ليس الماضي فعلا مضى وانقضى، كما تقول كتب النحو المدرسية، بل هو باقٍ تشدنا إليه قيود ذكريات حدث بعضها، ولم يحدث البعض الآخر، بل كان مجرد أمنيات ضاع سر خيبتها. لا يمكن إصلاح ما فات، ومن المستحيل تغييره. هذا ما جاء على لسان الراوي في رواية « فندق كاليفورنيا» الصادرة حديثا عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة، التي يهديها عبد الجبار ناصر إلى إخوته الذين تناثروا في مدن الوطن، في المنافي وفي المقابر، مفتتحا إياها بمقولة ليوليوس قيصر يقول فيها «من السهل أن تعثر على رجال يتطوعون للموت، لكن من الصعب أن تجد من هو على استعداد لتحمل الألم».
تبدأ الرواية بمشهد وجود البطل على متن الطائرة التي شهدت تلاشي فرحته بالخلاص من رعب جثم طويلا على تفكيره، باحتمال عودته القسرية من منفاه في عمان إلى بغداد لتتلقفه قبضات رجال الأمن وعصابات الحزب الحاكم. نحن هنا أمام شخصية فقدت في ماضيها ما جعلها دائمة الالتفات إلى الوراء، أكثر من تطلعها إلى غدها، كما نجد أنفسنا إزاء ماض لا فكاك منه. هذه الشخصية امتازت منذ صغرها بقدرة مدهشة على تذكّر التفاصيل بوضوح وكأنها تراها تحت عدسة مكبرة، كما تتمتع بخيال واسع أدمنت معه أحلام اليقظة، لذلك لم تفارقها اللحظات التي غلفها الغبار والرمد والخوف. خالد، البطل الذي كان يظن صغيرا أن الآباء يلدون كالأمهات، متسائلا، بعد أن أخبرته أمه أن أباه حين قال له إنه سيلد كان يمزح معه: إذا كان أبي لم يلدني فلماذا أنا ابنه؟
مآسي الحروب
في روايته التي يطرح فيها سؤالا عن الفرق بين الواقع والخيال، وتقول إن بائعات الهوى يعشن حياة عادية كبقية النساء، ولهن أحلام وهموم، تمر بنا على الحرب العالمية الأولى، وعلى الحرب الإيرانية العراقية، وحرب الخليج، واحتلال الكويت، والغزو الأمريكي للعراق، واضعة أمامنا مآسي الحروب ونتائجها على الأوطان والأشخاص. هنا أيضا تضع الرواية على الغياب المفجع، الذي من ضمن أسبابه الموت الذي أصبح، شيئا فشيئا، في نظر بطل الرواية ليس مخيفا لكثرة من ماتوا من أحبته: أخوه، أبوه…
البطل هنا صحافي عراقي يُدعى خالد جاسم قضى سنوات طويلة من عمره، خاصة في طفولته وشبابه، في العراق تحت نير وسطوة النظام العراقي أيام صدام حسين، رحل إلى استراليا فارّا من قهره، وباحثا عن معنى للوطن. هرب خالد من العراق إلى الأردن وفيها أمضى ثلاث سنوات خائفا من وقوعه في قبضة الشرطة الأردنية، متنفسا الصعداء حال وصوله إلى مطار كنغز فورد سميث في مدينة سيدني في استراليا. آنذاك أفاق من غيبوبة الحلم، لكنه في كل مرة يفيق فيها منها يستحوذ عليه شعور بعدم الرضا عما في داخله من أحلام طوباوية. كان دائما ما يبحث عن ملاذ يُشعره بآدميته، بكرامته، وأن ينام بعمق بدون كوابيس.هنا تصور لنا الرواية ما كان يحدث في عهد نظام صدام من تصفيات جسدية وأساليب التعذيب المتنوعة، والذل الذي كان يحياه البعض، وغياب الحرية، ذاكرة صفات الذين كان يرضى عنهم صدام ويقوم بتعيينهم في مناصب رفيعة ومرموقة.
تسلط الرواية الضوء على العنصرية التي يمارسها الغرب ضد العرب المسلمين، رغم كون الغرب مجتمعات متعددة الثقافات، مشيرة إلى القهر الذي تعانيه الفتاة العربية التي لا يترك لها أهلها أي مساحة لأن تختار حياتها كما تريد
باب المنفى
هنا أيضا يقابلنا احتفاء بالألم الذي كان يعانيه البطل ويكابده طوال فترة وجوده في بلده، الذي اضطر إلى الفرار منه إلى المنفى، على أيدي نظام ديكتاتوري يقهر شعبه، ويجد اللذة كلها في تعذيبه وإذلاله. كما تحدثنا الرواية عن فظاعة الحروب التي لا يعرف هولها سوى ضحاياها، مخبرة إيانا أن البشر، رغم بهرجة الحضارة ومزاعم الالتزام بقواعد الأخلاق واختلاق مبررات الحروب، لم يخرجوا بعْدُ من الغاب، ولم يُعتقوا من قانونها. هنا كذلك يريد الكاتب أن يقول لنا إنه ليس هناك حرب جيدة، كما أنه ليس هناك سِلم سيئ، كما يسخر من كثرة من يطلقون على أنفسهم لقب شاعر «صحيح..كل شيء أصبح عرضة للزيف، كل من قرأ كتابين أو ثلاثة طرح نفسه شاعرا».
هنا أيضا تسلط الرواية الضوء على العنصرية التي يمارسها الغرب ضد العرب المسلمين، رغم كون الغرب مجتمعات متعددة الثقافات، مشيرة إلى القهر الذي تعانيه الفتاة العربية التي لا يترك لها أهلها أي مساحة لأن تختار حياتها كما تريد، كما تقارن بين البلدان العربية التي يحكمها هوى حكامها، وبلدان الغرب التي يتسيدها قانون يتساوى أمامه الجميع. كما تضع أمامنا الممارسات المأساوية للحكام ولأبنائهم حتى يضيق بشعوبهم الحال، ولا يجدون بابا مفتوحا سوى باب المنفى. وبهذا ترى الرواية أنه لا بد من أن نعاني قسوة الملوحة قبل أن نتذوق عذوبة الحرية، مؤكدة أنه من السهل على المرء أن يقف مع الحشد، لكن وقوفه وحده يتطلب منه شجاعة ما. ربما تقسو الرواية على الأجداد الذين ترى أنهم لو فكروا في أحفادهم لتركوا لهم عالما بلا مآس، كما تقيس المسافة الفاصلة بين فكر الآباء والأبناء: الأبناء يبحثون عن متعة اكتشاف العالم من حولهم ليختاروا مكانهم فيه، فيما ينظر الآباء إلى الأشياء بمقياس زمنهم الذي ولى.
سيد المشاعر
وفي ظل تسلط الأنظمة الحاكمة، تقول الرواية، تنسى الشعوب الحرية، باحثة عن الأمان، بعيدا عن القتل، الاختطاف والمفخخات، وعصابات الاغتيالات المأجورة. وبفعل الحروب والحصار الطويل وثقافة السراديب والكهوف تتغير الأماكن وتتبدل العقول، ما قد يؤدي أحيانا إلى التفكير في الانتحار بعد أن ضاق الخناق. «فندق كاليفورنيا» التي ترى أن الحب هو سيد المشاعر، وأنه منبع سلام مع النفس، وأنه أعظم ما في الدنيا من فضائل، وأنه وحده يجعل لقصائد الشعر والأغاني معنى أكبر حجما من الكلمات، ويجعل لساعات العمر قيمة، وليس هناك سعادة من دون حب، تكتظ صفحاتها بالألم، وتدعونا إلى عدم الإيمان بالخرافات، مؤكدة أنه لابد من التفاؤل رغم كل شيء، وأن غدا سيأتي، مهما تأخر، بجديد جميل محتفية بقول تشرشل: «المتشائم يرى صعوبة في كل فرصة، أما المتفائل فيرى الفرصة في كل صعوبة.
وهكذا وبلغة يعتصرها الألم، جسّد لنا العراقي عبد الجبار ناصر حالة المواطن العربي، متخذا من المواطن العراقي نموذجا ذاق ويلات الحروب، وتعرض للاحتلال الداخلي والخارجي، ومورس ضده القهر والتعذيب النفسي والبدني، باثّا في قارئه، عبر سرد روائي سلس، ولغة روائية تميل أحيانا للغة الشعرية، روح الأمل والتفاؤل اللذين بفقدانهما، لا يجد الإنسان أمامه سوى المنفى أو الانتحار.
٭ شاعر ومترجم مصري