■ عاش هيثم أحمد زكي حياة تراجيدية مركبة، فلم يتمتع إلا بقدر قليل من الطفولة المدللة قبل انفصال أمه الفنانة هالة فؤاد عن أبيه وارتباطها برجل آخر، وهو لا يزال في طور الطفولة، ورغم حب أحمد زكي الشديد له، إلا أن حياته الفنية وطبيعته الفوضوية جعلته مشغولاً طوال الوقت بفنه ونجاحه وشهرته، فلم تكن لديه الفرصة الكافية للعناية بابنه الوحيد، ولأن جده لأمه المخرج أحمد فؤاد كان مُدركاً لصعوبة الظرف الإنساني الذي يعيش فيه الطفل الصغير، اهتم به ورعاه في غياب الأم والأب، ونشأ هيثم في كنف الجد والجدة نشأة شبه مستقرة، ولكن الاستقرار لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما ماتت الأم إثر إصابتها بمرض عضال فتحولت حياة الأسرة كلها لمحنة كبيرة.
وهنا ظهر دور الأب بقوة، وشعر أحمد زكي الفنان بالمسؤولية الكاملة تجاه ابنه، فأخذ يراعيه ويقربه منه، وحين شبّ عن الطوق صار صديقاً حميماً له، وبينما هو يتعلق به ويراه مشروعه الأكبر في الحياة، فاجأه المرض ذاته الذي أصاب الأم، فأدرك نهايته، وكانت تلك هي بداية دخول هيثم مجال التمثيل رغماً عنه، حيث تورط في استكمال دور عبد الحليم حافظ في الفيلم الذي كان يحكي سيرته الذاتية، ومات الأب النجم قبل أن يُكمله، ولأن الجزء المتبقي من تصوير الفيلم اتصل بمرحلة الشباب عند عبد الحليم، فقد رأى صُناعه، أن هيثم أحمد زكي هو الأنسب للعب الدور، لأنه الأقرب لأبية وعبد الحليم في الوقت نفسه. وتم القرار على أن يكون هو البديل والبطل الثاني، وبالفعل التف المقربون حوله وأقنعوه بأن يقبل الدور.
ودخل الشاب الصغير الغرير بقدمه اليسرى عالم الفن والشهرة والأضواء، وهو لا يملك من أمره شيئاً، غير فكرة بسيطة عن السينما استقاها من أبيه، أما الموهبة فلم تكن متوافرة لديه بالقدر الكافي، الذي يضمن له النجاح والاستمرار، ولكنه وجد نفسه بين عشية وضحاها ممثلاً، فمضى في طريقة ينتظر نتيجة اجتهاده وحصيلة الدور الذي أداه مضطراً، ومدفوعاً بتحفيز الآخرين وتشجيعهم، وجاء الدور متواضعاً والأداء لا يبشر بقدوم نجم جديد يخلف الممثل الفذ، فآثر هيثم الانسحاب من عالم الأضواء في هدوء، وعزم على ذلك، لكن الذين دفعوه للعبة التمثيل هم أنفسهم الذين أقنعوه بالاستمرار فيها، وربما كان بعضهم متعاطفاً معه، وأرادوا أن تكون له حيثية الأب ومكانته، وراهنوا في ذلك على فكرة التدريب واكتساب الخبرة بحسن نيه. وتحت الإلحاح خضع ابن أحمد زكي وهالة فؤاد وحفيد المخرج أحمد فؤاد لرأي المحيطين به.
ومع كل ما حققه هيثم من نجاح بقيت عقدة الأب النجم تطارده، فلم ير فيه أحد من النقاد أو الجمهور الامتداد الفني لأبيه، في الوقت الذي عاش فيه الكثير من النجوم الشباب في جلباب أحمد زكي
وظل يتحين الفرصة ليثبت جدارته بدور جديد يرتقي فيه بالأداء ويصل إلى درجة الإقناع، كي يضع لنفسه علامة أكثر وضوحاً على أول الطريق، وبالفعل جاءته الفرصة، لكنها ليست الفرصة اللائقة به كممثل مبتدئ، فالفرصة تمثلت في البطولة المطلقة، بينما طبيعة الدور لم تكن ملائمة، حيث لعب دور البلياتشو في فيلم يحمل العنوان نفسه، ورغم تفانيه واجتهاده المضني، لم يحالفه الحظ في النجاح ولم تحتفي الحركة النقدية بالفيلم ولا بالبطل، وأسلمه هذا الأمر إلى الاكتئاب فترة غير قصيرة لزم خلالها البيت، وفكر مجدداً في الاعتزال، لكنه عاد ليبحث عن فرصة أخرى، وبعد طول انتظار وجد ضالته في بطولة مشتركة مع الراحل خالد صالح ووفاء عامر وحسن الرداد، ومجموعة أخرى من الشباب في فيلم «كف القمر»، ونجح في تقمص دور راقص التنورة الذي يستجيب لغواية الراقصة، التي توهمه بالحب، وبناءً على هذا النجاح استعاد ثقته في نفسه كممثل، وتوالت عليه العروض السينمائية والتلفزيونية، وانتقى منها الأصلح والأنسب، فكان دوره المميز في فيلم «الكنز: دليلاً على حُسن الاختيار والتدقيق.
ويخرج هيثم من إطار الشخصية الرومانسية الرقيقة، ليلعب أدواراً متباينة ومتنوعة في شكلها ومضمونها، وتتجه إليه الأنظار فيتم توظيفه في المسلسلات، التي تقدم الواقع الجنوبي، اعتماداً على لياقته البدنية ولون بشرته السمراء واتزانه الواضح في الانفعالات والأداء. بيد أنه ترك بعض الأثر في الأعمال الدرامية الأهم كمسلسل «السبع وصايا» و«دوران شبرا» و«الجماعة» و«إمبراطورية مين» و«أستاذ ورئيس قسم» و«مصاعب الغربة» و«كلبش» ليصبح نموذجاً للبطل المقنع.
ومع كل ما حققه هيثم من نجاح بقيت عقدة الأب النجم تطارده، فلم ير فيه أحد من النقاد أو الجمهور الامتداد الفني لأبيه، في الوقت الذي عاش فيه الكثير من النجوم الشباب في جلباب أحمد زكي، وإزاء هذا الانتحال الفني الفج، لم يبدِ الفنان الشاب المهذب أي احتجاج وترك غيره يستثمر اسم الأب الفنان، في حين التزم هو الصمت التام وظل يسبح في مجاله الإبداعي الشاق بعيداً عن دائرة التأثير والجاذبية الخاصة بوالده إلى أن لقي ربه صابراً محتسباً، غير عابئ بمن أحبطوه وحاربوه وقتلوه ببطء.
٭ كاتب من مصر