الشجرة التي حجبت غابة الثقافة في الجزائر… والليبيون يتغلبون على الموت بالسينما

بعد مشوار نضالي في الحركة النسوية في الجزائر، وبعد مسيرة سياسية في عهد التعدد الحزبي، كنائب عن حزب الثقافة والديمقراطية، وبعد تشبث بمقعد وزيرة الثقافة في العهد البوتفليقي من 2002 إلى 2013 ، تجد خليدة تومي نفسها في سجن الحراش، المصير نفسه، الذي لاقاه زملاؤها رؤساء الحكومات ووزراء معها، ومن كان على شاكلتهم.
اتفقت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، بما فيها القنوات الرسمية ومختلف وسائط التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية على الخوض في سيرة وخبر استدعاء الوزيرة السابقة للثقافة، بعد أشهر من الأخبار والإشاعات بشأن استجوابها من طرف قاضي التحقيق في المحكمة العليا، حسب بروتوكول المكانة والوظيفة.
الوزيرة المثيرة للجدل – بالرغم من محاولة إقناع بعض من النخبة، التي كانت تحوم حولها وتخضع لها بالطاعة، وأنها أسدت خدمات كثيرة للثقافة – هي جزء من العصابة التي أخرت الجزائر وأفسدت فيها كل شيء. بعد تكذيبها لخبر إيقافها عدة مرات، كما جاء في العديد من الصحف العتيدة كـ”الوطن” و”الخبر” و”الشروق”، وعلى المواقع الالكترونية الجزائرية، “تي أس أ” و”الجزائر باتريوتيك”، تتصل وتوضح بأنها لم تغادر البلد، بعد إشاعة هروبها لفرنسا، وأنها تلازم والدتها المريضة.
“الجزائرية المنتصبة”، عنوان كتابها في سنوات الجمر، لم يكن، على ما يبدو، سوى سبيل للبروز والدعاية واللعب مع الكبار.
بسهولة انحنت وركعت لنظام اشتد وتفرعن بارتفاع أسعار النفط، وأكملت هي البقية في المهرجانات والملتقيات والبهرجة لتلميعه أمام الوافدين الدائمين على الجزائر.
لعبت على الشعبوية والانفعال وكأنها سلوكيات تلقائية من وزير وإن اخترقت البروتوكولات، لكنها في المقابل أسست لإمبراطورية من الولاءات وخلق مناصب وامتيازات، هكذا جاءت التهم كأنها “حسب المقاس” نهب المال العام، ومنح امتيازات غير مستحقة، حيث كانت خيمة تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية، الشجرة التي عرّت الغابة، كما قالت “الشروق” في عدد أمس. بل الشعرة التي قصمت ظهر الوزيرة منذ 2003 (سنة الجزائر في فرنسا) إلى 2015 (قسنطينة عاصمة الثقافة العربية) مرورا بفعاليات 2007 (الجزائر عاصمة للثقافة العربية) و2009(المهرجان الثقافي الافريقي الثاني) والفساد ينخر قطاع الثقافة، لكن “اغلبوهم بالصوت” على رأي المثل المصري، لم يكن أحد وقتها يجرؤ على انتقاد السياسة الثقافية والوزيرة كانت حينذاك لديها كل الصلاحيات من الرئاسة، وهي بدورها تمن بهذه الصلاحيات على مريديها في مؤسسات الدولة، التي أصبحت جنة خاصة يدخلها من سلموا صكوك الولاء وتقبيل الأيادي ولعق الأحذية.
التحقيقات مستمرة وتطول إلى ساعات متأخرة لأن أخطبوط الفساد طال مؤسسات الثقافة برمتها وحتى مؤسسات البحث، التي غيرت إشكالياتها العلمية ولعبت على الولاءات والمصالح الضيقة، وغاب النقاش العلمي فيها، وراهنت على الدسائس والخزعبلات. الكل في قفص الاتهام إلى أن يثبت العكس.
الكل يجمع على أن ما نهب في فترة الوزيرة السابقة ومن تلاها فاق كل تصور، وما زالت آثاره بادية على المشهد الثقافي، الذي ما زال يتخبط في شبكة حديدية صدئة ثقيلة لا يمكن الخروج منها إلا بإعادة النظر في المناصب والمسؤوليات وما بقي من سياسة البهرجة، التي ما زالت تسيّر بعض ماء وجه الثقافة وما بقي من حياء المحسوبين الجانين على الثقافة.
هل ستقول الوزيرة، التي لا تنقصها فصاحة ولا تأثير فيمن حولها، علي وعلى أعدائي. أم علي وعلى أصدقائي يا رب.

السينما الليبية تتحدى الخراب

اختتم منذ أيام مهرجان “صنع في ليبيا” للسينما المحلية في مدينة أجدابيا بفوز ثمانية أفلام روائية ووثائقية من انتاج محلي شبابي، بعد أن سيطرت أخبار القتل والدمار والتآمر على هذا المجتمع الكريم.
فأتت الجوائز محلية بامتياز ومتنوعة تنوع مناطق البلاد، لتخرج البلاد ولو لفترة قصيرة من أخبار الدمار والقتل الى أخبار القوى الناعمة، فذهبت جائزة أفضل فكرة فيلم للمخرج إيلاف جبريل شبش من بنغازي، عن فيلم “جاري البحث” وأفضل سيناريو للمخرج أحمد الزروق من سرت لفيلم “لحظة عبث”، وكانت جائزة أفضل تصوير وإضاءة لفيلم “المرشد الروحي” للمخرج بشير أبو قاسم بشير من هون، وأفضل مونتاج وغرافيك لفيلم “اعطني فرصة” للمخرج إبراهيم العجيلي من بنغازي، وأفضل تمثيل لفيلم “حب مقدس” للمخرج طه إسكانجي من بنغازي، وأفضل تعليق للفيلم الوثائقي “من أعماق هوا الحجري” للمخرج فتح الله الحاسي من شحات، وأفضل إخراج معتصم الورفلي من أجدابيا عن فيلم “من تغلبوا على الموت”، أما جائزة أفضل إخراج للفيلم الوثائقي فكانت من نصيب المخرج بدر الطيب، من المرج عن فيلم “الحلم المنتظر”.
جرت الفعاليات، التي استقطبت جمهورا غير متوقع، وأقيم المهرجان على مسرح الضمان بحضور نخبة من الإعلاميين والفنانين والمثقفين، والمشروع كان مشتركا بين شركة رؤى الإعلامية والهلال الأحمر في اجدابيا وتحت إشراف الهيئة العامة للإعلام والثقافة والمجتمع المدني.
من بين 42 فيلما مشاركا، دخل منها 18 في المسابقة الرسمية والتقييم، وشارك منها تسعة في العرض، تم استبعاد البقية من قبل لجنة المهرجان لعدم استيفاء الشروط.
وتم تكريم العديد من الفنانين البارزين في مجال السينما وكذلك الجهات الراعية والدعمة للمهرجان ولجنة التحكيم بعد غياب هذا الإنتاج والتكريم طوال الحرب.
ومن الممثلين المكرمين ممن ساهموا في صناعة السينما الليبية الممثل أحمد سالم، الذي أدى دور بلال الحبشي في “فيلم الرسالة”، إلى جانب الممثل طاهر القبائلي والممثلة كريمان جبر. كذلك تم تكريم الممثل إيهاب الورفلي عن دور الطفل في الفيلم العالمي “عمر المختار”.
هذه الفعالية تعتبر بالفعل “مواجهة الموت والقبح بمثل هذا الفرح”، كما عبر عن ذلك السيد جمعة الفاخري، رئيس الهيئة العامة للثقافة في الحكومة الليبية المؤقتة لوكالة الغيمة الليبية للأخبار في كلمة المهرجان الافتتاحية. كذلك عبّر المهرجان عن أن “السينما حياة”.
لا بد من عودة الحياة إلى ليبيا، بالرغم من سنوات الحرب والفوضى، التي تشهدها مختلف المناطق.
مجرد التفكير في مهرجان للسينما تحدّ لكل الظروف وتدمير لجبروت التقتيل والصمود أمام آلة الموت والتربص بليبيا من كل الجهات، ونهب خيراتها، وزرع الخراب فيها.
محاولات لا تنتهي من دول طاغية تقيم الحدود، كما تريد وتصدر الأفكار الزائفة على المستضعفين. تتخطى القوانين والأعراف بطائراتها وترسانتها الحربية وتحمل أعلام الديمقراطية والسلام والحرية المشتعلة دما ونارا. لا يحك جلدك ويلملم جراحك ويوقفك عالية يا ليبيا سوى أبنائك ومبادراتهم. الى مزيد من مبادرات الحياة وسلطة القوة الناعمة.

كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية