عن طه حسين حديث لا ينتهي

في الثامن والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول ـ أي منذ أيام – كانت ذكرى وفاة طه حسين. في كل عام تقفز إليّ الأفكار لماذا صار هذا الرجل كتبا في التاريخ، ولم تتحقق أفكاره أو ضاع ما تحقق منها مثل، مجانية التعليم والتحذير من التعليم الخاص وغيرها. أعرف أن التغيرات السياسية في مصر عادت بنا إلى العصور الوسطى، لكن يظل عندي أمل.
أعرف أن الزمن الذي ظهر فيه طه حسين لم يكن حلوا كله.. كان هناك إقطاع وكان هناك نفوذ للاستعمار البريطاني، وكانت هناك ملكية لها أعوان يقفون في وجه التطور الديمقراطي، لكن كانت هناك نهضة يقوم بها المجتمع المدني. أعرف أن مجلس النواب الذي أسسسه الخديوي إسماعيل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، قبل أن يظهر طه حسين بسنوات طويلة، كان مجلسا لا يمكنه معارضة الخديوي إسماعيل، لكن حين تضع ذلك في إطار زمنه تعرف أن هذا كان طبيعيا، لأنه بعد ذلك خرج مجلس النواب عن طاعة الحاكم، وسمعت فيه صرخة العقاد يوما، أن الشعب مستعد لقطع أكبر رأس تمس الدستور بسوء.
كان يتحدث عن دستور 1923 ومحاولة تعطيله من قبل حكومة إسماعيل صدقي باشا عام 1930. كان المجتمع ينهض وكان مفكروه يعرفون أن من عوامل النهضة إدخال الفنون المختلفة إلى البلاد. كانت الحركة المسرحية قد بدأت منذ عهد إسماعيل، وساهم فيها يعقوب صنوع والشوام من المهاجرين، أو الفارين من نير الحكم العثماني، وجوار المسرح أنشأوا الصحف والمجلات، وظهر طه حسين وسط هذا الزخم كله.
لم يكتف طه حسين بكتابته في الفلسفة أو التاريخ، لكنه أيضا كتب الرواية، لماذ كتب طه حسين الرواية وكان لديه ما يكتبه في الفكر والتاريخ، أكثر من أي شيء آخر. كتب الرواية كما كتبها من قبل محمد حسين هيكل، الذي كانت روايته «زينب» من أوائل الروايات العربية، وهناك خلاف على ما إذا كانت الأولى أم لا. كانو يريدون تدشين هذا الفن الأدبي الغائب عن الأدب العربي الحديث. طبعا بعد ذلك وحتى الآن تقوم دراسات بمحاولة إعادة فن الرواية للحكايات العربية القديمة، وكذلك فن القصة القصيرة، لكنني أعني الرواية بشكلها العصري. لم يكن طه حسين بحاجة أن يكون روائيا، لكنه كان يعرف أهمية أن تدخل الرواية وتستقر في أدبنا العربي. لم تكن رواياته تُعنى بالشكل الفني، وكانت كلها بلغة واحدة رغم تعدد الشخصيات، وهي لغته الفصيحة، هو الذي يملي ما يكتبه فيتكرر كثيرا مما يقوله بسبب الإملاء، لكنه كان يريـــد أن يســـتقر هذا الفن. وأخذه ذلك إلى إعادة الحــديث روائيا عن أحداث كبرى في التاريخ الإسلامي فكتب كتابه «على هامش السيرة» وغيره مثل «الشيخان» و«الوعد الحق» وغيرهما، بأسلوب قصصي وروائي أيضا، سهّل على القارئ العادي. انفجرت الرواية مع توفيق الحكيم ثم نجيب محفوظ، ثم استمر انفجارها وأصبحت فنا راسخا، والآن هي الفن الذي يتصدر المشهد العربي.

في كل ما كتبه طه حسين بعيدا عن كونه ناقدا أو مفكرا، وهو كناقد أدبي كان له شأن كبير في متابعة إنتاج الروائيين المصريين مثل، نجيب محفوظ ويوسف السباعي ويوسف إدريس في ما بعد

أي دراسة نقدية لروايات طه حسين ستقول إنها لم تكن من الجودة الفنية، ولكن هذا الرأي يغفل سبب كتابة الرواية وهي إدخالها من باب واسع إلى الأدب العربي. باب مفكر كبير مثل طه حسين. لم يكتب طه حسين في المسرح، لكنه ترجم مسرحيات من المسرح اليوناني لسوفوكليس مثل «انتيجونا» و«أوديب ملكا» و«ألكترا»، هو الذي تعلم في السوربون في فرنسا، وكان يجيد الفرنسية واليونانية واللاتينية وغيرها. لماذ ترجم طه حسين من المسرح اليوناني؟ من أجل أن يمهد لقيام كتاب مسرحيين مستقلين، يعرفون شكل وموضوع المسرح الكلاسيكي، ثم يعرفون ما جرى عليه من تجديد في العالم، ويصبحون جزءا من شكل المسرح المعاصر، أي تمهيدا لنهضة في الكتابة المسرحية، فالمسرح الذي بدأ في الدنيا قبل أن يبدأ في مصر بأكثر من ألفي سنة، لا بد أن يعرفه الناس ليعرفوا أين هم، وحين ينشر بالعربية لن يكون قاصرا على الكتّاب، الذين يمكن أن يقرأوا بلغات أجنبية، بل سيصبح فهم المسرح مشاعا، إلى حد كبير، ومن ثم يقوم كتاب المسرح بالتجويد، فهناك من يعرف من القراء والمشاهدين كيف كان ويكون المسرح في العالم. هكذا في كل ما كتبه طه حسين بعيدا عن كونه ناقدا أو مفكرا، وهو كناقد أدبي كان له شأن كبير في متابعة إنتاج الروائيين المصريين مثل، نجيب محفوظ ويوسف السباعي ويوسف إدريس في ما بعد، ولا أنسى أنني كنت أقرأ له في كتب مثل «ألوان» وغيره عشرات المقالات، حول الروايات المصرية والأجنبية، التي حتى لم تكن قد ترجمت في مصر، مثل روايات أناتول فرانس، وجان بول سارتر وكامي وغيرهم من الكتاب الفرنسيين، وكانت مقالاته، رغم أنها في مجلات للعامة، أشبه برسائل للكتاب المصريين أنفسهم. تعرض طه حسين إلى أزمة عنيفة نعرفها كلنا مع كتابه «في الشعر الجاهلي»، ولن أكرر الحديث فيها. قامت ضده الدعاوى وواجهته المقالات وبعض الكتب أيضا المضادة لمنهجه في الشك الديكارتي، وهو منهج لا يعني بالشك عدم الثقة، في ما نعرف، لكن بحثها ولا نقبل منه عقليا إلا ما هو واضح ومتميز، ولكن قيض له الله محققا مستنيرا حفظ القضية، وأكد أن ما كتبه ما هو إلا أفكار يمكن مواجهتها بأفكار أخرى. رغم ذلك من المهم أن نقول إن من عارضوه مثل مصطفى صادق الرافعي أو محمد فريد وجدي، كانوا يعارضونه بأدوات فكرية، وناقش محمد فريد وجدي كثيرا أفكار ديكارت التي تعنى بالشك، إلا في ما هو واضح ومتميز، أي كانوا يعارضونه بشكل علمي أو ثقافي رفيع.
طبعا تدهورت أحوال البلاد منذ السبعينيات من القرن الماضي، وظهر المتربصون الذين قاموا بتكفيره وإخراجه من الإسلام، وثقافتهم أصلا في العربية أو الفرنسية ضائعة. ثقافة الحفظة الذين لا يسمحون بحرية للعقل، إنهم أعداء كتابه «مستقبل الثقافة في مصر» الذي وضع فيه مصر في مكانها الصحيح بلدا متوسطيا، يطل على البحر المتوسط، بأكبر مساحة وبأطول تاريخ، لأنهم يرون أن مستقبل مصر هو أن تولي وجهها للجزيرة العربية، وقد كان للأسف بعد أن فعلت مصر ذلك بجهود الدولة ذاتها منذ السادات. كلنا نعرف جاءنا النقاب والحجاب من جديد والإسدال والبنطلون القصير تحت الجلباب والشبشب والذقن واللحية، وتوغلت الوهابية، وصارت سدا لكل تقدم حتى ونحن نرى السعودية تحاول أن تتخلص شيئا فشيئا منها.
ما أكثر ما طالبت بأن يكون هذا الكتاب «مستقبل الثقافة في مصر» مقررا على المدارس الثانوية المصرية فيختصر أشياء كثيرة في مسألة تطور البلاد، وما أكثر ما طالبت أيضا أن يتم نفس الشيء مع كتاب «سندباد مصري» لحسين فوزي، لكن لا حياة لمن تنادي. شعب يمشي في طابور وراء الحكام أفضل للحكام دائما.

٭ كاتب من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية