فايننشال تايمز: دول الخليج قلقة من نزق ترامب.. والهجمات على منشآتها كشفت محدودية قوتها أمام إيران

حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي”:

قال مراسل صحيفة “فايننشال تايمز” أندرو إنغلاند إن نزوات الرئيس دونالد ترامب تقوم بإثارة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. وقال في بدايته إن نهاية التحالف ضد تنظيم الدولة كانت مخجلة. فقد انسحبت العربات الأمريكية المصفحة من شمال- شرق سوريا وسط الحجارة والفواكه المتعفنة التي رماها الأكراد الغاضبون عليها.

وقال رجل ينظر إلى عربة أمريكية اضطرت للرجوع وراء في أحد شوارع مدينة القامشلي في شرق سوريا “ماذا حدث لأمريكا؟”، وهو نفس السؤال الذي يسأله الجميع في الشرق الأوسط. فقرار الرئيس دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من شمال سوريا فاتحا الباب أمام العملية العسكرية التركية ضد الأكراد هو آخر إشارة عن فك الارتباط الأمريكي الذي يجري ببطء من المنطقة.

وشجب حلفاء أمريكا الذين طالما اعتمدوا على عليها للدفاع عنهم الهجوم التركي، الذي وصفته السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة بـ”العدوان” على سياسة دولة عربية. ولكن لم يكن مصير الأكراد في حسبانهم. وما تخشاه هذه الدول هو أن تؤدي قرارات الرئيس المفاجئة لتقوية العدو الرئيسي لها في المنطقة وهي إيران التي استثمرت في دعم نظام الرئيس بشار الأسد.

وتزامنت قرارات ترامب مع التوتر العالي بين الولايات المتحدة وإيران مما خلق حسا من الخوف وعدم اليقين. والموضوع الأساسي الذي يشغل حلفاء أمريكا فيما إن كانت واشنطن حليفا يمكن الاعتماد عليه وإن كان ترامب الذي يتردد بالمشاركة في حروب مكلفة سيدافع عنها لو دخلت في حروب ضد أعدائها.

ويقول دبلوماسي عربي: “يشعر الناس بالخيبة من الولايات المتحدة. والحقيقة هي أن ترامب هو مؤيد متحمس لإسرائيل. ولكنه لا يرد على القضايا العربية إلا حالة حصل على المال”، وأضاف أن تداعيات الخروج الأمريكي البطيء من المنطقة يعني قيام قوى أخرى بملء الفراغ.

وفي الوقت الذي أعلن فيه ترامب عن الاحتفاظ ببعض القوات لحماية آبار النفط السورية وأعلن انتصاره بعد مقتل زعيم تنظيم الدولة، أبو بكر البغدادي، إلا أن هذه التحركات لن تخفف من مخاوف حلفاء واشنطن بالمنطقة. وظلت واشنطن ولأمد طويل القوة العسكرية والسياسية المهيمنة بالشرق الأوسط، ولا يعرف إن كان تحرك الولايات المتحدة بعيدا عن المنطقة بمثابة الثغرة التي ستدخل منها روسيا.

ودعم الكرملين نظام الأسد وحصل على امتيازات عسكرية وقواعد عسكرية جوية وبحرية وأشرف على ترتيب اتفاق مع تركيا بحيث أصبحت فيه القوات التركية والروسية تقوم بدوريات في نفس المناطق التي انسحبت منها أمريكا. وقوت موسكو علاقاتها مع السعودية والإمارات، الدولتين الحليفتين لأمريكا بمنطقة الخليج.

وفي تزامن رمزي بين استقبال دول الخليج الباذخ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بنفس الوقت الذي كان فيه ترامب يواجه الكونغرس الغاضب من قرار الانسحاب الأمريكي من سوريا.

ونقل الكاتب ما قاله المعلق الإماراتي عبد الله عبد الخالق: “لو قررت أمريكا أن تدير ظهرها لنا فسيبدأ الخليج وبقية دول الشرق الأوسط بإدارة ظهرها لأمريكا”، وأضاف: “لو كان هناك وجود أمريكي قليل، أقل من 10%، فسيكون هناك من سيملؤه”.

وهناك دينامية أخرى يراها آخرون ظهرت نتيجة لأفعال ترامب، أي تردده في استخدام القوة ضد إيران في وقت زادت فيه جرأة المعسكر المتشدد في طهران وباتت دول الخليج تشعر بأنها عرضة لهجمات عسكرية من طهران والجماعات الوكيلة لها.

ويقول المحللون إن هذا قد يجبر دول الخليج للبحث عن طرق دبلوماسية مع طهران لمنع اندلاع النزاع. ففي تموز (يوليو) أرسلت الإمارات أول وفد بحري لها إلى طهران، وهو الأول منذ ستة أعوام. أما السعودية فقد أظهرت جدية لإنهاء حرب اليمن وعقدت كما يقول مسؤولون غربيون محادثات سرية مع الحوثيين المؤيدين لإيران.

ووصف الدبلوماسي العربي إيران بأنها مثل “بلطجي المدرسة” وقال إن الرياض وأبو ظبي حاولتا البحث عن “دعم الأخ الأكبر من الخارج. ومن الواضح أنه غير مهتم بمحاربة البلطجي” هذا، ولا حتى مواجهة إيران بطريقة غير عسكرية. ومن هنا لم يكن أمامها سوى خيارين “إما توقيع معاهدة فرساي الخاصة بها مع إيران أو مواصلة المقاومة. وحتى الآن لم تختر الاستسلام”.

إلا أن النقاش حول الانسحاب الأمريكي من المنطقة يدور منذ عقد أو يزيد، فثمن التدخل في العراق وأفغانستان ضغط كثيرا على واشنطن، ويقول دبلوماسي أمريكي مخضرم إن الضغط حقيقي: “عندما كان يتم الحديث عن النزاع في سوريا (أثناء فترة باراك أوباما) وهو نفس ما سمعته عن العراق- لم يكن أحد يريد قوات في سوريا”.

وفي الوقت الذي كان فيه حذرا لتأكيد التغيرات قال: “انتهى العصر الذي كانت فيه أمريكا وحدها من تؤثر بمنطقة الشرق الأوسط”.

ومن منظور عربي فقد كان فشل أمريكا تقديم الدعم لحسني مبارك وحكم 30 عاما أثناء الربيع العربي 2011، ثم تبع ذلك تردد أوباما تنفيذ وعده بضرب سوريا حالة اجتاز النظام السوري السلاح الكيماوي في عام 2013. ثم أغضب الرئيس الأمريكي محور السعودية- الإمارات بتوقيع اتفاقية نووية مع إيران عام 2015.

ومن هنا كان من المفترض أن يكون ترامب مختلفا، فقبل عامين تودد لحكام السعودية من خلال اختياره عاصمتهم كأول محطة له بعد انتخابه وبعد عام خرج من الاتفاقية النووية التي وقعها سلفه وأتبع ذلك بسلسلة من العقوبات الشديدة. إلا أن اعتماده على حدسه ونزواته ورؤيته للأمور من خلال التعاقد المالي زرع شكا جديدا في المنطقة. فإستراتيجية أقصى ضغط أدت لزيادة التوتر في الخليج. ولم يبد أي إشارة عن استعداد لاستخدام القوة العسكرية أبعد من العقوبات الاقتصادية.

ففي حزيران (يونيو) أحبط عملية عسكرية ضد إيران بعد إسقاط الأخيرة طائرة بدون طيار. وفي أيلول (سبتمبر) رد بضعف على الاعتداء الذي شن ضد منشآت النفط السعودية، الهجوم الذي حملت واشنطن والرياض إيران المسؤولية عنه، ووصفه وزير الخارجية مايك بومبيو “بعمل حرب”.

ويقول مدير المخابرات الأمريكية السابق (ام أي6) جون سويرز: “لم يسمع من قبل تعرض حليف مقرب للولايات لهجوم صاروخي وطائرات بدون طيار بدون أن يكون هناك رد عسكري”. ويضيف: “لم يعد ينظر إلى الولايات المتحدة على أنها تريد التأثير. وحل محلها إلى مستوى معين روسيا والرئيس فلاديمير بوتين، فيما اكتشفت الدول أن عليها ترتيب علاقاتها ليس من خلال آلية السمسرة الأمريكية”.

ولأنها شعرت بالخيبة من إدارة ترامب فقد قامت الرياض وأبو ظبي بتبني سياسة تدخل في الشؤون الخارجية، وضختا مليارات الدولارات لقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي بعد عزل محمد مرسي عام 2013. ودعمت الإمارات وبشكل نشط أمير الحرب خليفة حفتر الذي يسيطر على شرق ليبيا.

وفي عام 2015 شنت الرياض وأبو ظبي حملة عسكرية ضد المتمردين الحوثيين. وبعد عامين قادتا حصارا ضد قطر. إلا أن قدرة السعودية والإمارات بدت محدوديتها عندما حملت إيران مسؤولية تخريب ناقلات النفط بالخليج وضرب المنشآت النفطية في السعودية. بالإضافة لثمن المواجهة، ففي كلمة قبل الهجمات على السعودية قال مسؤول إيراني بارز أمام تجمع دولي إنه في حالة ضربت أمريكا الجمهوري الإسلامية فسترد هذه بضرب الإمارات بطريقة تضر بها وتدفع بخروج العمالة الأجنبية منها “في ساعة”.

وأكد المسؤولون السعوديون والإماراتيون أنهم لا يريدون مواجهة مع إيران حتى لو كانوا يدعمون إستراتيجية ترامب.

وقال مسؤول سعودي بارز إن موقف الرياض كان هو الثبات وليس تقديم رجل أو تأخير رجل أخرى. وأضاف: “نحن في وضع حرج ونريد ردا قويا ولكن من سيقوم بضربة قوية؟”، و”اعتقدنا أن لدينا الوقت وأنهم (إيران) لا يملكون الوقت بسبب العقوبات”. ورفض فكرة أن أمريكا لا يمكن الاعتماد عليها مشيرا لدعم ترامب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بعد مقتل الصحافي جمال خاشقجي عام 2018 واستمراره بدعم حرب اليمن. وقال: “في وجه الأزمة الدولية (مقتل خاشقجي) وكان العالم يريد غرق السعودية، فمن وقف معها؟ ترامب”.

أرسلت أمريكا 3.000 جندي أمريكي وأنظمة باتريوت الدفاعية بعد الهجمات على أرامكو. وقالت وزارة الدفاع إنها أرسلت منذ أيار (مايو) 14.000 جندي إلى المنطقة. ولديها 54.000 جندي في الشرق الأوسط، وذلك حسب مركز الدراسات الدولية والإستراتيجية.

ورغم كل هذا فالرياض خائفة بسبب زيادة العداء ضد المملكة في الكونغرس. وقال مسؤول يعرف بتفكير الرياض: “ابتعد الكونغرس عن السعودية وأكبر من أي وقت مضى”. وأضاف أن تأرجح ترامب وتعاونه مع كل بلد بطريقة مختلفة يترك أثره”. وتابع: “في الوقت الحالي نحن مرتاحون ومن السذاجة ألا تشعر بالقلق وأنه لن يغير رأيه بسرعة”.

وفي العام الماضي عندما كان يحاول الضغط على السعودية تخفيض مستويات إنتاج النفط، حذر الملك سلمان أنه لن يبقى في عرشه لأسابيع لولا الحماية الأمريكية. وقال إن المملكة تقترب من روسيا والصين الدولتين اللتين تشتريان النفط السعودي.

وزار محمد بن سلمان روسيا 4 مرات منذ عام 2015، وتعاون البلدان في مجال النفط الخام. وكشفت روسيا بدفاعها عن نظام الأسد أنها حليف يمكن لدول الخليج الوثوق به حتى لو كانت هذه تدعم المعارضة السورية.

وهناك اعتقاد أن موسكو التي وثقت علاقتها مع تركيا وإسرائيل الحد من تأثير إيران بالمنطقة. وقال المسؤول المطلع على تفكير الرياض: “تمارس روسيا تأثيرا على إيران وتركيا وعلينا التعامل معها”، و”لم يعد الأمر كما في الحرب الباردة أن تقف مع جانب ضد آخر. ولا أعتقد أننا نختار حلفاء جددا ولكننا نستمع إليهم. ونحن بحاجة لأن يكون لدينا خيارات”.

ويقول معهد ستوكهولم لأبحاث السلام إن روسيا والصين اللتين تقدمان معظم السلاح إلى إيران، قامتا بجهود مهمة لبيع السلاح إلى السعودية وقطع الهيمنة الأمريكية والبريطانية اللتين باعتا السعودية على التوالي نسبة 68% و16% من السلاح إلى السعودية الفترة ما بين 2014- 2018.

والسؤال هو إن كانت كل من الصين وروسيا قادرتين على ملء الفراغ الأمريكي؟ يجيب عبد الله بـ”لا، فقط 1% وربما 10% في الخمس سنوات المقبلة ولكن ليس بشكل كامل”، وأضاف: “سيكون خليجا مدولا وليس خليجا أمريكيا”.

ويقول الدبلوماسي المصري السابق هشام يوسف والزميل البارز في معهد السلام الأمريكي إنه لو أرادت أمريكا تسريع خروجها من المنطقة فمشاكله تجذبها إليه: “للمنطقة طريقتها لفرض نفسها على المشهد الدولي، وحتى لو أردت الخروج فلن تستطيع” و”يعني تخفيفا للتأثير الأمريكي لا نهاية له”، كما يقول.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية