الكتابة في الهامش

التفاعل الرقمي في وسائل التواصل الاجتماعي، أتاح لعموم الناس الكتابة تعليقا على منشور رقمي. هذه ديمقراطية جديدة في الكتابة، قد تفتقد أي أس وتصبح ككل «ديمقراطية» غير ذات أسس تحمل شيئا من البشاعة، لا أريد أن أشبهها حتى لا يترك الناس البشاعة ويغضبون من التشبيه. لست من مناصري أمبرتو إيكو حين تحدث عن «اجتياح البُلهاء» للشبكات الاجتماعية فقال، إن هذه الشبكات «أعطت الحق في التحدث لجحافل من الحمقى، الذين كانوا قبل ذلك لا يتحدثون إلا في الحانات بعد كأس من النبيذ، ولم يكونوا (ليقدروا) على إلحاق أي أذى بالمجموعة؛ كان الناس يُخرسونهم على الفور؛ بينما صار لهم اليوم الحق في الحديث كالذي يكون لأحد الفائزين بجائزة نوبل».
أنا لست مع إسكات هؤلاء الذين يكتبون ويعبرون وهم أصوات بلا فكر، كيف أسكتهم وهم باسم الحق في التعبير سيسكتونني، وكيف أسكتهم وجميع من في الحانة يطربون لكلامهم؛ لن أسكت هذه الأصوات لأن نطقها يفضحها، وليس أبشع من عقابها إلا بصــــوتها. أنا لست ضد الكتابة في الهامش، فهذا نوع من الكتابة مهم إن عرف قوانين الكتابة وأخلاق الكتاب.
مارس كثيرٌ من العلماء قديما الكتابة في الهامش، ولم تكن هذه الكتابة عيبا، ولا هي كذلك اليوم أيضا، فالرسائل الجامعية اليوم تعتمد التهميش ويحاسب الباحث على الهامش مثلما يحاسب على المتن. في الحاشية أو في الهامش، نُشرت كُتب بأكملها وعرفها الناس وهي عالقة بكتب أخرى وردت في المتون. فالتحشية أو التهميش (وهما مرادفان أو مختلفان) عَادة قديمة في الكتابة، ازدهرت في الحضارة العربية الإسلامية بأشكال مختلفة من بينها الشروح. كانت الشروح كتابات من الهامش اقتحمت المتون وجعلت الكتابة بصوتيْن: صوت «صاحب الكتاب» وصوت «الشارح». حاول الشراح بما هم كتّاب هامش أن يفتكوا «أضواء» الكتابة فنَجَحت منهم طائفة وفشلت أخرى. في النحو مثلا نجح ابن موفق الدين بن يعيش حين شرح «مفصل» الزمخشري بمطولة ضمت عشرة أجزاء. هو لم ينجح بالإطالة، حيث فشل الزمخشري بالاختصار؛ وإنما نجح في تجاوز كثير من التسامح الذي وقع فيه السابقون، بمن فيهم الزمخشري، ومن بينها ضبط الحدود. ونجح رضي الدين الاسترابادي، في شرح «كافية» ابن الحاجب أكثر مما نجح في شرح «شافيته» بما تميز به شرحه من عمق في التفكير ومن جراءَة في رد الأشياء إلى النظام حتى إنه هدد بالخروج عن إجماع النحاة في القول إن المضارع المجزوم مُعرب، فأجدر به أن يكون مبنيا لأسباب يضيق شرحها ههنا ولربما ضاق عنها عقْلُ الهامش.
في الكتابات الحديثة دخلت الهوامش إلى فنون لم تكن تعترف بالتهميش كالشعر والرواية، فكانت الهوامش فيها مفاتيح للأفكار الساكنة في الطوابق العلوية. والمهم في كل ذلك أن الهوامش عايشت المتون عيشا كفله ميثاقان غليظان بينهما هما ميثاق صدق الانعكاس وميثاق الانسجام البينصي. ينص ميثاق صدق الانعكاس على أن يكون الهامش انعكاسا للمتن صادقا، فيكون الصوت الذي يجد في متنه صداه، أو وجه المرآة الذي يتربع وجهه الحقيقي في المتن. تنقص رفعة الكتابة حين يكون الهامش مُذلا لتلك الرفعة: صورة المرآة يمكن أن تنعكس ببشاعتها على صورة الأصل. وينص ميثاق الانسجام البَيْنَصي على بندين مترابطين أولهما أن الهامش نص، كما أن المتن نص؛ وينص البند الثاني على أن بين النصين علاقةَ حُسْنِ جوار يحكمها الانسجام: لا يمكن أن يفهم نص الهامش إلا وهو في سياق سيرورة فكرية يرسيها النص ويقرها المتن؛ لا يعني الانسجام التبعية، وإنما التكامل والشمول. للمتن في علاقته بالهامش سَببٌ نُشوئي، فالأول حامل نصي لنص محمول هو الهامش، ولكن الهامش يسعى إلى أن يتجاوز وظيفة النشأة والمحمولية إلى ما وراءهما: أن يكون حاملا دلاليا بدوره.

الكتابة التفاعلية اليوم غالبا ما لا تراعي، بما هي كتابة في الهامش، هذين الميثاقين فتحكم على نفسها، أن تكون كتابة على الهامش.

إلا أن الكتابة التفاعلية اليوم غالبا ما لا تراعي، بما هي كتابة في الهامش، هذين الميثاقين فتحكم على نفسها، أن تكون كتابة على الهامش. يشعر بعض الكتاب بعُقدة مفتعلة هي عقدة الهَامش، فهم يرون الكتابة في المتن فضلا لا يصلون إليه (نحن لا نتحدث إلا عن الكتابة التي شَرفت متونها) لذلك يهاجرون في مواسم التصحر الفكري وما أكثرها إلى أعشاش تقع في ظل المتون. يغرد الغربان من هذه الهوامش على المتون وأصحابها بالمحل، وينسون أن أول الخاسرين هم. المتون في عصر الناعقين أدعية يصوتون بها فيجتمع معهم كثيرون من أمثالهم شماته في المتون، لكنهم لا يعرفون أن حامي المتن هو العلم وقواعده والفن ومواضعاته. صحيح أن الكتابة في العصر التفاعلي لا تطلب إذنا من أحد، لكن هذا الشرع المنسوخ ينقض بدوره شريعة الكتابة: إنها تكتب بقواعد العلم أو الفن، فضلا عن قواعد اللغة وحفظ قواعد التواصل وآدابه.
أكبر الإشكالات أن الكتابة في المتون باتت شكلا من أشكال التواصل الذي لا يُفهم بأدوات تحليل الخطاب التقليدية وأهمها الاتساق والانسجام. فلا يمكن أن يكون خطابا كل منطوق أو مكتوب لا يراعي الترابط والتناسب بين أفكاره والعلم أو الفن الذي يكتب فيه. ومثلما أسلفنا فإن الترابط في الهوامش لا يدرك في ذاته، بل في علاقته بالمتن، ولآخذ على سبيل المثال مقالي هذا الذي أكتبه تحت مُسمى علم اللسانيات فحتى يكون التعليق منسجما مع روح المقال عليه أن يكون مراعيا للمفاهيم الأساسية التي استلهمتها وأنا أكتب هذا المقال المبسط (أنا لا أتحدث طبعا عن تعاليق المجاملات أو الشتم والحط من قيمتي العلمية، فصفتي التي أمضي بها في أسفل المقال صفة علمية أساسها شهادة علمية لا يرفعها تعليق في المتن ولا يبطلها).
فأنا إن كتبت ههنا شيئا في موضوع اللسانيات فانسجام التعليق مع ما أكتب يَشترط معرفة المسائل المختصة التي أتحدث من خلفيتها لسانيا. فأن أتحدث اليوم عن العلاقة بين المتن والتعليق في الخطاب العلمي القديم أو في الخطاب التفاعلي الحديث فذلك الحديث مرتبط بجملة من المبادئ المتعلقة بشبكة من المفاهيم اللسانية التي لا تظهر إلا قليلا بفعل سعيي إلى التبسيط؛ وهذه المفاهيم هي اللغة والكلام، واللسان والخطاب والتلفظ، والوَرَلسان والوظيفة الورَلسانية، والكتابة والتفكيك والتركيب، والمقام والسياق والإحالية السياقية والانسجام والاتساق وغيرها من المفاهيم التي أبطنها فلا يظهر منها إلا القليل. تضاف إلى تلك المفاهيم معرفة بالنحو القديم تراعي نظامَه الفكري ولا تبنى على أفكار معيارية عنه كإعراب المضارع المجزوم أو بنائه. لم نرد من هذا الركن إلا أن نبسط مفاهيم علم إنساني مهم في العصر الحديث هو اللسانيات، ونستفيد في مناقشة مسائل يومية أو فكرية بوسائط لسانية، ومن خلف ذلك كله نود أن نفتح النقاش من داخل دائرة هذا العلم (لا من بين يديه ولا من خلفه) لمطارحات تتقدم بالبحث في اتجاه ما يريد. كفانا أنا جربنا.
آخر ما نختتم به هذه الأفكار هو مَثل الصحيفة الصفراء لعبد الله بن المقفع.. نختتم به ذِكْرا لا سردا فهذا تهميش فليَسْعَ القارئ الكريم إلى البحث عن متنه، أما كاتب هذا الأسطر فسيعود إلى الهَامش الذي لم يغادره يوما إلا في أويقات الكتابة وحتى في تلك الأويقات كان الهامش يتسع لمتنٍ لا هامش فيه.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية