السخرية في رواية «جواز سفر» للمصري ممدوح عبدالستار

«جواز سفر» للروائي المصري ممدوح عبدالستار، مجموعة روائية تضم ثلاث روايات قصيرة «نوفيلات» وهي: «جواز سفر» وهي الأطول في 80 صفحة تقريبًا، ثم «أغنية قديمة» في 30 صفحة، والثالثة «زمن سيدي المراكبي» في 22 صفحة.
جاءت الرواية الأولى «جواز سفر» صرخة قوية مؤلمة في وجه التهجير الذي يعاني منه المواطن العربي، خاصة الشباب في بلدانهم، فلم يعد التهجير يقتصر على الإخراج من دولة إلى دولة، بل أصبح من مدينة إلى مدينة داخل الدولة الواحدة، ولا أبالــــغ إن قلت إن المواطن أصبح مهجرًا داخل مدينته وقريته وربما بيته؛ فأعراض الهجرة والاغتراب نعاني منها ومن شدة وطأتها، ونحن بين ظهراني أهالينا، وكل ذلك بسبب سياسات السلطة – صغرت أم كبرت – ابتداءً من الأب الظالم – إن وجد- إلى رأس الهرم؛ فكل صاحب سلطة يمارس التهجير وإبعاد كل من يعترض طريقه، أو يهدد مصالحه، أو حتى قد يكون عبئًا عليه في يوم من الأيام، ليستفرد هو بكل شيء؛ السلطة والمال والنساء والعبيد.
الرواية الثانية: «أغنية قديمة»، تتناول الموضوع الأزلي وهو ابتعاد المسؤول عن الواقع، وعن رعيته، ولا يهمه إلا مصالحه وبطانته، لا يسأل عن أمر ولا يهتم بشيء إلا إذا كان يمسه شخصيًا أو أحدًا ممن حوله. وهذه سبب ما تعاني منه الشعوب من إهمال السلطة وفسادها وتجبرها وترهلها وغيبوبتها عن الواقع.
الرواية الثالثة: «زمن سيدي المراكبي»، تنبش موضوعًا قديمًا جديدًا، وهو جهل الناس وتمسكهم بالأولياء الكذبة وتقديسهم حتى إن كانوا يبطنون ما لا يظهرون، ويبدو أن ثمة تواطأ بينهم وبين السلطة، بل هم أحد أهم أدوات السلطة في تخدير الشعوب وركوبها.
اللافت في الرواية الأولى «جواز سفر» أنها سفر من السخرية المؤلمة، والسوداء أحيانًا، وكل فصولها عبارة عن سخرية صريحة أو مبطنة، وعندما يلجأ الكاتب إلى السخرية، فهذا يعني أن السيل بلغ الزبى، والقلوب الحناجر، وأن السكين لامست العظم، وأن الألم وصل حدًا لا يُطاق، ولذا تجيء السخرية كمسكن مؤقت للألم، كرد فعل لا بد منه للصمود في وجه الظلم والفساد والبطش والتهميش والاستعباد والاستبداد والخراب والرماد. السخرية سلاح يشهره المسالمون في وجه الطغيان، محذرين من أسلحة أخرى قد يشهرها غيرهم إن لم تنصلح الأحوال. السخرية تحذير ونذير قبل فوات الأوان، وجريان الدم بدلًا من ضحكات الألم وقهقات الأسى والقهر. والسخرية في حقيقتها هي نوع من الهجاء؛ الهجاء للمجتمع أو للسلطة أو للذات، فالسخرية من شخص ما، هي استهزاء به وهجاء له، وإن جاءت على سبيل الفكاهة والهزل. وقد جاءت رواية «جواز سفر» ساخرة بمجملها، سخرية مؤلمة موجعة، تبكي العين، وتدمي القلب، وتبلبل الفكر، وتجرح الروح.
وافتتحت الرواية بالسخرية المباشرة من الذات، ومن الكلمة الأولى، معلنة عن نفسها بوضوح «اسمي أبو قوطة، لا أدري سببًا لهذه التسمية، سامحه الله والدي، أحب اسمي جدًا، رغم ما ألاقيه من سخرية.»، وبغض النظر عن دلالات اسم القوطة (البندورة)، فهو مثير للسخرية والتهكم والهمز واللمز، وزاد من وطأته أنه جاء مؤنثًا بخلاف جنسه، والمفارقة أن ذكر الاسم لا داعي له ابتداءً، فهو الراوي، ولم يضطر لاستخدامه طوال الرواية، ولم يناده به أحد على الإطلاق، ولكن ذكره إمعانًا في السخرية والعبثية وشدة الإحباط.

رواية «جواز سفر» ليست فريدة من حيث المضمون، ولكنها متفردة من حيث السرد المتميز، متعدد المستويات والدلالات

ويسخر من رواتب الحكومة فيقول: «أعمل في مصلحة حكومية تعطيني مرتبًا كبيرًا مغريًا، وأنتم أدرى به». وأي بؤس يعيشه موظفو الحكومة، خاصة في دول الفقر والتسول المرهونة للبنك الدولي؟ أن تكون موظفًا حكوميًا يعني أنك تحت خط الفقر، وتستحق الزكاة والصدقة، ولا تُلام إن تسولت في الشارع أو على أبواب المساجد. المدينة بالنسبة للغرباء في العادة وحش أو متاهة أو هوة، ولكنها في الرواية مختلفة: «نزحتً إلى المدينة التي تحتضن الأغراب الأبرياء، وتُملّس عليهم بتحنان، وتستقبلهم بالتواشيح وآيات الذكر والتبجيل». إنها الصورة الساخرة المغايرة تمامًا؛ المدينة تعصر لا تحتضن، تقسو ولا تتحنن، ترقص على الجراح، ولا تستقبل بالتواشيح. ومن باب جبر خاطر نفسه، بعد أن منحه خادم المقام بضعة قروش، يقول: «دعا بالتوفيق، ورذاذ فمه يقع على وجهي كعطر الياسمين» وأي عطر وأي ياسمــين، والرذاذ مقزز ولو كان رذاذ فم ملكة جمال العالم؟ ويسخر من نفسه وأهميته، ويغمز من جانب بعض المؤسسات الدولية: «أحاطني شعور غريب، ومريح، عندما أحسست بأنني فرد متفرد، وعندما أحسست بوفود كثيرة جاءت خصيصًا لإنقاذي، ابتداءً من الصليب الأحمر إلى مؤسسة حقوق الإنسان والحيوان».
وفي مشهد سردي سيريالي يصف حملًا متوهمًا، فقد انتفخ بطنه كثيرًا، أشبه ببطن الحامل، رغم أنه لم يمسسه بشر، وزاد الألم، وخشي من عيون الناس، فاتخذ مكانًا قصيًا، ودعا الله أن يرزق بولد، ودخل الحمام ليتدارك أمره، فأخرج ما في بطنه من ديدان وعقارب وأوساخ، فاستراح، وخرج قافزًا فرحًا. ومن التناقضات ما يثير السخرية، يقول عن أنيس ابن أنيسة عندما التقاه: «إنه يحمل في يده اليسرى صُرَّةً، واليمنى شنطة «سمسونايت». وكيف تلتقي صرة الفقراء مع «سمسونايت» الأثرياء؟ وكيف نوفق بين الشظف والرفاهية عندما تلتقيان في الشخص؟ إلا أن تعبر عن شخصية تثير السخرية، تتخبط، لا تدري ما الفرق بين الصرة و«السمسونايت»؟
وعندما يعود إلى القرية بعد أن أخرجه أبوه وطرده، يتخـــيل أنـــه يعــــود كفاتح أو كقائد همام، فيتـــوقع أن ترفع له الرايات، وتعلو الهـــتافات، وتقفل المحال أبوابها، وتعطـــل الدوائر والمؤسسات، وتغلـــق الطرق، وتقـــام الأفراح والليالي الملاح، ولكنها خيالات المهمشين في أحلام اليقـــظة، بل في أحلام السكر من الألم والمعــاناة والظلم.
وبعد، فرواية «جواز سفر» ليست فريدة من حيث المضمون، ولكنها متفردة من حيث السرد المتميز، متعدد المستويات والدلالات، سرد جميل، يوظف بفنية عالية الأمثال الشعبية والحكم والتناص مع القرآن الكريم والحديث الشريف، في لعبة لغوية بارعة، تتقن الانزياحات والاستعارات والرقص على المعاني. سرد ماتع يأخذ القارئ في متاهات الحلم واليقظة، السكر والصحو، في لجة من الضياع والتيه والتهميش والألم والغربة والهروب والإحباط والظلم والقنوط، وتنتهي بالهروب من الوطن إلى الغربة، فعندما لا يكون أمامك إلا خياران غربة الداخل، وغربة الخارج، فغربة الخارج هي الأخف وطأة، والأقل كلفة، وتُبقي على بصيص من الأمل قد يلوح يومًا ما.

٭ كاتب أردني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية