بيروت – «القدس العربي»: تقول المعلومات الواردة على محرك «غوغل» إن مسرح «التياترو الكبير» في بيروت افتتح سنة 1929، وإن بانيه بمبادرة فردية هو جورج ثابت. هذا البناء الجميل بمعماره دخل من ضمن أملاك شركة سوليدير. كثيراً ما وعدت بترميمه وإعادته إلى دوره الثقافي، خاصة وأن المدينة تحتاجه، لكنه بقي طي النسيان، ولم تفصح الشركة، التي مهدت الطريق نحو شيوع الفساد منذ اتفاق الطائفة، عن نواياها حياله.
حرره الحراك، ودخلته أجيال لم تعرفه إلا سياجاً. تسلقوا سطحه، رغم أنه غير آمن وفيه الكثير من الحفر الداخلية الناتجة عن الحرب الأهلية. أعيد لفه بسياج من خشب، أتاح لهواة التعبير عبر الغرافيتي مساحة جديدة للتأمل.
الأحد ظهراً كان التياترو الكبير يستضيف أمامه جمهوراً من الراغبين في سماع الموسيقى مباشرة، رغم كل الضجيج المحيط من منصات تعبير، مولدات كهرباء، دراجات نارية وغير ذلك.
عزفت جنى سمعان ونيري غازاريان التشيللو بدعوة من المفكرة القانونية، التي تدافع عن المساحات العامة، وتطالب بفتحها للناس جميعهم. أصغى الحاضرون وصفقوا بعد كل مقطوعة، معبرين عن بهجتهم ومسجلين موقفاً ضمن الحراك.
ربما كان كل من حضروا أمام التياترو الكبير يعرفون اسمه ويجهلون مكانه وتاريخه، لكننا نعرف أن بعضهم شبهه بلؤلؤة معمارية منسية، وربما يكون نصيبها أن تتحرر بفعل حراك الشعب، الذي يطالب باسترداد أملاكه وثروته المنهوبة.
تقول جنى سمعان عن مشاركتها كعازفة في هذا اللقاء الفني والوطني بأنه «رسالة ثقافية بحتة. والثقافة في مرحلتنا هذه من الأولويات، وليس لنا تأجيلها لمرحلة لاحقة، لأن مجتمعنا لن يستمر بعيداً عنها. التياترو الكبير واحد من معالمنا الثقافية المنوعة عنا. أتمنى لو يتم ترميمه ويصبح مثالاً يحتذى به لبناء أمكنة ثقافية أخرى في بيروت، وفي كافة المدن اللبنانية التي تحتاجه. كنا نتمى أن يكون الحفل داخل التياترو الكبير، لكنه غير صالح لجهة السلامة العامة. وبهذه المناسبة اخترت مع زميلتي معزوفات كلاسيكية، ورغبنا الإفتتاح بمعزوفة من أوبرا كارمن للمؤلف جورج بيزيه».
لا تتخيل نيري غازاريان أن يكون التياترو الكبير في السنوات المقبلة في حالة مبهمة، كالتي تركته عليها شركة سوليدير منذ استيلائها على وسط بيروت.
وتقول: نحن الجيل الجديد معنيون بأن نهتم بكافة معالمنا الثقافية. أمنيتي أن يعود هذا الصرح للشعب، وأن يشكل مساحة تفاعل ثقافي وحضاري. سمعت بوجود مبنى التياترو الكبير قبل بدء الحراك، وكنت أجهل مكانه. وعندما بدأت المشاركة بفعاليات الثورة في رياض الصلح أرشدني أصدقائي إلى مكانه. وعندما دخلته بحذر شديد وجدته مبنى على درجة عالية من الأهمية والجمال. وبالتأكيد نحن نحتاجه، ويجب أن يعود للشعب.
يعلن كريم نمور باسم المفكرة القانونية أن الدفاع عن المساحات العامة يأتي من صلب إهتمامهم. ويقول: نحن في المفكرة القانونية موجودون من ضمن الحراك، بدءاً من 17 الشهر الماضي. وجهنا اهتمامنا نحو مشاريع القوانين. ومن الإشكاليات المطروحة والتي رغبنا بتسليط الضوء عليها هي كيفية استعادة المساحات العامة. والهدف الأبعد هو تسليط الضوء على أهداف المساحات الثقافية العامة في المدينة. وكيف لمدينة أن تبني تطورها من خلال مساحاتها الثقافية؟ والسبب المباشر الذي حفّزنا على هذا النشاط يتمثل بإزالة السياج من حول التياترو الكبير مع اندلاع الثورة، وتمكن الناس من دخوله والوقوف على ما بقي منه. لكنه وكما ترين الآن السياج موجود، وقد أعيد لأسباب تتعلق بالسلامة العامة، فدخول المبنى غير آمن. وأن يكون لـ»المفكرة القانونية» حفل قريبا من التياترو الكبير، فهدفه الأول تسليط الضوء على المساحات الثقافية في لبنان. وثانياً أن تكون هذه المساحات متاحة للجميع.
نعرف أن حفلات التشيللو تكون داخلية وببطاقات بدلها مرتفع، نحن نقلنا تلك الآلة إلى الناس وفي الهواء الطلق، وسماعها متاح للجميع ومجاناً. فالمدينة التي تهدف للتطور من أولوياتها توفير مساحات ثقافية لسكانها ومجاناً.