بعد النصوص… تونس تواجه اختبار النفوس

■ لم تطلب بقاء ولا استجدته ولا وزعت مثل غيرها وعودا على اليمين والشمال لكسب ود الاسكتلنديين، عشية الاستفتاء على استقلالهم. كل ما طلبته الملكة اليزابيث الثانية من شعب اسكتلندا، بعد ان حضرت قداسا في كنيسة بالقرب من قصرها في بالمورال الاسكتلندية هو، «التفكير بروية في المستقبل». اما حين قضي الامر ومالت الكفة بشكل طفيف وحاسم لصالح المتحمسين للبقاء داخل البيت البريطاني الكبير، فلم يصدر عنها ما يشير من قريب ولا من بعيد الى انها سقطت في نشوة الانتصار في معركة فريدة وغير مسبوقة، للحفاظ على وحدة وتماسك المملكة العظمى. لقد اختارت في تلك اللحظات بالذات ان تصدر بيانا هادئا تقول فيه بالمختصر المفيد انه «بعد اشهر عديدة من النقاش والحوار والتفكير الدقيق عرفنا الان نتيجة الاستفتاء، وهي نتيجة سنحترمها جميعا في انحاء المملكة المتحدة» وانه «بالنسبة الى الكثيرين في اسكتلندا وفي اماكن اخرى اليوم ستكون هناك مشاعر قوية وعواطف متناقضة بين الاسرة والاصدقاء والجيران، وهذا هو بطبيعة الحال التقليد الديمقراطي القوي الذي نتمتع به في هذا البلد».
تقليد ديمقراطي، أم نتيجة منطقية وطبيعية لدم انكليزي بارد سرى ويسري في شرايين البريطانيين وملكتهم، أم انها النسخة الاصلية لا المقرصنة لديمقراطية لم تعرف منها بعض الشعوب العربية، التي كان لها حظ استنشاق أول نسائمها قبل سنوات قليلة، سوى التفكك والمحن والازمات؟ توحد وتجمع في الشمال لكنها تفرق وتقتل وتدمر وتنهب للاسف الشديد في الجنوب، فهل العجز والخلل في تلك الديمقراطية، أم في الشعوب التي تنجح او تخفق في اجتياز اختباراتها ودروبها القاسية والطويلة؟
قد لا يكون عادلا او منصفا عقد المقارنات بين امم وشعوب راكمت التجارب الديمقراطية منذ قرون، في حين كانت الاخرى تعيش عصورا من الظلام والانغلاق وتدور في فلك الاستبداد والتسلط. لكن المحك الاول والاخير يبقى في كلتا الحالتين هو حق الاختيار الحر الذي استعصى على الشعوب العربية من المحيط الى الخليج وظل الاقتراب منه محفوفا بالمخاطر والويلات، فيما كان متاحا بقدر معقول، إن لم يكن واسعا للشعوب والامم الغربية.
الفرصة النادرة والاستثنائية للخروج من ذلك الاستعصاء، اي استعصاء الارادة بدأت من تونس وفيها كسرت تلك القاعدة التي تقول بان العرب بطباعهم وتراثهم وهويتهم ليست لديهم الاهلية ليكونوا ديمقراطيين. للمرة الاولى اشترك الاسلاميون مع العلمانيين في ائتلاف حاكم افرزته صناديق اقتراع حر ومباشر. لكن الامور لم تكن بالسهولة المتوقعة او المطلوبة، فالمنظومة القديمة نزلت بثقلها لتحشد من حولها كل المنتفعين السابقين، الذين اقتاتوا طويلا من موائدها، ودول الاقليم وحتى بعض دول الشمال الديمقراطي فرضت طوقا وحصارا محكما وغير معلن لتقويض أي امل أو فرص للنجاح. رغم الصعوبات التي كادت تعصف بالبلد وتدخله في نفق مظلم ومخيف، فقد اجتاز التونسيون اخيرا بأمان وسلام اختبار النصوص وخرجوا من مرحلة التأسيس بدستور وقانون انتخابي وهيئة مستقلة للاشراف على الانتخابات، جلبت لهم تقديرا واسعا في معظم انحاء العالم. الوصول الى تلك المرحلة استنزف جهدا ووقتا وتطلب تضحية وقدرا من التنازلات لم يكن من السهل او اليسير الحصول عليها. الضرورة أم المصلحة أم خليط من هذا وذاك هو الذي دفع في النهاية الطرفين الاساسيين في المشهد، أي الاسلاميين وحلفائهم من جانب، والمعارضين لهم من الدستوريين واليساريين من الجانب الاخر الى نقطة التقاء وضعت حدا لمنطق الغالب والمغلوب، واخمدت ولو الى حين براكين لا احد يعرف حجم الدمار الذي كانت ستسببه حممها في ما لو استمرت في الاشتعال.الصيغة التي تم الوصول اليها جعلت الاسلاميين يشعرون بانهم حققوا انجازا رمزيا وقانونيا، هو ضمان حقهم في مشاركة سياسية ظلوا مبعدين عنها في السابق، واعطت تطمينات لاكثر من جهة في الداخل والخارج بان ما وصف بمكتسبات الحداثة في تونس لن يتم النكوص عنها او تجاهلها. لكن ذلك لم يضع حدا لشكوك وهواجس قديمة صار التخلص منها اشبه بالمعجزة البعيدة. فقد زادت سنوات حكم الترويكا في تشويه الاسلاميين وتلطيخ صورتهم والترويج بشكل متزايد لما كان يقوله نظام الرئيس المخلوع بن علي من انهم تجار دين، لا هم لهم سوى الوصول الى السلطة بأي ثمن وبكل طريقة من اجل فرض نمط عيش غريب ومخالف لما اعتاده التونسيون وألفوه. وبهذا المعنى يبدو الاستحقاق الانتخابي المقبل فرصة ذهبية ونادرة للاجهاز النهائي عليهم بصناديق الاقتراع، بعد ان فشلت محاولات طردهم بالضغط السياسي والاعلامي وحتى الانهاك الاقتصادي للبلد في الشهور التي كانوا فيها في السلطة. وحتى لا تفوت مثل تلك الفرصة او تضيع تقدم الانتخابات مثلما يصفها الهاشمي الطرودي في مقال له بصحيفة «المغرب» التونسية على انها «انتخابات على المشاريع المجتمعية بالاساس لا البرامج». وهو المعنى نفسه الذي يؤكده الباجي قائد السبسي زعيم حركة نداء تونس، في اخر خطاب له يوم تقديم ترشحه للانتخابات الرئاسية بقوله، «ان الانتخابات يتنافس فيها مشروعان، المشروع الاسلامي ومشروع بناء تونس العصرية. حزبنا يمثل المشروع الثاني ولن يتحالف الا مع الاطراف التي تشاركه المرجعية نفسها مع ايمانه بحق كل الاطراف في النشاط». وفي المقابل يرد الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة في برنامج تلفزيوني على قناة «نسمة» بان البلاد محتاجة الى حكومة وحدة وطنية والى حكم مشترك «فلا النهضة تحتكر الاسلام ولا الاخرون يحتكرون الحداثة». الاشكال الذي يواجه الطرفين هنا هو نفسي واجتماعي بالاساس. فكلما قدمت حركة النهضة تنازلا طالبها الخصوم بالمزيد وفسروا تنازلها على انه مناورة تكتيكية محدودة الاثر والنتائج. وما يزيد من هذا التوجس المزمن هو ان قسما واسعا من اليسار والدساترة، اي المنتمين للحزب الحاكم زمن الاستبداد لا يقبلون الى الان حزبا او حركة سياسية مبنية على اسس اسلامية، رغم انهم يستخدمون رموزا وآيات قرآنية في حملاتهم الدعائية، وحتى خطاباتهم امام التونسيين، ورغم ان اطرافا خارجية وفي مقدمتها فرنسا راجعت موقفها مما يعرف بـ»الاسلام السياسي» واقر رئيسها في خطاب امام المجلس التأسيسي بان الاسلام لا يتعارض مع الديمقراطية، وان فرنسا مستعدة للتعامل مع كل من تفرزه صناديق الاقتراع. الحل الجذري الذي يقدم بشكل موارب احيانا وصريح احيانا اخرى هو في انفصال الاسلاميين عن الاسلام، لتطمئن افئدة المشككين والخائفين. لكن لا احد يتوقع في المقابل الى اي مدى ستصل حركة النهضة في تنازلاتها من اجل «المشروع الوطني» وهو المصطلح الذي صار كثير التداول داخلها هذه الايام، رغم ان للبراغماتية مسافات وحدودا لا يمكن تخطيها او تجاوزها من دون دفع ثمن باهظ.
ما يدركه الجميع داخل تونس انه لا يمكن التعويل على منطق الاقصاء او تجاهل قدرة الاسلاميين، رغم حملات التشويه على حشد الاصوات. والتصور المقبل لحكومة وحدة وطنية، الذي تطرحه حركة النهضة من الان، يدل على رغبتها في نوع من «التعايش» مع الخصوم في ظل نظام سياسي يحمل قدرا من التوازن بين سلطات الحكومة والرئيس. لقد اكد الشيخ راشد الغنوشي في البرنامج التلفزيوني نفسه الذي رد فيه على خطاب الباجي قائد السبسي انه «ليس هناك من داع لدعوات التقسيم، فالدستور حسم هوية المجتمع وعناصر الوحدة الوطنية»، لكن النصوص وحدها قد لا تكفي لتغيير النفوس. وقد تحتاج تونس مع الدستور الى هدوء اليزابيـــث الثانية وحكمتها حتى تسقط دعوات التقسيم، وحـــتى يصبح في هذا البلد العربي الصغير «تقليد ديمقراطي» قد يتطور يوما ما ليصل الى عراقة التقليد الديمقراطي في بريطانيا. فهل يعطي التونسيون ومن يحيط بهم في الخارج فرصة لذلك؟ الانتخابات المقبلة قد تحمل في طياتها بعض الجواب.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية