في كتابه الذي صدر في النصف الثاني من عام 2019 عن مؤسسة وشان للصحافة والنشر والتصميم في لندن، والموسوم «وسقطت الموصل» وبعنوانه الفرعي (أثيل النجيفي ساردا الخفايا والوقائع) يكشف باسلوب سردي متسق وممنهج الأحداث التي سبقت سقوط المدينة في قبضة تنظيم الخلافة «داعش»، وقد اختار أن يسردها من بعد أن يبوبها إلى ستة فصول، توقف فيها أمام كل ما له صلة بقضية سقوطها، وبناء على ما جاء في الكتاب من تفاصيل غزيرة أوردها أكبر مسؤول في المدينة آنذاك، فقد بدا الموضــــوع شائـــــكا ومعقدا تداخلت فيه عوامل وأسباب مختلفة، حسب وجهة نظره توزعت ما بين جوانب عسكرية وسياسية وأمنية واجتماعية.
الكثير مما ورد في هذا الإصدار من معلومات، سبق أن طرحها النجيفي بشكل موجز في العديد من الحوارات التلفزيونية التي أجريت معه، إلا أن سردها في الكتاب مكنه من أن يتوغل في مساحات حساسة لم يكن متاحا له التوقف عندها، بسبب طبيعة ما يسود الحوارات المتلفزة من جدل عادة ما يطغى عليه الصخب والتراشق والانفعالات بين المتحاورين. جاء توثيق الحدث مع الإحاطة الشاملة بمقدماته وتداعياته في مخطوط اتسم بمنهج أكاديمي، انساق أسلوبه في سرده للوقائع وفق تسلسلها الزمني وترابطها الموضوعي، وهذا المنحى قد يشكل فرصة ثمينة أمام الباحثين ليتوقفوا أمام جملة معطيات متناثرة هنا وهناك في الصحف والمواقع الإلكترونية والحوارات المتلفزة، فكان جَمعُها في سياق سردي، التزم جانب الموضوعية، ما شكل كما نرى منطلقا سرديا توفرت فيه عدة مستويات في قراءة الحدث، تصلح بالتالي أن تكون مادة أساسية لبناء رؤية واضحة عن طبيعة المناخ العام الذي هيمن على المدينة قبل سقوطها، إضافة إلى أن النجيفي بحكم موقعه محافظا ساعة وقوع الحدث، من المنطقي أن تختزن ذاكرته الكثير مما لم يتوفر لدى غيره، بذلك سيطلع القارئ على مستمسكات في غاية الأهمية ستعبّد الطريق وتجعله سالكا أمام من يسعى إلى فك رموز وأسرار هذا الحدث الجلل، فالنجيفي وضع في كتابه كل ما لديه من وثائق وشهادات لأشخاص كانوا جزءا من المشهد، بغية أن تكون الصورة واضحة من زوايا مختلفة أمام القارئ، وصولا إلى تبديد كل الشكوك التي أثيرت حوله بخصوص مسؤوليته عن سقوط مدينته، كما روجت إلى ذلك حملة إعلامية كانت تقف خلفها الدائرة المحيطة بنوري المالكي، خاصة أن العلاقة بينهما كانت سيئة، واتسمت بالاحتقان والتشنج، حتى قبل العاشر من يونيو/حزيران 2014 كما يشير النجيفي إلى ذلك، عندما حاول المالكي أكثر من مرة الإيقاع به.
عمد النجيفي إلى إماطة اللثام عن أسرار كثيرة تضمنتها رسائل كان قد تبادلها عبر تطبيق «الماسنجر» قبل وبعد سقوط المدينة مع مسؤولين كبار في وزارة الدفاع والداخلية، ومكتب رئيس الوزراء، يخبرهم فيها بمعلومات على درجة عالية من الأهمية والخطورة، يؤكد فيها على وجود تحشيدات كبيرة لتنظيم الخلافة في منطقة الجزيرة المحيطة بالموصل قبل سقوطها بأسابيع، ولربما ما جاء في هذه الرسائل يثير الشبهات حول حقيقة موقف السلطة السياسية في بغداد، ويرفع الغطاء عنها، ويضعها في دائرة المسؤولية عما حدث، ويبدو نوري المالكي، من خلال سياق الأحداث التي أوردها النجيفي، كما لو أنه كان ساعيا وبدهاء إلى أن يدفع بكل ما شأنه أن تسقط الموصل بأيدي تنظيم الخلافة، تحقيقا لأهداف يضمرها في داخله، لربما في مقدمتها الانتقام بدوافع طائفية من سكان المدينة، لأن غالبيتهم من العرب السنة، ومن المعلوم لدى جميع من يتابع الأحداث في العراق أن فترة حكمه التي استغرقت ثمانية أعوام (2006 ـ 2014 ) تكرس فيها الانقسام والاحتراب الطائفي بين الشيعة والسنة. والسؤال الجوهري الذي يطرحه النجيفي هنا، لماذا لم تتعامل بغداد بجدية مع تلك الرسائل التي أورد صورة مستنسخة منها؟ وبهذا الخصوص أيضا يستعيد نص الرد الذي وصله من المالكي، بعد أن طلب منه النجيفي عبر مدير مكتب المالكي فاروق الأعرجي أن يوعز بإرسال دعم عسكري سريع إلى الموصل، فكان ردّه: «هذه القضية لا يستطيع المحافظ تقدير مآلاتها، وما سيتمخض عنها، لا لشيء إلا لأنه رجل مدني، وهذا شأن عسكري يقدره القادة العسكريون الحاضرون هناك».
والسؤال الجوهري الذي يطرحه النجيفي هنا، لماذا لم تتعامل بغداد بجدية مع تلك الرسائل التي أورد صورة مستنسخة منها؟
أما عن موقف القيادة العسكرية الأمريكية فلم يكن أقل سوءا من إدارة المالكي، فيذكر النجيفي بهذا الشأن، بأنه سافر صباح يوم 8 يونيو/حزيران على وجه السرعة إلى أربيل، والتقى في مقر القنصلية الأمريكية بريت ماكغورك، وطلب منه أن يفعل الأمريكيون شيئا، لأن الموصل في طريقها إلى أن تسقط، إلاّ أن إجابة ماكغورك كانت محبطةً؛ إذْ قال له إنه «يثق بأسلوب المالكي، وإنّه يَرى هذا الأسلوب هو الأسلوبَ الأمثلَ. وأَبدى ارتياحه واقتناعه بما يفعله. وعليه، فلن يفعل شيئاً».
في إطار تعليقه على موقف القادة العسكريين الكبار (عبود قنبر وعلي غيدان) بعد أن أرسلهما المالكي إلى الموصل بزعم توليهم مسؤولية إدارة العمليات العسكرية، فإنه يصب جام غضبه عليهما لانهمـــا، حسبما يذكر، عكسا عدم تقديرهما لخطــــورة الأوضاع، فيقول «كأنني لا أتحدَّث إلى أناس من لحم ودم، بل إلى حجر أصمَّ.. وبعد ما رأتْه عيناي وحَلَّله عقلي من وقائعَ تَجـــري عى الأرض، أدركتُ أن هناك خفايا وراء تصرف القوات المسلحة العراقية، وعَلِمتُ عِلْم اليقنِ أن قيامَها بواجبها أمسى عملاً ميؤوساً منه».
في اليوم الذي سبق سقوط المدينة المصادف 9 يونيو يسرد النجيفي تفاصيل الزيارة التي قام بها إلى مقر العمليات العسكرية، وكان برفقته الجنرال خالد العبيدي (أصبح في ما بعد وزيرا للدفاع 2014 – 2016 ) بعد أن تقدمت عناصر «داعش» وسيطرت على أجزاء مهمة من الجانب الأيمن للمدينة، فيصف ردود أفعال القادة العسكريين الكبار (علي غيدان وعبود قنبر)، حيث فاجأته اللامبالاة التي بدا عليها الاثنان فيقول: «لم يخرج عبود قنبر لمقابلتهم إلا بعد مضي نصف ساعة تقريبا من الانتظار، وكان خروجه من الحمَّام منتعشا، يتضوع منه العطر. أما علي غيدان فكان غارقا في قراءة جريدة، كما لو أن الأمور تسير بشكل طبيعي وسلس في زمانهما»، ثم يستدرك فيقول «لما سألناهم عن نيتهم وما سيفعلون، تلقينا الجواب الآلي، لدينا خطة ولا داعي للقلق».
وفي مكان آخر يكشف عدم وجود رد فعل واضح من قبل الأجهزة الأمنية والعسكرية لتحجيم هجمات «داعش» فيعلل أسباب ذلك بوجود خطة ممنهجة لإحداث الفوضى في المدينة. ويضيف «لا أصدق أن ذلك البرود وإهمال السياقات العسكرية التي تعود عليها العسكر يمكن أن يكون كله مجرد إهمال، وليس هناك من ينتبه أو ينبه إلى هذه الأخطاء الجسيمة، بل هو غض بصر مقصود». ودعما لرأيه هذا يستعين بنسخة مصورة من إفادة اللواء أحمد الزركاني مدير استخبارات نينوى، حسبما وردت في ملفات تقرير اللجنة البرلمانية للتحقيق بسقوط الموصل، وهي شهادة مطولة جاء فيها «لم تكن هناك قيادة واضحة، فمن هو القائد؟ ومن هو الذي يصدر القرارات بالأمر والنهي؟».
أما عن أسباب سقوط الموصل فيستعرض رؤيته حول هذا الموضوع من خلال استعادة ما ورد في إفادته، التي سبق أن قدمها أمام اللجنة البرلمانية للتحقيق حول هذه القضية، التي استغرقت ما يربو على 7 ساعات، وقد أجملها في عدد من النقاط أبرزها: عدم وجود خطة أمنيّة للدفاع. الخلافات المستشرية بين القادة وتزييفهم للتقارير التي يرفعونها لمراجعهم .عدم وجود خطة انسحاب منظمة لدى جميع القطعات. صدور أوامر واضحة بالانسحاب للقيادات العسكرية العليا ومن المالكي شخصيا، إضافة إلى استعراضه أسبابا أخرى سبقت حدث السقوط تتعلق بالفساد الغائر حتى النخاع في أوساط مسلكي الجيش والشرطة في المدينة، واعتقال الأبرياء وعدم إطلاق سراحهم حتى بعد صدور الأوامر القضائية بالإفراج عنهم، وابتزاز سائقي الشاحنات في السيطرات، وغلق ساحات وقوف السيارات وابتزاز أصحابها، وابتزاز أصحاب محطات تعبئة الوقود، والتجاوز على القانون من قبل الضباط والتفافهم عليه، وقتل عدد من المتهمين أثناء التعذيب، كما توقف طويلا عند العملية السياسية ووصفها بأنها كانت بيئة نابذة لكل الشخصيات المعارضة، ما دفعها للعمل من خارج أسوار المنظومة السياسية، فغدت تلك الأسوار رخوة فسهلت على التنظيم النفاذ منها وشل حركة القاطنين في المدينة، فصالوا وجالوا كما يحلو لهم، محدثين إرباكا تصعب معه السيطرة على الأوضاع.
جدير بالاشارة أن الفصل الأول خصصه المؤلف لسرد سيرته الذاتية، مستعرضا فيها كل ما يتعلق بعائلته، وجذورها العربية التي تعود في أصلها إلى مدينة حمص السورية، ويرجع نسبها إلى محمد الأشقر من بني خالد الممتد إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وقد ترافق قدومهم إلى مدينة الموصل مع العشائر التي التحقت بجيش السلطان مراد الرابع عند إعلانه الجهاد عام 1638، آنئذ أقطع السلطان مراد الرابع حسن بك النجيفي وهو الجد التاسع لأثيل «40» قرية في أطراف الموصل في أطراف ناحية تلكيف التابعة لمحافظة نينوى. ولقبُ النجيفي يعود إلى المنطقة التي نزحوا منها في أطراف مدينة حمص.
٭ كاتب عراقي