات الآباء والأمهات، وكما أن الآباء أصناف فالأبناء تجاه سلوك الأب أصناف أيضا، أولهم من ينكر سلوكه بسبب شخصيته الفطرية التي تكره السلوك السلبي، والثاني لا يتأثر به لأنه يجد نفسه شبيهاً بأبيه في السلوك، وهو أول من يقتدي به عند الكبر، وآخرهم من يحزن إذا تخلف أبوه عن تنفيذ وعده لمصلحة في ذاته، ويفرح إذا لم ينفذ ما هدد به لفائدة ذاتية، ومصلحة شخصية بدوافع داخلية تبحث عن الفائدة والمنفعة.
وختم الشوربجي حديثه، ينبغي الحذر من الوعد الخالي والتهديد الواهي بحجة أنهم صغار لا يفهمون، بل هم أكثر وعياً وادراكاً وحساً، ويقلدوننا. يجب أن ندرك أن تربية الأبناء مهارة وفن، وأن أقوالنا وأفعالنا مسجلة في ذاكرتهم، كالصدق في القول، والأمانة في المسؤولية، والعدل في المعاملة والإخلاص في العمل، والمبادرة والتضحية في السلوك.