تمخض السِّيستم فأنجب رسكلة. خمسة مشاريع رؤساء خرجوا كلهم من صلب فابريكا النظام، تماماً وكأن لا حراك ولا شيء حدث أبداً على مدار عشرة أشهر، لا أحد منهم يشذ مطلقاً، كلهم خريجو الأحزاب التي قادت البلاد نحو الهلاك. سيتفرد واحد لنيل رضى المرادية، يضطر كل ليلة إلى سماع لاكازا دي المرادية، لأنه سيحكم شعباً لا يحبه، أو لنقل جزءاً كبيراً منه. في المقابل، بينت احتفالات أول نوفمبر/تشرين الثاني الأخيرة أن الحراك ما يزال متشبثاً في عمومه بوطنيته على الرغم من محاولات الزج به في مغامرات خطيرة. فقد عاد إلى نشاطه الأول، كما بدأ في 22 فبرير، وبين أنه مهما كانت الملاحظات ما يزال عمقه بخير.
لأول مرة، منذ سنوات طويلة، باستثناء سنوات الاستقلال، يحتفي الشعب الجزائري بعيد الثورة في الشوارع طوال الليلة الفاصلة بين 31 أكتوبر/تشرين الأول و1 نوفمبر/تشرين الثاني، كأن هذا العيد التاريخي كان مسروقاً واستعاده، انتزعه من مخالب عصابة جعلت منه مساحتها للكذب. المنطق الطبيعي أن يسمع النظام لهذا الجزء المهم من الشعب الجزائري الذي يريد بالفعل تغييراً شاملاً وحقيقياً. تختلف سبل تحقيق ذلك، لكن الجوهر واحد، ومن المؤكد أن هناك جزءاً من الشعب أعلن عن خياره للانتخابات الرئاسية، وهذا حقه الديمقراطي ويجب أن يحترم حتى ولو كان عشرة أشخاص، وعلى الدولة أن تحمي هذا الحق، لكن ليس من حقها أن تحارب الجزء الذي اختار الحراك كوسيلة للضغط على نظام كان متهالكاً فاستعاد أنفاسه. هذا الصراع الظاهر أو الخفي، لا يغطي مطلقاً على تخوف الشعب في عمومه من انتخابات لا ضمانات فيها، مما أحدث تخوفاً وقلقاً مستمرين حتى 12 ديسمبر/تشرين الأول.
لم يبق إلا شهر عن الانتخابات، بينما تزداد الهوة الفاصلة بين النظام والحراك قوة وشراسة وتطرفاً. ولا شيء ينبئ بخير، الاعتداء على المرشح للرئاسيات علي بن فليس لا يمكن السكوت عنه مهما كانت اختلافاتنا معه ومع بقية المترشحين، بل هو دليل قاطع على غياب الدولة واحتضار السلطة. علامة خطيرة للعنف المبطن في الناس الذي يمكن أن يحول السلمية في لحظات إلى صراع دموي.. المخاطر تكبر وتتسع في ظل غياب أية حكمة وتبصر في أركان النظام، ولا أية مبادرة من الحراك للخروج باتجاه التفكير في بناء الدولة الوطنية المتجددة. ويتحمل النظام في هذه المعادلة، ذات المجهولَين، المسؤولية الكبرى لكل ما يمكن أن يحدث من انزلاقات، بسبب إصراره على البقاء على موقف غريب ومتناقض، كيف كسرت المؤسسة العسكرية التي رافقت الحراك في البداية، وفي الوقت نفسه حافظت وتصر، باستماتة، على حكومة كانت آخر محاولات العصابة للاستمرار. العصابة مستمرة من خلالها، بمعنى حفظ المصالح، حتى ولو كان ذلك على الصعيد الرمزي. لا يمكن إعادة هيكلة مجتمع جديد بأيدي من كانوا وراء الخراب والتزوير.
هذا السؤال يطرح اليوم بحدة، وأتمنى ألا تجد المؤسسة العسكرية نفسها في وضعية رجال المطافئ لإخماد نيران ليست هي التي أشعلت ألسنتها الحارقة، كما حدث في العشرية السوداء التي ساح فيها دم أكثر من 200 ألف جزائري، وتشريد الملايين التي انتقلت من أماكنها الطبيعية، لتشكل حزاماً من الفقر والعشوائيات في حواشي المدن التي لم تحل حتى اليوم، على الرغم من الجهود التي بذلت في السنوات الماضية.
لقد أخطأ الذين أداروا البلاد، منذ الاستقلال حتى اليوم، مواعيد مهمة. كانت الجزائر مرشحة لتكون قائدة العالم الثالث بحكم التاريخ والموقع والخبرة السياسية والحربية والثقافية، لكنها للأسف، لم تعرف كيف تختار مسالكها الصحيحة، وضيعت وقتاً طويلاً في نقاشات إيديولوجية لا قيمة لها، تعود اليوم على الواجهة بقــــوة وكأننا في عصـــر الحـــزب الواحـــد الذي بنى الخراب كله على يقـــين لم يكن إلا حفـــنة غبار لتسهيل نهب البلاد وسرق خيراتها؛ وطنيات كاذبة ومجوفة شرّعت للنهب، ومنظمات جماهيرية تعددت وتشظت قبل أن تدخل في لعبة الريع، فتناست أدوارها التاريخية والاجتماعية، وبدل أن يتوجه النظام نحو بناء اقتصاد حقيقي، اختصر الطريق باتجاه اقتصاد ريعي استهلاكي لا إنتاج فيه، مع إهمال خطير للزراعة التي شكلت منذ الحقبة الاستعمارية مصدر دخل مالي كبير. يتحدث المسؤولون عن تنويع مصادر الدخل القومي، لكن في أعماقهم، لا أحد مؤمن بذلك، لأنه لا جهد اقتصادياً حقيقياً، ولا مخططات متوسطة وبعيدة المدى، ترافق التحول المفترض.
وكان يمكن أيضاً أن تمر الجزائر بسلاسة نحو الجمهورية الثانية، لكن أنانية النظام لم تسمح للجزائر أن تكون في الموعد، مع أن الحلول كانت متوفرة، ومن داخل الدستور نفسه، من خلال تغييرات بسيطة وترهين الممارسة السياسية بأقل الخسارات الممكنة، والمرور نحو انتخابات حقيقية بمرشحين قادرين على قيادة البلاد نحو السلام وإبعادها من شبح الاصطدام الخطير التي ستكون عواقبه كارثية.
وخسرت الجزائر الحل التونسي أو السوداني السلس للأزمة، والكل يخاف اليوم من الحلّ العراقي، أي خيار الاصطدام. هل هناك وقت لتفادي ذلك؟ ربما ورقة أخيرة هي توقيف الانتخابات والتفكير حقيقة في آليات يشترك فيها النظام والحراك لتجنيب البلاد المزيد من الجراحات؟ لكن هذا الحل يبدو مستحيلاً في ظل التطرفات الحالية. السلطة الحاكمة اليوم تتصرف بعقلية شارع خال، ولا حراك فيه، فتحضر للانتخابات بطريقة آلية وكأن شيئاً لم يكن. ويتمخض ذلك عن جوه معروفة ظلت تحوم في أروقة النظام وجل قادة أحزابها في السجون، كانت السبب الأكبر في الخراب، وكان يفترض أن تُحل كما في كل البلدان التي تحترم نفسها.
لنفترض أن الانتخابات تمت وبسلام، كيف سيكون حال الرئيس الفائز؟ سيولد مقعداً يتحرك على كرسي هزاز؟ يتكلم في الفراغ، وعليه أن يواجه شعباً في الشوارع وهو في أقصى درجات الغليان، ويجابه مشكلات اقتصادية كبيرة وندرة في العملة الصعبة، وبداية دخول البلاد في نادي المستدانين، الأمر الذي يحتاج إلى تضامن شعبي كبير وتضحيات أكبر. من سيضحي من أجل رئيس مكروه؟ صحيح.. خطر كبير أن تظل البلاد بلا رئيس منتخب، لكن الأخطر منه الزج بالشعب في مغامرة مدمرة. هل انتفت العبقرية التي صنعت الحرية وأخرجت البلاد من الظلمات وهلاك أكيد في العشرية السوداء لاقتراح حل وسط يضمن سلامة البلاد؟ سؤال للتأمل فقط قبل قفزة 12 ديسمبر في الفراغ المخيف.