ليس من اليسير بناء صورة لتلك الكينونة التي نتطلع أن تكونها الثقافة في غدها القريب أو البعيد؛ لكن نظرة متمعنة في الحاضر بإمكانها أن تقلِّب الأمور على مختلف جهاتها وتستغور الظواهر على عواهنها وتفتش عن الجيد المرغوب وتنبذ السيء المطروح باطر واستراتيجيات محددة هي التي ستجعل مهمة التطلع والاستشراف أقل غموضاً وأيسر استعصاءً.
فترتسم في أذهاننا ملامح الغد الثقافي ومناحيه وتتضح كينونة الثقافة بتعيين عملي للبوسها القادمة، وقد تمظهرت بحلة جديدة تتجاوز المؤاخذات وتتعالى على السلبيات التي تلتصق بها في مرحلتها الحالية.
ولعل أهم التطلعات التي نتوسم وجودها في ثقافة الغد هي المصداقية في أن تكون الثقافة في استراتيجياتها ونظرياتها قابلة للتطبيق متوازنة وحيادية لا تتحزب لجهة ولا تتكتل لأجل أخرى، ولا تتمايز بالقطيعة مع ما هو رأسمالي مثلا أو تتنصل لما هو ديني أو عقائدي، بل تتأقلم مع توجهات المجتمعات مادية كانت أم غير مادية، تجمع الآلية الاقتصادية بالاستطاعة البشرية نساء ورجالا، وتوفر الترفيه وترتقي باتجاه ما هو جميل ومريح. فتبتعد بذلك عن الشعارات والإعلانات الدعائية، ولا يغدو الفرد فيها عبئا أو فائضاً وإنما هو قيمة تلتقي حولها الأفكار المتسمة بروح منفتحة لا تعرف النخبوية وتتبرأ من الصنمية وتنبذ صور البطرياركية بهيمنتها المقيتة وفردانيتها التي تنبذ الآخر ساعية لجعله خانعا مع رفض كل أشكال الوصاية والرقابة والحراسة الثقافية والتقييدات الفكرية وخطابات الكراهية التي تضطهد الفرد في ظل نظام عالمي منهار.
وكان جان فرانسوا ليوتار قد أكد أهمية الاندماج في مواجهة الرأسمالية التي تظل تهدد الثقافة، وحذّر من الرأسمالية التي غزت كل مكان حتى صار كل ما يقبل التبادل يندمج في الرأسمال بسرعة وذلك بمجرد أن يقبل التحول من مال إلى آلة ومن بضاعة إلى بضاعة ومن قوة عمل إلى عمل من عمل إلى أجر ومن أجر إلى قوة عمل. وليوتار هو الذي أكد انتهاء عصر ايديولوجيا الثقافة، تلك الثقافة التي آمن بها المثقفون والمبدعون والفنانون المنتمون إلى عصر الحداثة حينما وضعوا على كاهل المثقف إعادة الاعتبار للغايات الكونية الإنسانية.
ولا يخفى أن الثقافة هي التي ينبغي ان تحدد الأنماط التي بها تعرف الكفاءات والمهارات المعرفية، وهو ما يجعل التحدي كبيرا أمامها مثيرا صراعا وتشتتا حول أهمية مهارة معرفية ما، والفرق بين إنتاجية وأخرى، والكيفية التي بها نستطيع مواجهة معوقات الإنتاج والاستهلاك.
ومما يضمن للغد الثقافي رقياً تبني استراتيجيات تتصف بالديناميكية، لكن ينبغي قبل ذلك أن نكون واثقين أصلا من حاضر الثقافة التي نعيشها لنعمل على استمرار ديناميكية حركتها وشيوعها في المستقبل، وقد اتصفت بالشمول والاتساع والنخبوية والتحرك، متضادة مع كل ما هو متطرف وكذلك متسامية عن كل ما هو ضيق وانغلاقي. ومن تلك الاستراتيجيات ما وضعه المفكر عبد الله العروي من صور لثقافة الغد التي نسعى إلى تعميق أواصر قواعدها في الحاضر كي تتعزز فاعليتها في المستقبل، ومن تلك الصور:
وفي ضوء هذه الاستراتيجية التي يرسمها العروي تتجسد لنا حقيقة أن ثقافة الغد لا تكون من رصد واقع الصراعات السياسية والنزاعات المذهبية والتنافس الاجتماعي، وسيكون للأدباء والفنانين وغيرهم من العناصر الثقافية دورهم الفاعل في مستقبل الثقافة.
بيد أننا لن نغالي إذا قلنا إن الروائيين والقصاصين هم أكثر العناصر الثقافية قدرة على التجسيد بسبب ما لهم من دور جلي وواضح في راهننا الثقافي، فضلا عن أن فن الرواية والقص يعدان من الأدوات الناعمة الموظفة في العولمة الثقافية التي بإمكانها أن تساهم في فهم صيرورة تلك الصراعات والنزاعات. وهو ما ذهب إليه جيسي ماتز مؤكدا أن الرواية الجيدة المصنوعة بشغف يمكن عدها فرعا من الدراسات الخاصة بالتنبوء بالمستقبل أو علم المستقبليات futurologyوأن الروائي المتمكن بات ينظر إليه كفرد موسوعي المعرفة تمتلئ جعبته بالكثير من العناصر المعرفية التي تجعله ذا بصيرة رائية، ترى تضاريس المستقبل في الوقت الذي يحكي فيه عن الحاضر.
ومن سمات ثقافة الغد أيضا تنمية النسوية واستيعابها مع نبذ التمييز والعنصرية، وقد أشار ستوارت ميل وهو واحد من المتأثرين برايموند ويليامز إلى أن عمل مراكز الدراسات الثقافية المعاصرة يتعرض إلى مقاطعتين في الأقل: الأولى تخص النسوية والثانية تخص قضايا العنصر والتمييز العنصري.
ونقف عند ثقافة الغد في ظل الإشكالية التي تثيرها النظريات والحركات النسوية، لنتساءل هل حان الوقت لوجود عمل نسوي يجدد واقع الدراسات الثقافية؟
مبدئيا لا يمكن لنا أن نتصور الثقافة من دون فهم نسوية العالم المعاصر كما لا يستقيم أي مشروع معرفي من دون أن تتساوى مادته البشرية رجالا ونساء أفرادا وجماعات، وبالإيلاء المستقبلي التنموي لكلا الجنسين ستنتفي صورة التهميش وستغادرنا تلك الصورة القاتمة التي تمثلها الجماعات الهامشية التي هي جماعة أغلبية صامتة كما يقول ميشيل سورتو. ولا يمكن لنا أن نتصور الثقافة من دون فهم نسوية العالم المعاصر.
والتوجه التنموي للمرأة هو الذي يفتح آفاقا ثورية تحررية تعاد عبرها جدولة البرامج الثقافية بقصد منتجة قيم تتناسب ومتغيرات العصر ورهاناته الفكرية، فضلا عن بوادر نهوض تنوع ثقافي متعدد، وهو ما تنبأت به الأمريكية بيل هوكس التي رأت أن ثورة القيم مرهونة بتغير متعدد للثقافات، رافضة التنوع بمفهومه التقليدي الذي يتشكل بصيغة مجموعة متناغمة من الأطياف الثقافية المعتدلة.
وتذهب دينيس رايلي في كتابها “هل أنا هذا الاسم؟” إلى إدراك أن غموض فئة “المرأة” هو شرط ضروري لفلسفة سياسية نسائية فعالة. وتجد في تشغيل الكلمة كفاعلية كلام ضمانا لمستقبل الحركة النسائية الطموحة.
ولا مناص من أن يكون مستقبل النسوية مرهونا بقدرة المرأة على استجلاء حاضرها أولا كي ترى نفسها في تاريخها بكل ما فيه من قمع وتهميش واضطهاد وتستنبئ ثانيا مستقبلها الذي ينبغي أن يكون متجاوزا التابعية والتهميش ومتغلبا على القهر والاضطهاد .
وإذا كانت هذه سمات الغد الثقافي، فإن مآلات الدراسات الثقافية ستنحو المنحى عينه، منتجة لنا نفراً من الباحثين الذين يتمتعون بروح العمل الانفتاحي، متسامين على ما هو آني ومرحلي متجهين بمسارات البحث والدرس صوب إحداث نقلات قصوى سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى المؤسسات المعنية بالثقافة والفكر والأدب، وبما يجعل المنضوين في ثقافة الغد مفكرين عضويين لديهم حركة تاريخية ناجحة بلا نوستالجيا أرث غابر، ولا طوباوية تشاؤم قاتم أو اندفاعية تفاؤل مغالٍ.
ولا عجب أن الغد الثقافي سيكون أفضل بالتأكيد إذا أخذنا أحسن ما في واقعنا الثقافي الراهن، ومضينا به نحو انفتاح أصيل يواجه الناس بصدق وقوة.